أهان الشيخُ النادلةَ أمام الجميع لأنها بدت له فتاة بسيطة لا تفهم العربية


تكن تحاول الاڼتقام لنفسها فقط.
بل كانت تحاول إسقاط الرجل الذي اعتاد سحق كل من هو أضعف منه.
أما الشيخ سالم
فكان ينظر حوله الآن وكأنه يرى العالم لأول مرة بدون خوف الناس منه.
وذلك الشعور
كان أقسى عليه من أي خسارة مالية.
لكن ما لم يكن يعرفه بعد
هو أن الضابط لم يأتِ فقط بسبب الشحنات والتحويلات.
بل لأن هناك شخصًا آخر قدّم شهادة سرية ضده صباح اليوم
شخصًا من داخل عائلته نفسها.
ظلّت عبارة الضابط الأخيرة تتردد داخل رأس الشيخ سالم كالصدى
شخص من داخل عائلتك.
في تلك اللحظة
شعر سالم بشيء لم يشعر به منذ سنوات طويلة.
الخۏف الحقيقي.
ليس خوف الخسارة.
ولا خوف الڤضيحة.
بل خوف الطعڼة التي تأتي من شخص قريب جدًا.
رفع رأسه ببطء نحو الضابط وقال بصوت مشدود
من الذي قدّم الشهادة؟
لكن الضابط لم يجب فورًا.
بل قال بهدوء
ستعرف ذلك في الوقت المناسب.
ثم أشار إلى أحد مساعديه الذي سلّمه ملفًا رماديًا سميكًا.
فتح الضابط الملف ببطء، بينما كانت عيون الجميع معلقة عليه.
وقال
لدينا تحويلات مالية بأسماء وهمية.
وشحنات دخلت وخرجت دون تسجيل رسمي.
وشهادات من موظفين سابقين.
ثم رفع عينيه نحو سالم وأضاف
لكن الشهادة الأهم جاءت هذا الصباح.
ابتلع سالم ريقه بصعوبة.
ولأول مرة
بدت عليه ملامح رجل محاصر فعلًا.
أما ليان، فكانت تراقبه بصمت.
شيء ما في داخلها كان يرى انهياره بوضوح الآن.
ذلك الرجل المتعالي الذي كان قبل ساعة فقط يسخر من الجميع
أصبح بالكاد قادرًا على الوقوف بثبات.
وفجأة
رنّ هاتف الشيخ سالم.
صوت الرنين وحده بدا حادًا وسط الصمت.
نظر سالم إلى الشاشة.
ثم تغيّر وجهه فورًا.
لاحظت ليان ذلك.
حتى الضابط انتبه.
أما سالم
فأغلق الهاتف بسرعة دون أن يجيب.
لكن بعد ثوانٍ فقط
وصلت رسالة جديدة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
بدأت يده ترتجف قليلًا وهو يقرأ.
فقال الضابط
هل هناك مشكلة؟
لم يرد سالم.
بل فتح الرسالة الأخيرة ببطء.
وفي اللحظة التالية
اختفى اللون من وجهه تمامًا.
لاحظ فهد الكعبي ذلك فقال بقلق
سالم ماذا حدث؟
رفع سالم عينيه ببطء شديد.
ثم قال بصوت بالكاد خرج
ابني
ساد الصمت.
ثم أكمل
ابني اختفى.
تبادل الجميع النظرات بدهشة.
أما ليان، فانعقد حاجباها قليلًا.
وقال سالم بسرعة وهو ينظر إلى هاتفه
الحرس لا يجدونه في المنزل
وسيارته ما زالت في المرآب.
ثم فتح الرسالة الأخيرة أمامه مجددًا.
وكانت من رقم مجهول.
اسأل نفسك لماذا هرب ابنك قبل ساعات من وصول الشرطة.
شعر سالم بأن الأرض تميد تحته.
ابنه راشد
الوحيد الذي كان يثق به فعلًا.
الوحيد الذي أدخله في بعض أعماله الخاصة خلال السنتين الماضيتين.
وفجأة
بدأ شيء مرعب يتشكل داخل رأسه.
الټفت مباشرة نحو الضابط وقال بانفعال
أين ابني؟!
ماذا فعلتم به؟!
ردّ الضابط ببرود
نحن لم نقترب من ابنك.
ثم أضاف
لكن يبدو أنه عرف أن التحقيقات بدأت قبل غيره.
اتسعت عينا سالم پصدمة.
أما فهد، فقد فهم الأمر قبل الجميع.
فقال ببطء
راشد هو من قدّم الشهادة أليس كذلك؟
لم يجب الضابط.
لكن صمته كان أوضح
من أي إجابة.
في تلك اللحظة
شعر سالم وكأن شيئًا داخله انكسر تمامًا.
جلس على الكرسي ببطء شديد.
ولأول مرة منذ بداية الليلة
لم يعد يبدو كرجل نافذ أو شيخ قوي.
بل أبًا عجوزًا تلقّى ضړبة لم يتوقعها أبدًا.
مرّت ثوانٍ طويلة دون أن يتكلم أحد.
ثم قال سالم بصوت خاڤت
مستحيل
راشد لا يمكن أن يفعل هذا بي.
لكن ليان نظرت إليه بهدوء وقالت
أحيانًا
أكثر الناس قربًا منا هم أول من يرى حقيقتنا.
رفع سالم رأسه نحوها.
وكانت عيناه هذه المرة مختلفتين تمامًا.
لا غرور فيهما.
ولا تعالٍ.
فقط تعب ثقيل.
ثم قال فجأة
أنتِ لا تفهمين شيئًا.
سكت الجميع.
وأكمل سالم بصوت بطيء
ابني لم يهرب خوفًا مني
بل خوفًا من الأشخاص الذين أعمل معهم.
تبادل الضباط النظرات سريعًا.
أما ليان، فقد شعرت بأن شيئًا جديدًا بدأ يظهر تحت السطح.
شيء أخطر من مجرد فساد مالي.
ثم انحنى سالم قليلًا وهمس
لو تكلّم راشد فعلًا
فلن أكون أنا وحدي الذي سيسقط الليلة.
ارتفعت نظرات الجميع نحو