رواية كامله


أنم.
حتى عندما كانت أم علي تقول لي
وأنت؟ أنت أيضاً موجود يا أبو علي.
كنت لا أصدقها.
في ذلك المساء، ولأول مرة، تركت ابنتي تتصل وتتصل.
وفي بيتها، كما أخبرني المحامي لاحقاً، بقيت الرسالة فوق الطاولة كأنها شيء ېخاف الجميع لمسه.
فتحتها زينب أولاً.
كان حيدر واقفاً خلفها.
وكان حفيداي، نور وزهراء، ينظران من الصالة، والهاتف في يد كل واحدة منهما، بين الفضول والحرج.
بدأت الرسالة هكذا
زينب... أمس قلتِ إنكم تتحملون وجودي من باب الشفقة. أشكرك على صراحتك. أحياناً يحتاج الإنسان أن يسمع الحقيقة حتى يتوقف عن التسول العاطفي.
بعد هذا السطر لم يقرأ أحد بصوت عالٍ.
تابعت زينب القراءة وحدها، وشفتاها تتحركان بصمت.
ذهبت إلى بيتك لأن الطبيب طلب مني فحوصات جديدة. لم أكن أطلب مالاً. ولم أكن أطلب أن أعيش معك. أردت فقط أن ترافقيني، كما رافقتك أربعين سنة من دون أن أطلب إذناً.
جلس حيدر بصمت.
وتوقف حفيداي عن النظر إلى الهاتف.
عندما كنتِ صغيرة، كنتِ تخافين من المستشفى. كنت أحملك من باب العمارة حتى عيادة الطبيب، وأنا عائد من عمل طويل. عندما مرضتِ، تركت العمل أياماً وخسړت أجراً كنت أحتاجه. عندما دخلتِ الجامعة، بعت أدوات كنت أحبها حتى أوفر لك ما تحتاجينه. لم أذكّرك يوماً بذلك، لأن الأب لا يفتح دفتر حساب مع أولاده.
بدأت زينب تبكي.
لكنها لم تتوقف.
الشيء الوحيد الذي كان يجب أن أحاسب نفسي عليه هو كرامتي. تأخرت كثيراً.
طلب حيدر أن يقرأ.
لكنها لم تعطه الورقة.
تابعت.
شقتي لن تُباع. ولن تكون لكم. ستتحول إلى ورشة تعليمية باسم أمك ورشة أم علي. سيتعلم فيها شباب لا يجدون من يمسك بأيديهم مهنة يعيشون منها
بكرامة. أدواتي ستبقى هناك.
همست نور
شقة جدو؟
لم ترد زينب.
مدخراتي ليست كثيرة، لكنها تكفيني لعلاجي. أما حفيداي، فقد تركت لهما صندوقاً تعليمياً، بشرط أن يأتيا بنفسيهما عندما يكبران، وأن يقرآ هذه الرسالة كاملة. لا أريد أن يأخذوا مال رجل لم يستطيعوا النظر إلى عينيه دون أن يتعلموا شيئاً.
احمر وجه زهراء.
كانت في الخامسة عشرة.
وهو عمر تكون فيه الخجلة مثل صڤعة داخل القلب.
حيدر، لم أكتب لك رسالة خاصة لأنك لست ابني. لكنك أكلت على طاولتي، وركبت سيارتي حين احتجتني، ومن يدي خرج إصلاح بيتك أكثر من مرة. أمس أنزلت عينيك. وهذا أيضاً كلام.
غطى حيدر وجهه بيده.
طوت زينب الرسالة قبل أن تنهيها.
قالت
ما أقدر.
وقفت نور.
كملي.
لا.
ماما... كمليها.
صړخت زينب
إنتِ ما تفهمين!
ولأول مرة ردت عليها نور كأنها كبرت فجأة
لا. أعتقد هالمرة فهمت.
في تلك الليلة ذهبوا يبحثون عني في الشقة.
لم أكن هناك.
في المستشفيات.
لم أكن هناك.
في مركز الشرطة.
لم أكن هناك.
في العيادة التي أراجع فيها.
لم أكن هناك.
بدأ خوف زينب متأخراً، كما يحدث دائماً.
سألت أبو جاسم.
فقال لها فقط
أبوچ كال رايح يعيشله شوي.
قالوا إن هذه الجملة جعلتها تبكي على رصيف العمارة.
نقلها لي المحامي في اليوم التالي.
ولم أشعر بالانتصار.
الإنسان يظن أن ألم من آذاه سيشبه العدالة.
لكنه لا يشبه شيئاً.
فقط يترك تعباً إضافياً.
أعدت الفحوصات بعد أسبوع.
رافقني الأستاذ علاء، لا زينب.
ذهبنا إلى مدينة الطب، حيث الممرات تفوح منها رائحة المطهر والقهوة الرخيصة والتعب البشري. انتظرت دوري بين نساء يحملن أكياساً، ورجال يضعون قبعات قديمة، وأبناء يمسكون صور الأشعة، وشيوخ ينظرون إلى الأرض كي لا يطلبوا الكثير.
لم يكن التشخيص حكماً سريعاً.
ولم يكن طمأنة كاملة.
كان لدي مرض في الډم.
علاج.
مواعيد.
رعاية.
وزمن غير واضح.
قال الطبيب بصراحة
أبو علي، لا يصير تبقى وحدك.
ابتسمت.
دكتور، أنا ما عدت وحدي... بس مو ويا الناس اللي كنت أتصورهم.
في دار الرعاية تعرفت إلى أشخاص مكسورين مثلي.
أبو سامر، معلم متقاعد، لا يزوره أولاده إلا عندما يحتاجون توقيعاً.
أم ندى، ما زالت