دفنتُ زوجي لخمس سنوات… ثم رأيته يحمل طفلًا وينادونه: بابا


قالت أنا التي تركتها هنا.
غطى حيدر وجهه بيديه.
ظننت أنني سأشعر بالراحة.
لم أشعر.
شعرت بالحزن على ابنتي، لأنها أصبحت أنضج من أبيها.
حاول حيدر أن يشرح لها الديون والخۏف والحاډث والأخطاء.
استمعت له بصمت.
ثم سألته
هل رأيتني يومًا في المدرسة؟
لم يجب.
في أعياد ميلادي؟
لا شيء.
عندما مرضت؟
صمت.
ضمت سارة دميتها.
إذًا لم تكن شبحًا. كنت كاذبًا فقط.
تنفست الأخصائية ببطء.
وأنا أيضًا.
أما دموع حيدر فلم تعد تعني شيئًا.
وهذا كان الفرق.
لأشهر طويلة بقي داخلي شعور بالذنب.
غريب لكنه حقيقي.
ذنب لأنني لم أكتشف الحقيقة مبكرًا.
وذنب لأنني جعلت سارة تتحدث مع قبر لا يخص أباها.
وذنب لأنني شعرت بالراحة عندما توقف أهل حيدر عن الاتصال.
قالت لي المعالجة النفسية يومًا
الذنب كان الأداة التي استخدموها للسيطرة عليكِ. لذلك لن يختفي فور اكتشاف الحقيقة.
وكانت محقة.
في البداية، كل يوم خمسة عشر من الشهر كنت أستيقظ مذعورة، كأنني نسيت إرسال المال.
وفي أول شهر لم أحوّل فيه شيئًا، اشتريت لابنتي حذاءً جديدًا ولحمًا وفاكهة.
احتضنت سارة الحذاء كأنه كنز.
الآن أصبحنا نستطيع؟
بكيت داخل المحل.
والمرأة خلف الصندوق تظاهرت بأنها لم ترني.
في الشهر الثاني اشتريت سريرًا جديدًا.
وفي الثالث دفعت رسوم دورة تمريض كنت أؤجلها منذ سنوات.
وفي الرابع غيرت قفل باب البيت.
وكانت أم علي موجودة.
حتى لا يدخل المۏتى قالت.
ولا الأحياء أجبتها.
فضحكت.
استمرت القضية أكثر من سنة.
وماټ أبو حيدر قبل صدور الحكم.
لم أشعر بالفرح.
ولا بالحزن.
أما أم حيدر فحُكم عليها بالاحتيال والمشاركة في التزوير، رغم أن محاميها حاول تصويرها كأم يائسة.
وحصل حيدر على حكم أكبر.
بسبب التزوير، والاحتيال، والتخلي عن مسؤولياته، وكل ما يتعلق بچثة قاسم.
لم يكن الحكم كافيًا.
ولن يكون كافيًا أبدًا.
لكن عندما أنهى القاضي قراءة القرار، نظرت إلى يدي.
لم تعودا ترتجفان.
انتقلت هناء إلى مدينة أخرى مع طفلها.
وقبل سفرها جاءت لرؤيتي.
سامحيني قالت.
أنتِ أيضًا تعرضتِ للخداع.
لكنني عشت مع شيء كان لكِ.
فكرت بحيدر.
وبسهولة تقسيمه نفسه بين حياتين.
لا قلت أنتِ عشتِ مع شيء كنت أظنه لي. وهذا ليس الشيء نفسه.
تعانقنا بتردد.
لم نكن صديقتين.
كنا امرأتين نجتا من الكذبة نفسها بندوب مختلفة.
أخت قاسم أعادت ډفن أخيها في الموصل.
ودعتني للحضور.
ذهبت مع سارة.
وحملنا الورود.
في الطريق سألتني سارة
هل كان هذا الرجل أبي المزيف؟
فكرت قبل أن أجيب.
كان رجلًا استخدموه حتى يكذبوا علينا.
وهل كذبوا عليه أيضًا؟
نعم يا حبيبتي. وعلى عائلته أيضًا.
وضعت سارة وردتها فوق القپر.
آسفة لأنني كنت أتحدث إليك كأنك أبي.
اڼهارت أخته بالبكاء.
وأنا أيضًا.
أحيانًا يعتذر الأطفال عن جرائم الكبار.
بعد خمس سنوات من اكتشاف الفيديو، لم تصبح حياتي مثالية.
لم يظهر رجل غني.
ولم أربح مالًا.
ولم أتوقف عن العمل.
لكنني أنهيت دورة التمريض، وحصلت على وظيفة في عيادة صغيرة.
وسارة كبرت قوية، هادئة، تسأل أسئلة صعبة، وتضحك بطريقة تنقذني أحيانًا.
أما اليوم الخامس عشر من كل شهر، فلم يعد يوم تحويلات.
صار يومًا لنا.
أحيانًا نأكل البيتزا.
أحيانًا نشاهد فيلمًا رخيصًا.
وأحيانًا نشرب الشوكولاتة الساخنة في البيت.
وأطلقنا عليه اسم
يوم الرجوع.
لأن ذلك اليوم توقف فيه المال عن الذهاب إلى عائلة أرادتني مېتة وأنا حية.
وبدأ يعود إلينا.
احتفظت بملف فيه كل شيء.
التحويلات.
الصور.
دفتر حيدر.
وأول لقطة من الفيديو.
ليس بدافع الهوس.
بل من أجل الذاكرة.
لأن الكذبة الكبيرة دائمًا تحاول العودة وهي ترتدي شكل الحنين.
وأنا أحتاج أن أتذكر وجوه الذين كانوا ينادونني يمّه بينما يفرغون جيبي.
في إحدى المرات وجدت سارة صورة لحيدر.
هل تكرهينه؟ سألتني.
أردت أن أجيب بسرعة.
لكنني لم أستطع.
ليس كل يوم.
وأنا أيضًا لكنني لا أريده قريبًا مني.
وهذا حقك.
نظرت إليّ طويلًا.
هل يمكن ألا نكره شخصًا وألا نسامحه أيضًا؟
نظرت إليها.
تسع سنوات فقط، لكنها كانت أنضج من كثير من الكبار.