الشاب الذي كان يوقف سيارته آخر الشارع… كان يخفي الجوع لا الهروب


يزالون ينقلون الصناديق طوال الليل. جلست قرب جدار لأنني لم أعد أستطيع التنفس. رجل لا أعرفه ساعدني في طلب سيارة أجرة. وصلت إلى مستشفى اليرموك، وبعدها لم أذهب للعمل في اليوم التالي. ثم لم أستطع العودة بعدها أيضًا. وعندما رجعت، كان هناك شخص آخر مكاني.
كانت كڈبة تقليص العمال آخر قطعة كرامة حاول أن يغطي بها نفسه أمامي.
لماذا لم تخبرني؟
ابتسم بلا فرح.
لأنك صاحبة البيت.
تلك الكلمة آلمتني أكثر مما توقعت.
صاحبة البيت.
التي تحاسب.
والتي تراقب.
والتي تستطيع تغيير القفل.
لسنوات كنت أحتمي خلف هذه الكلمة لأنني كنت خائڤة أيضًا. بعد ۏفاة زوجي، ساعدني تأجير الغرفة على تغطية المصاريف. وتجربة سيئة مع مستأجر سابق ترك الديون والجدران المکسورة جعلتني قاسېة. كنت أسمي ذلك حذرًا، لكن الحذر أحيانًا يشبه القسۏة كثيرًا.
وأنا أيضًا أمينة قلت.
لم يرد.
لكن شيئًا في كتفيه ارتخى.
في تلك الليلة لم أتركه ينام في الغرفة الخلفية.
وضعت له أغطية نظيفة على أريكة الصالة، تحت صورة زوجي الراحل. حاول أن يرفض طبعًا. قال إنه لا يريد الإزعاج، وإنه بخير هناك، وإن الأمر لا يستحق.
أرسلته ليستحم.
وأعطيته منشفة زرقاء وقميصًا قديمًا لابني الذي يعيش في أربيل ولا يزورني إلا عندما يحتاج شيئًا من البيت. كان القميص واسعًا قليلًا، لكنه أزال عنه شكل الغريق.
وأثناء استحمامه دخلت الغرفة الصغيرة.
ليس للتجسس.
بل لفتح النافذة وكنس الفتات ورمي الخبز اليابس.
ووجدت الورقة مرة أخرى.
رجاءً لا تزعجوا السيدة.
طيّتها ووضعتها داخل مريولي.
لم أكن أعرف السبب.
ربما لأن بعض الجمل لا يجب أن تُرمى قبل أن نفهم كم كان وزنها على صاحبها.
عند السادسة صباحًا من يوم الأحد، استيقظت بغداد على ذلك الرمادي الخفيف الذي يجعل الأرصفة تبدو كأنها مغطاة بطبقة فضة باهتة. ومن نافذتي رأيت بائعي السمبوسة يرتبون بضاعتهم، ورجلًا يكنس الشارع ببطء كأنه يمشّط الحي كله. حضرت بيضًا بالطماطم، وفاصوليا، وخبزًا ساخنًا.
خرج سيف من الصالة قبل أن أناديه.
كان شعره مبللًا، والقميص مكويًا بطريقة مرتبكة، وعلى وجهه خوف نظيف يجعله يبدو أصغر من عمره.
لم أنم تقريبًا قال.
المهم ألا تنام أثناء المقابلة.
ابتسم.
وأكل أكثر من الليلة السابقة.
وهذا طمأنني.
عند العاشرة خرجنا بسيارتي القديمة البيضاء. عبرنا الشوارع بهدوء، وكانت بغداد يوم الأحد مختلفة قليلًا محلات تفتح أبوابها ببطء، وعائلات في طريقها إلى السوق، ورجل يبيع الشاي قرب الإشارة، وواجهات جديدة تقف بجانب بنايات متعبة.
وعندما مررنا قرب ساحة الطيران، نظر سيف من النافذة.
كنت أضيع هنا عندما جئت أول مرة إلى بغداد قال لم أكن أفهم خطوط النقل.
كلنا نضيع بالبداية. الفرق فقط أن بعض الناس يعترفون بذلك.
ضحك مرة أخرى.
أقوى هذه المرة.
استقبلتنا منطقة البياع بجدران طويلة، وأبواب حديدية، وشوارع مليئة بالشاحنات الكبيرة. هنا لم تكن المدينة تتظاهر بالأناقة. كانت رائحة الزيت والحديد والغبار والمخابز الصناعية تملأ المكان. منطقة قاسېة، نعم، لكنها ما زالت تؤمن بقيمة اليد التي تعمل.
كان