رواية كامله


في شقتي القديمة.
أخرجنا سرير أم علي باحترام.
وبقيت الطاولة.
هناك كانت الدروس النظرية.
في الصالة وضعنا طاولات العمل.
وفي الشرفة الصغيرة صارت تدريبات السباكة.
وعلى الباب عُلقت لوحة بسيطة
ورشة أم علي السامرائي... مهن للعيش بكرامة.
في يوم الافتتاح حضر الجيران، والشباب، وأم حسين، والأستاذ علاء، وأبو جاسم، وحتى صاحب مخبز الصمون في الشارع.
قدموا الشاي، والكليجة، وخبزاً حاراً، لأن بغداد تعرف كيف تجعل حتى الوداع له رائحة بيت.
حضرت زينب مع حيدر وحفيدَيّ.
لم تكن نور تحمل الهاتف في يدها.
ولا زهراء.
لاحظت ذلك.
وقفت زينب تنظر إلى الشقة بعد أن تغيرت.
قالت
هنا كانت غرفتي.
قلت
نعم.
قالت
وهنا كانت أمي تفرش سفرة رمضان.
قلت
نعم.
امتلأت عيناها بالدموع.
قالت
خسرته، صح؟
قلت
لا. غيرته قبل أن تخسريه بطريقة أسوأ.
اقترب حيدر.
كان ينظر إلى الأرض.
قال
أبو علي، أنا...
رفعت يدي.
أنت عليك الأفعال، لا الكلام.
هز رأسه.
أقدر أساعد بصبغ الحمام؟
كدت أبتسم.
قلت
إذا ما تترك بقع على الأرض.
في ذلك اليوم قرأ حفيداي رسالتهما.
ليس بصوت مرتفع.
جلسا في الغرفة القديمة معاً، والباب مفتوح.
عندما خرجا، احتضنتني زهراء أولاً.
كانت ترتجف.
قالت
سامحني جدو.
أغمضت عيني.
كانت رائحتها رائحة طفولة تكبر بسرعة.
سألتها
على شنو؟
قالت
لأننا كنا نشوفك كأنك مزعج.
اقتربت نور بعدها.
قالت
أنا سمعت ماما تصرخ عليك. كان أقدر أحچي.
قلت
نعم.
آلمها أنني لم أخفف عنها.
لكن الحقيقة تربي أيضاً.
قالت
ما أعيدها.
قلت
أتمنى.
احتضنتهما معاً.
هذا الحضن خرج من قلبي.
ليس لأن كل شيء أُصلح.
بل لأنهما كانتا ما تزالان في الوقت المناسب.
بدأ علاجي جدياً في ذلك الشتاء.
كانت هناك أيام صعبة.
أيام غثيان.
أيام تعب حتى داخل العظم.
أيام اشتقت فيها لأم علي إلى درجة أنني تكلمت مع الهواء كأنها تسمعني.
رافقتني زينب إلى ثلاث مواعيد.
ثم خمسة.
ثم توقفت عن سؤالي إن كان يمكنها الحضور، وصارت تأتي ومعها وشاح وماء ودفتر تكتب فيه كلام الطبيب.
في أحد الأيام، ونحن خارجان من المستشفى، اشترت لي شوربة من مطعم صغير قريب.
قالت
تتذكر لما كنت تجيبني هنا وأنا صغيرة؟
قلت
كنتِ تخافين من إبرة الطبيب.
قالت
وأنت تشتري لي عصير حتى أسكت.
قلت
لأنك كنتِ كثيرة البچي.
ضحكت.
وضحكت أنا أيضاً.
كانت ضحكة صغيرة.
قديمة.
مرممة.
لكنها كانت لنا.
لم أعد أعيش معها أبداً.
وهذا أيضاً يجب أن يُقال.
هناك مسامحات لا تحتاج إلى انتقال بيت.
بقيت في دار الرعاية، أدرّس الشباب عندما يسمح لي جسدي، وأتشاجر مع أم حسين لأنها تخفي أدواتي، وأسقي شجرة التوت رغم أن العامل يقول إنها لا تحتاج.
تعلمت زينب أن تزورني يوم الجمعة دون أن تنظر إلى الساعة.
أما حيدر فأصلح حمام الورشة وتركه مائلاً قليلاً، لكنه كان نظيفاً.
بدأت نور تفكر بدراسة الخدمة الاجتماعية.
وصنعت زهراء فيديو مدرسياً عن ورشة أم علي وسمته
جدي لم يكن عبئاً.
عندما عرضته عليّ، تظاهرت بالقوة.
ثم بكيت في الحمام.
لم يلتئم كل شيء.
أحياناً كانت زينب تفقد صبرها، فأسمع الجملة القديمة في رأسي
إحنا نتحملك من باب الشفقة.
وأحياناً ينشغل حفيداي، فأعود أشعر أنني غير مرئي.
وأحياناً كنت أنا نفسي أرغب أن أستخدم مرضي كسلاح.
لكنني كنت أنظر إلى صورة أم علي، وأتذكر أن الكرامة لا تعني أن نعاقب الجميع إلى الأبد.
الكرامة أن لا يتخلى الإنسان عن نفسه مرة أخرى.
اليوم عمري ستة وسبعون عاماً.
ما زلت مريضاً.
وما زلت عجوزاً.
وما زلت أنسى أين أضع المفاتيح.
لكنني لم أعد أنسى من أكون.
أنا أبو علي السامرائي.
سباك.
أرمل أم علي.
والد زينب.
جد نور وزهراء.
ومعلم سبعة شباب صاروا يأخذون أعمالاً ويصلحونها من دون أن يتركوا وراءهم تسرباً.
قبل أيام، جاء كرار إلى الورشة ومعه أول صندوق أدوات اشتراه من ماله.
وضعه فوق الطاولة وقال
شوف أبو علي... بعد ما استعرت من أحد.
وضعت يدي على رأسه كأنه طفل، رغم أن شاربه بدأ يظهر.
قلت
هكذا يبدأ الإنسان يصير حراً.
في المساء، جاءت زينب ومعها كليجة، رغم أن الوقت لم يكن وقت عيد.
قالت
اشتهيتها.
جلسنا في فناء الدار.
كانت شجرة التوت عاړية.
والشاي صار فاتراً.
أمسكت ابنتي يدي.
قالت
يابا، ذلك اليوم