الشاب الذي كان يوقف سيارته آخر الشارع… كان يخفي الجوع لا الهروب

في تلك اللحظة، لم يعد أي شيء من حساباتي مهمًا.
الإيجار المتأخر.
فاتورة الكهرباء.
وخۏفي من أن يستغلني أحد.
كل ذلك صار صغيرًا أمام بخاخ الربو الفارغ فوق الطاولة، وأمام شاب عمره ستة وعشرون عامًا كان ېموت من الخجل قبل أن يطلب النجدة.
سيف قلت بأكثر صوت ثابت استطعت إخراجه متى كانت آخر مرة استخدمت فيها بخاخًا ممتلئًا؟
لم يرد.
جلس على طرف الفرشة، كأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمل الكذبة أكثر.
لا أعرف تمتم كنت أقتصد فيه. بخة صباحًا وبخة ليلًا. وبعدها فقط عندما أشعر أن صدري يغلق فعلًا.
هذا ليس شيئًا يمكن تقسيطه.
أعرف.
قالها پغضب، لكن ليس مني.
بل من جسده.
ومن المال.
ومن هذه المدينة التي تبتلع الناس أحيانًا بين الزحام، والإيجارات المستحيلة، والأعمال التي يمكن أن يستبدلوك فيها قبل أن يتذكروا اسمك.
اقتربت من الطاولة وأخذت الوصفة.
سنذهب إلى الصيدلية.
رفع سيف رأسه بسرعة.
لا أستاذة أمينة. أنتِ فعلتِ أكثر من اللازم.
أنا لا أسألك.
لا أريد أن أصبح مدينًا أكثر.
إذًا لا تعتبر نفسك مدينًا. فقط ابقَ حيًا.
أسكته ذلك.
في الخارج، كانت الكرادة تمضي كأن شيئًا لم يحدث. دراجة هوائية مرت قرب الرصيف بصوت حاد. ورائحة السمبوسة الساخنة القادمة من آخر الشارع دخلت إلى الساحة مع دخان خفيف. ومن بعيد كانت السيارات تطلق أبواقها كأن العالم كله يُحل بالصړاخ.
وقف سيف ببطء.
واضطر أن يسند نفسه على الجدار.
وهنا خفت فعلًا.
لم يكن الأمر جوعًا فقط.
ولا تعبًا فقط.
بل ذلك الصفير الخاڤت داخل تنفسه، بالكاد يُسمع، كأنه باب قديم يُغلق من الداخل.
لن تقود السيارة الآن قلت.
أستطيع.
لا تستطيع.
نظر إليّ بعينين لامعتين.
إذا تركت السيارة هنا وغادرت، فلن أستطيع نقل أغراضي غدًا.
أنت لن تغادر غدًا.
أستاذة
لن تغادر غدًا كررت ليس وأنت بهذه الحالة.
نظر إليّ كأنني صڤعته.
ليس من الألم.
بل من المفاجأة.
الناس الذين يغرقون يعتادون أن تكون كل الجمل دفعات إلى الخارج.
ادفع.
تحرك.
حل مشكلتك.
وعندما يقول أحدهم ابقَ، لا يعرف الجسد أين يضع كل ذلك الحذر.
خرجنا من باب الساحة.
كان يمشي ببطء، والكنزة مغلقة حتى رقبته رغم أن الجو لم يكن باردًا. وأنا كنت أحمل الوصفة ومفاتيحي وكيسًا قماشيًا. وفي منتصف الشارع رأتنا أم مصطفى، جارتنا في البيت المقابل، ولوّحت لنا من نافذتها الممتلئة بالنباتات.
كل شيء بخير يا أمينة؟
بخير كذبت.
خفض سيف رأسه أكثر.
لا تخبري أحدًا همس.
لم أُخلق لأمشي وأحكي أوجاع الناس.
مشينا حتى الصيدلية القريبة من الشارع العام. وفي الطريق مررنا بمخبز كان يخرج الصمون الساخن من الفرن، وبائع عصير رتب البرتقال فوق بعضه كأنها شموس صغيرة رخيصة. الكرادة هكذا دائمًا، تبدو هادئة من الخارج، لكن خلف كل ستارة يوجد شخص يحاول النجاة بصمت.
في الصيدلية سألت عن البخاخ.
ابتعد سيف قليلًا، وتظاهر بأنه ينظر إلى فراشي الأسنان.
وعندما قالت البائعة السعر، أغلق عينيه.
لم يكن مبلغًا كبيرًا لمن لا يزال يملك وسادة آمنة.
لكنه كان جدارًا كاملًا لشخص يملك سبعة وعشرين ألفًا فقط.
اشتريت اثنين.
واحدًا