ستة اشهر من الصمت حتى انقلب الطاولة عندما ظن خطيبي انني عبية لا افهم العربية


اڼهيار أسرته عن خسائر والده عن نظرة المجتمع له الآن. قال إنه يغادر بوسطن عائدا إلى بلده لا يعرف ما ينتظره.
انتهى بخط مهتز يقول فيه إنه لا يتوقع غفراني لكنه احتاج أن يكتب.
طويته بهدوء بعد أن التقطت له صورة للملف القانوني ثم مزقته ووضعته في سلة المهملات. الاعتذار بعد سقوط الكرتون لا يعيد بناءه.
بعد أسابيع جلسنا على مائدة أخرى في زهرة دمشق لكن هذه المرة لم تكن طاولة المنصور بل طاولة الشيخ عبد الله ووالدي ومحامين وشركاء خليجيين آخرين. كان العشاء احتفالا صامتا بانتصار لا يحتاج ضجيجا انتصار وانتصار للثقة وانتصار لامرأة جلست قبل أشهر على طاولة يسخر فيها منها ثم جلست الآن على طاولة يرفع فيها الكأس باسمها.
قال الشيخ وهو يرفع كأسه وينظر إلي بالعربية 
إلى Sophie Martinez التي لقنتنا جميعا درسا مهما لا تفترض أنك تعرف القصة كاملة ولا تستهن أبدا بشخص يجلس بصمت طويلا.
ثم كرر المعنى بالإنجليزية وضحك الجميع وارتطمت الكؤوس ببعضها.
لاحقا عندما وقف بجانبي قرب نافذة القاعة قال لي بابتسامة هادئة 
ابنتي في عمرك تقريبا تدرس إدارة الأعمال في أوكسفورد. قصصت عليها ما حدث بينك وبين طارق وكيف قمت بحماية شركة عائلتك بثبات وذكاء. أخبرتني أنها تريد أن تكون مثلك.
ضحكت بخجل صادق هذه المرة لا مصطنع 
شرف كبير لي. أتمنى لها طريقا أسهل مع خصوم أقل مكرا.
قال 
العالم يتغير. النظرة لدور المرأة تتغير خاصة في الأعمال. المستقبل لمن يثبت نفسه بالكفاءة والذكاء بغض النظر عن جنسه واسمه.
في اليوم الذي استلمت فيه إشعار ترقيتي إلى Executive Vice President في الشركة وقفت أمام نافذة مكتبي أنظر إلى أفق المدينة وأستعيد كل مشهد أول عشاء مع عائلة المنصور أول نكتة قيلت عني بالعربية أمامي أول مرة وضعت فيها القلادة المسجلة أول رسائل بين طارق و مواجهة ريتشارد لحظة صدمة طارق حين سمعني أتكلم بالعربية في قاعة الاجتماع رسالة ليلى الغاضبة التي رددت عليها بالعربية وحظرتها بعدها خطاب طارق الممزق ورسالة أميرة الأخيرة التي وصلت على بريدي الإلكتروني بعد فترة صمت طويلة تقول فيها 
هذا Amira. أكتب بدون علم عائلتي. أردت أن أقول لك فقط آسفة. كنت جزءا من السخرية من الاحتقار من التحالف ضدك. اليوم وأنا أرى ما حدث لنا بدأت أفهم أن ما فعلناه ليس فقط خطأ بل عيب. القوة التي واجهتنا بها أتمنى يوما ما أن أمتلك نصفها. لا تردي على رسالتي فقط أردت أن تشهدي أن البعض منا تعلم.
قرأت الرسالة مرتين ثم تركتها في صندوق الوارد لا أحذفها ولا أجيب. لم يكن هناك شيء أضيفه. الاعتراف يكفي أحيانا أن يعيش وحده.
خاتم الخطوبة من طارق بعلبته المخملية الداكنة لم يكن في درج غرفة نومي. وضعته في خزنة بنكية مع بعض المجوهرات الأخرى. كلما فكرت فيه شعرت أن قيمته الوحيدة الآن ليست مادية. يوما ما سأبيعه وأحول ثمنه إلى منحة أو تبرع لصندوق يدعم سيدات يعملن في مجال ريادة الأعمال في الشرق الأوسط. سيكون ذلك أفضل مكان يذهب إليه شيء خرج من قصة قڈرة كهذه.
تعلمت من هذه التجربة أشياء أكثر من أن تحصى بسهوله. تعلمت أن الصمت ليس ضعفا دائما. أحيانا يكون أقوى سلاح. تعلمت أن يسمح للآخرين بأن يسيئوا تقديرك لتتحرك بحرية بعيدا عن أعينهم. تعلمت أن كشف قدراتك في الوقت الخطأ يدمر كل ما
بنيته وأن اختيار اللحظة التي تظهر فيها ما تعرفه فن لا يجيده كثيرون.
الأهم من ذلك تعلمت أني لا أحتاج أن يختارني رجل من عائلة فلان لأشعر أنني كاملة. كنت كاملة قبل طارق وبقيت كاملة بعد طارق. لم يكسرني بل كشف لي شيئا عن نفسي كنت أجهله أنني أستطيع أن أواجه خېانة عاطفية ومهنية في نفس الوقت وأخرج منها أكثر صلابة لا أكثر هشاشة.
في تلك الليلة جلست على أريكتي في شقتي المدينة تلمع خلف الزجاج كوب من النبيذ في يدي وحاسوبي المحمول مفتوح على عرض جديد أعده لسوق جديدة في آسيا. لم أكن أفكر فيه ولا في أسرته ولا في نظرة أميرة الأخيرة. كنت أفكر في المستقبل في المشاريع القادمة في التحديات.
اهتز هاتفي برسالة جديدة من والدي 
فخور بك يا صغيرة. كنت دائما كذلك لكن الآن العالم كله رأى ما أراه.
ابتسمت وأنا أكتب له 
أنا فقط تعلمت من الأفضل.
ثم أغلقت الهاتف ورفعت الكأس برفق في الهواء دون جمهور دون صخب دون خطب. فقط أنا والنافذة والمدينة. وهمست بالعربية التي لم يعودوا يملكونها ضدي 
لبدايات جديدة هذه المرة بشروطي أنا.
ثم شربت رشفة هادئة وابتسمت.
لم أعد بحاجة أن أعد السکين.
فقد أديت مهمتها وانتهى الأمر.