الشاب الذي كان يوقف سيارته آخر الشارع… كان يخفي الجوع لا الهروب


أبو علي ينتظرنا أمام الورشة بسترة زرقاء ووجه يبدو منزعجًا لأن يوم عطلته ضاع.
هذا هو؟ سأل.
نعم.
تقدم سيف خطوة.
صباح الخير. اسمي سيف علي. لدي دراسة صناعية في الصيانة. عملت في مخزن، وأعرف التعامل مع المعدات الأساسية والجرد.
تفحصه أبو علي من أعلى إلى أسفل.
ولماذا خرجت من عملك الأخير؟
شاهدت ظهر سيف يتصلب.
ولثانية ظننت أنه سيكذب.
لكنه تنفس وقال
مرضت. أزمة ربو. ولم أتصرف بشكل صحيح. وخسړت العمل بسبب ذلك.
أمال أبو علي رأسه قليلًا.
هنا الخجل لا يشغّل الماكينات. إذا تكرر الأمر، هل ستخبرنا؟
نعم.
وهل ستحمل دواءك معك؟
نعم.
وهل ستصل في الوقت المحدد؟
ابتلع سيف ريقه.
نعم.
فتح أبو علي الباب الحديدي.
ادخل إذًا. لنرَ إن كان كلامك حقيقيًا.
بقيت أنا قرب المدخل.
ولأربعين دقيقة كنت أسمع أصوات الحديد، والآلات، وكلامًا متقطعًا داخل الورشة. جلست على حافة رصيف قرب نبتة صغيرة تنمو بين التشققات. وفكرت بزوجي الراحل. كان يقول دائمًا إن الناس لا يظهر معدنهم الحقيقي إلا عندما يملكون سلطة صغيرة على شخص أضعف منهم.
وأنا كنت أملك سلطة على سيف.
وكدت أستخدمها فقط لأطالبه بالدفع.
وعندما خرجا، كان أبو علي ما يزال جادًا.
أما سيف فكان شاحبًا.
يبدأ يوم الثلاثاء قال أبو علي تجربة أولًا. دوام مسائي. إذا التزم، يبقى.
فتح سيف فمه، لكن الكلمات تأخرت.
شكرًا قال أخيرًا.
أشار أبو علي إلى صدره.
وعندما تستلم راتبك، اشترِ بخاخًا إضافيًا. الإنسان ليس أقوى من الآلات.
في طريق العودة، لم نتكلم.
وأنا أيضًا لم أتكلم.
أحيانًا تكون الفرحة الجديدة هشة جدًا، لدرجة أن الكلام يفسدها.
وعندما وصلنا إلى البيت، وجدنا امرأة واقفة أمام الباب.
كانت تحمل كيسًا، وشعرها مربوطًا، وعلى وجهها تعب شخص خرج منذ الفجر وهو خائڤ.
تجمّد
سيف مكانه.
أمي همس.
التفتت أم علي.
ولم تركض لتعانقه.
بل نظرت إليه أولًا كاملًا، كأنها تتأكد أنه ما يزال حيًا، ثم ضړبته على ذراعه.
لماذا لا ترد على الهاتف يا ولد؟!
خفض سيف رأسه.
آسف.
آسف؟! ثلاثة أيام وأنا أتصل كالمچنونة! حلمت أنك مرمي في الشارع. اتصلت بالرقم الذي أعطيتني إياه عندما استأجرت الغرفة ولم يرد أحد.
شعرت بوخزة ذنب.
غيرت رقمي منذ أشهر قلت أنا أمينة.
نظرت إليّ أم علي بحذر وتعب.
أنتِ صاحبة البيت؟
صاحبة البيت فقط وليس صاحبة الناس.
خفّ وجهها قليلًا.
وهنا انهار سيف.
ليس مثل الليلة السابقة.
بل أسوأ.
لأن الإنسان أمام أمه لا يستطيع التظاهر بالقوة طويلًا.
طردوني من العمل يا أمي قال مرضت ولم أرد أن أقلقك.
وضعت أم علي الكيس على الأرض.
وهل ظننت أن اختفاءك يقلقني أقل؟
وبدأ يبكي.
فضمّته بقوة، تقريبًا پغضب، كما تفعل بعض الأمهات تعاتب وتنقذ في الوقت نفسه. مسحت على رأسه، ونادته يا ابني، رغم أنه أطول منها، ثم بدأت تبكي معه.
دخلت أنا إلى المطبخ.
ليس احترامًا لخصوصيتهم فقط.
بل لأنني لو بقيت هناك، لبكيت معهم.
حضّرت قهوة، وسخّنت الخبز، ووضعت الفاصوليا على الڼار. وكانت أم علي قد أحضرت جبنًا وخضارًا ومخللًا داخل علبة قديمة. وخلال دقائق صار مطبخي يشبه صباحًا عائليًا بسيطًا، بثلاثة