دفنتُ زوجي لخمس سنوات… ثم رأيته يحمل طفلًا وينادونه: بابا

بابا
تلك الكلمة اخترقتني أكثر من رؤيته حيًا.
لأنه إذا كان حيدر يتنفس، فهذا يعني أنه لم يتركني فقط.
بل دفنني أنا.
أخذت أم علي الهاتف من يدي عندما بدأت أرتجف.
تنفسي يا إلهام.
لم أستطع.
الهواء كان يدخل، لكنه لا يصل إلى أي مكان.
في الشاشة، كان حيدر يحمل ذلك الطفل بحنان أعرفه جيدًا. نفس الذراعين اللتين حملتا سارة يوم وُلدت. الذراعان اللتان ظننتهما تحت التراب منذ خمس سنوات.
ذهبت إلى الحمام وتقيأت حتى احترق حلقي.
أم علي لم تقل قلت لكِ.
وقد شكرتها على ذلك.
جلست فقط خلف الباب وتحدثت بصوت منخفض.
لا تذهبي وحدك. ولا تواجهيهم الآن. الأحياء الذين يتظاهرون بالمۏت أخطر من المۏتى الحقيقيين.
ضحكت، لكن صوتي خرج كشهقة باكية.
أنا قبّلت يده داخل النعش.
وهل أنتِ متأكدة أنها كانت يده؟
السؤال جمّد دمي.
عدت إلى الغرفة وساقاي بالكاد تحملانني.
فتحت الصندوق الذي أحتفظ فيه بأوراق حيدر شهادة الۏفاة، إيصالات الډفن، تقرير المستشفى، وصور العزاء التي لم أجرؤ يومًا على النظر إليها.
كل شيء كان تفوح منه رائحة الرطوبة والذنب القديم.
شهادة الۏفاة تقول إن حيدر ماټ بسبب إصابة قوية في الرأس بعد حاډث على الطريق.
والچثة، بحسب الورقة، استلمها أبو حيدر.
ليس أنا.
أنا وصلت إلى العزاء والنعش كان مغلقًا تقريبًا. تركوا نافذة صغيرة ويدًا واحدة في الخارج، باردة، عليها مكياج، وعلامة صليب صغيرة على المعصم.
قبّلتها وأنا أبكي.
أردت أن أصدق أنه هو لأن الجميع كانوا يقولون إنه هو.
كنتِ محطمة قالت أم علي وهم كانوا يعرفون ذلك.
تلك الليلة لم أنم.
انتظرت حتى ڠرقت سارة في النوم، ثم أخرجت جميع إشعارات التحويلات. رتبتها فوق الطاولة حسب التاريخ، كأنني أبني هيكل إذلالي بيدي.
ستون تحويلًا.
خمس سنوات.
ثلاثون مليون دينار.
غير المواد الغذائية، والأدوية، والمشاوير، وحالات الطوارئ التي لم تكن موجودة أصلًا.
عند الثالثة فجرًا وجدت شيئًا غريبًا.
أول تحويل لم يكن بعد مۏت حيدر.
بل قبل مۏته بأسبوعين.
لم أتذكر أنني فعلته.
راجعت التطبيق القديم في هاتفي.
وكان مكتوبًا في خانة الملاحظة
دفعة اتفاق ح.
اتفاق ح.
حيدر.
شعرت كأن بابًا يُفتح داخل باب آخر.
بحثت بين أغراضه، ووجدت دفترًا أسود مخفيًا داخل علبة أحذية تحت فواتير الكهرباء.
لم أره من قبل.
كان حيدر يدوّن كل شيء.
ديون.
أسماء.
تواريخ.
قروض.
وفي الصفحة الأخيرة، بخطه المائل، كانت هناك جملة واحدة
إلهام لا يجب أن تعرف حتى يفوت الأوان.
ظللت أحدق في الكلمات.
لم أبكِ.
ليس بعد الآن.
أحيانًا يصل الألم إلى مرحلة يتجاوز فيها نفسه ويصبح شيئًا آخر.
يصبح شفرة.
مع الفجر أخذت سارة إلى بيت أختي رنا.
قلت لها إن عندي مشكلة في العمل يجب أن أحلها.
نظرت إليّ طويلًا.
الموضوع له علاقة بحيدر؟
تجمدت مكاني.
كنتِ تعرفين؟
خفضت عينيها.
لا. لكنني منذ سنوات لم أعد أصدق أهله. يوم العزاء، حماتك لم تكن تبكي عندما كانت تظن أن لا أحد يراها.
أردت أن أعانقها وأصفعها في الوقت نفسه.
لماذا لم تقولي لي؟
لأنكِ كنتِ مکسورة. ولأنكِ كلما شك أحد بحيدر، كنتِ تدافعين عنه كأن الاستمرار في تصديقه هو الشيء الوحيد الذي يبقيكِ واقفة.
كانت محقة.
وهذا آلمني أكثر.
تركت سارة عندها وذهبت مع أم علي إلى مركز الشرطة.
لم يكن الأمر مثل الأفلام.
لم يركض أحد لاعتقال أحد.
أولًا جعلوني أنتظر.
ثم سألوني إن كنت متأكدة.
ثم طلبوا نسخًا من الأوراق.
محامية شابة، بحاجبين كثيفين وصوت ثابت، كانت أول شخص لا ينظر إليّ كأنني مچنونة.
اسمها نسرين جابر.
شاهدت الفيديو.
وشاهدت التحويلات.
وشاهدت شهادة الۏفاة.
وعندما وصلت إلى الدفتر، أغلقت الملف ببطء.
أستاذة إلهام، هذا قد يكون احتيالًا، وتزويرًا، وانتحال ۏفاة، واستغلالًا عائليًا. لكننا نحتاج لتأكيد الهوية.
إنه هو.
أعرف. لكن حتى يُحاسب، لا يكفي أن يتعرف عليه قلبكِ.
أعجبني أنها قالت قلبكِ.
ولم تقل ألمكِ.
ولا