ستة اشهر من الصمت حتى انقلب الطاولة عندما ظن خطيبي انني عبية لا افهم العربية

لكن الحقيقة
لم يعرفوا أنني أنا من أعد السکين.
في تلك اللحظة وأنا جالسة بينهم على طاولة مطعم زهرة دمشق في دبي كان جسدي حاضرا بينهم كزينة هادئة لكن عقلي كان في مكان آخر تماما. شوكتي معلقة فوق قطعة لحم لم أتذوق طعمها أصلا وابتسامتي الصغيرة المرسومة بعناية كانت جزءا من شخصية اخترت أن أمثلها بإتقان شخصية الأجنبية الطيبة الغبية قليلا التي لا تفهم كلمة واحدة من حديثهم.
لكني كنت أفهم. أفهم كل كلمة. كل نبرة. كل ضحكة. كل إهانة ملفوفة بثقة.
حين سخر عمر من القهوة التي أعددتها بالماكينة وحين ضحك طارق وهو يشرح له أن معاييره نزلت لأنه اختار فتاة تشرب قهوتها من آلة وكأنها في مطعم أمريكي رخيص لم أسمع فقط كلمات بل سمعت طبقات عميقة من الاحتقار. وحين قالت ليلى إن فستاني ضيق ورخيص وحين همست أميرة بأنني لا أعرف لغتهم ولا عاداتهم كنت أسجل وأبتلع وأنتظر.
لطالما كنت مؤمنة أن أخطر مكان يمكن أن تكون فيه ليس أن يهابك الجميع بل أن يستخفوا بك. أن يظنوك لا تفهم لا تنتبه لا تحسب. لأن من يستهان به يتحرك بحرية. لا أحد يراقبه لا أحد يتوقع منه ضړبة ولا أحد يتخيل أنه يحمل في حقيبته سلاحا حقيقيا اسمه الدليل.
عندما اهتز هاتفي في حقيبتي اعتذرت برقة وطلبت الذهاب إلى الحمام. لم يعترض أحد. كنت بالنسبة لهم مجرد ديكور لطيف يمكنه أن يختفي دقائق ويعود دون أن يتغير شيء.
في الحمام الرخامي البارد أغلقت الباب خلفي واستندت للحظة إلى المص lavabo وأنا أتنفس بعمق. أخرجت الهاتف فظهرت رسالة من James Chen رئيس أمن شركة والدي ورجل الأسرار الثقيلة في حياتنا.
تم رفع التسجيلات. كل العبارات في آخر ثلاث عشاءات عائلية تم تفريغها حرفيا. والدك يسأل هل أنت جاهزة نبدأ
وقفت للحظة أقرأ الرسالة مرة بعد مرة كمن يراجع حكما بالإعدام قبل أن يوقع عليه. لم أكن أريد اڼتقاما عاطفيا فقط. لم يكن يكفيني أن أفضحهم على مستوى عائلي صغير. ما كان يهمني حقا هو الجانب المهني الجانب الذي حاول طارق أن يلعب فيه لعبته القڈرة.
كتبت له 
ليس بعد. أحتاج دليلا مهنيا وليس عائليا فقط.
ضغطت إرسال ثم مسحت المحادثة بالكامل. لا مجال لأي أثر.
وقفت أمام المرآة أصلحت أحمر شفاهي نظرت إلى نفسي مليا. تلك المرأة في المرآة لم تكن سوفي الأميركية الساذجة التي يتخيلها أهل طارق. كانت امرأة أخرى صنعتها ثماني سنوات من العيش في قلب الشرق الأوسط.
قبل دبي كنت شخصا مختلفا تماما.
تذكرت نفسي يوم وصلت إلى دبي لأول مرة بعد تخرجي من كلية إدارة الأعمال وأنا أحمل حماسة شابة أمريكية تعتقد أن العالم سيفتح لها ذراعيه لمجرد أنها تجيد الإنجليزية وتفهم الأرقام. كانت شركة والدي Martinez Global Consulting تحاول دخول السوق العربية منذ سنوات لكن معظم محاولاتها فشلت بسبب عقلية غربية متعالية تدخل الاجتماعات وكأنها تعرف كل شيء فتخرج بخسارة عقد أو إهانة مستترة أو باب مغلق.
هناك في دبي اكتشفت أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل بل مفتاح. أن العربية ليست فقط حروفا بل شبكة ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية واسعة. كنت أجلس في اجتماعات لا تنتهي أسمع عملاء محتملين يتحدثون بالعربية فيما بينهم بينما يكتفون بابتسامات مجاملة بالإنجليزية معنا. كنت أشعر أن عالما موازيا يدور إلى جواري وأنا أقف خارجه.
في لحظة ما قررت أن أقفز للداخل.
استأجرت أفضل المدرسين. قضيت ساعات طويلة أتمرن على مخارج الحروف أكتب جملا بسيطة