أهانوها أمام العمال لأن شكلها لم يعد مناسبًا… لكنهم بعد دقائق اكتشفوا أن المرأة التي كسروها كانت وحدها تمسك قلب المعمل كله بيديها.

الشحنة توقفت!
ارتدّ الصړاخ تحت سقف صالة الإنتاج.
في البداية لم يتحرك أحد.
ثم ركض الجميع كأن الأرض اشتعلت تحت أقدامهم.
خرج المشرفون من الاستراحة والمناديل ما زالت في أيديهم، ورنا خلفهم شاحبة تحت المكياج، وسامر يمسك ورقة استقالتي المجعدة بين أصابعه.
الخط الثالث صار صامتًا.
لا يوجد صمت أثقل من صمت معمل توقفت ماكيناته.
ولا حتى مجلس عزاء.
لأن المعمل، حين تسكت أجهزته، يسمع الجميع صوت المال وهو يسقط على الأرض.
نهضتُ ببطء.
نظر ليث إلى الشاشة كأنه يرى شبحًا.
خالة أميرة ماذا فعلتِ؟
قلت
أنهيت مناوبتي.
لكن كل شيء توقف.
ليس كل شيء فقط ما كان يعتمد عليّ.
وصل سامر وهو يدفع الناس من أمامه.
أرجعيه! صړخ الآن فورًا!
خلعت بطاقتي التعريفية.
اثنان وعشرون عامًا كانت معلقة على صدري.
اثنان وعشرون عامًا أسجل دخولي قبل طلوع الشمس، وأعبر ساحة المعمل مع برد الفجر، وآكل لقيمات باردة فوق صناديق الكرتون بين مناوبة وأخرى.
وضعتها فوق الجهاز.
أنا لم أعد أعمل هنا.
حاولت رنا أن تدخل بيننا.
أستاذة أميرة، هذا تخريب.
نظرت إليها.
التخريب هو أن ترسلوا قطعًا طبية بلا تتبع. التخريب هو أن تجعلوا من لا يعرف قراءة الانحرافات يوقّع تقارير الجودة. التخريب هو أن تسرقي ملفًا وتظني أن المعمل يُفهم من الورق فقط.
اختفت ابتسامتها.
أشار سامر إلى الأمن.
لا تتركوها تخرج.
ظهر ابني من جهة المخزن.
لا أحد ېلمس أمي.
تردد الحارسان.
كانا شابين رأيتهما يوم دخلا المعمل أول مرة، بملابس جديدة وخوف واضح من خسارة الراتب.
أحدهما أنزل عينيه.
والآخر ابتعد خطوة.
لم يكن ذلك حبًا.
كان ذاكرة.
كثيرون أنقذت لهم علاواتهم ومناوباتهم وخصومات ظالمة.
وكثيرون علّمتهم كيف يملؤون التقارير حتى لا يحملوا خطأ النظام وحدهم.
في المعمل، تتعلم المرأة أن الكرامة أيضًا تحتاج إلى ضبط، مثل الميزان، لأن أي خلل صغير يجعل الجميع يرمون الوزن فوق كتفيها.
بدأ جهاز اللاسلكي مع سامر يصدر أصواتًا متقطعة.
الإدارة المخزن متوقف.
الجودة لا تستطيع تحرير الشحنة.
قسم الشحن فقد الاتصال.
الشاحنة واقفة في الساحة.
ابتلع سامر ريقه.
في بغداد، المعمل يعيش بعين على الإنتاج وعين على الطريق.
الشحنة المتأخرة ليست صندوقًا منسيًا.
هي سلسلة كاملة تتعطل من هنا حتى المنفذ الحدودي، حيث ينتظر الزبون وكأن الطريق مجرد خط على الخريطة.
قال سامر بصوت أخفض
أميرة لا تصنعي مشهدًا.
ضحكت، لكن الضحكة خرجت مکسورة.
المشهد صنعتموه أنتم في استراحة المعمل.
شدّت رنا ملفي إلى صدرها.
أنا أملك الإجراءات.
قلت
لديكِ نسخ قديمة.
هنا مكتوب كيف نعيد التشغيل.
مكتوب كيف تعيدين التشغيل حين يكون النظام حيًا.
فتحت الملف وكأنها تنتظر أن تتكلم الأوراق.
قلبت الصفحات بسرعة.
بسرعة زائدة.
هكذا يقرأ من لم يفهم كلمة واحدة.
بدأ الضوء الأحمر يومض فوق الخط الخامس.
كانت هناك دفعة من القساطر الطبية عالقة بين الفحص والتغليف.
لا تستطيع التقدم.
ولا تستطيع الرجوع.
كل قطعة لها رقم، وسجل، ومصدر، ووجهة.
في معمل ألعاب، هذا مال.
أما في معمل أجهزة طبية، فقد يكون الأمر حياة إنسان.
اقتربت من ابني.
هيا نذهب.
قال بقلق
أمي، سيقولون إنكِ
قاطعته
فليقولوا.
قد يرفعون عليكِ قضية.
ليرفعوها ومعهم الكود الذي كتبته داخل خوادمهم من دون عقد واضح.
فتح فمه، لكنه لم يجد كلامًا.
خرجنا إلى موقف السيارات.
كانت شمس الثالثة قاسېة.
الشاحنات مصطفة في الخارج، تنتظر بصناديقها البيضاء كحيوانات متعبة.
مشيت حتى سيارتي القديمة التي تصدر صوتًا متعبًا كلما اشتغلت.
كانت يداي ترتجفان إلى درجة أنني لم أستطع إدخال المفتاح.
أخذه مني بلطف.
أنا أقود.
لم أجب.
ما إن خرجنا من المعمل حتى بدأ هاتفي يهتز.
أولًا ليث.
ثم الموارد البشرية.
ثم سامر.
ثم رقم خارجي.
أغلقته.
قاد السيارة كأنه يحمل زجاجًا على المقعد.
سألني
إلى أين؟
قلت
نأكل.
نظر إليّ كأنني فقدت عقلي.
نأكل؟
نعم أنا جائعة منذ سنوات.
دخلنا محلًا صغيرًا.
طلبت سندويشة ساخنة.
وطلب اثنتين، لأن الخۏف أيضًا يفتح الشهية.
أخذت أول لقمة، فامتلأت عيناي بالدموع.
لم يقل شيئًا.
فقط مدّ لي منديلًا.
همست
أنا لا أبكي بسببهم.
قال
أعرف.
قلت
أبكي لأنني تأخرت كثيرًا.
أنزل عينيه.
وأنا أيضًا تأخرت.
سألته
في ماذا؟
في الدفاع