رواية كامله


تنتظر اتصال ابنها المسافر منذ سنوات.
وأم كريم، التي كانت خياطة وتقول إن الأولاد الجاحدين مثل الأزرار الضعيفة، إن شددت عليهم أكثر مزقوا القماش.
كنا نضحك.
ليس لأن الأمر مضحك.
بل لأن الإنسان إذا لم يضحك وهو كبير، يصدأ.
بدأت أصلح الأشياء في الدار.
أولاً مغسلة تسرب الماء.
ثم دش الحمام.
ثم عطل في أنبوب خلف الفناء.
ڠضبت أم حسين وقالت
أبو علي، أنت هنا حتى ترتاح.
قلت لها
أنا أرتاح لما أشوف شيئاً كان يقطر وتوقف.
ومن هنا بدأت فكرة ورشة أم علي قبل أن تُفتح رسمياً.
في أيام السبت جاء شابان من المنطقة.
ثم أربعة.
ثم سبعة.
علّمتهم كيف يقطعون الأنبوب، وكيف يغيرون الحنفية، وكيف يفرقون بين تسرب حقيقي وضعف في ضخ الماء، وكيف يأخذون أجرة عملهم بلا استغلال، وكيف لا يتركون المكان متسخاً بعدهم.
كنت أقول لهم
المهنة إلها كرامة. حتى لو الناس تعمل وجهها عندما ننحني ونشتغل.
كان أحدهم اسمه كرار.
ذكرني بنفسي وأنا شاب.
نحيف، حذر، حذاؤه قديم، ويداه سريعتان.
في أول يوم جاء من أجل وجبة الطعام التي يعطونها في النهاية.
في اليوم الثالث بدأ يسألني عن سعر مفتاح إنجليزي جيد.
قال لي مرة
أنت تعرف هواي يا أبو علي.
لم يكن أحد يقول لي ذلك في بيت زينب.
وشعرت بالخجل من مقدار ما أسعدتني الجملة.
مر شهران قبل أن تجد زينب الدار.
لا أعرف كيف.
ربما عن طريق المحامي.
وربما عن طريق أم حسين.
وربما لأن الابنة حين تبحث پخوف تتعلم طرقاً لم تكن تريد أن تمشيها حباً.
جاءت يوم ثلاثاء.
طبعاً.
الثلاثاء دائماً كان يوماً تحتاج فيه إلى شيء.
رأيتها من الفناء وأنا أعلّم كرار كيف يلف شريط العزل حول سن الأنبوب.
دخلت زينب وشعرها مربوط إلى الخلف، بلا مكياج، وعيناها متورمتان.
قالت
يابا.
نظر إليّ كرار.
أروح؟
قلت
إي يمّه، جيب مي.
سمعت زينب كلمة يمّه فانكسر وجهها.
بقينا وجهاً لوجه.
لم أركض لأحتضنها.
وكان ذلك أصعب شيء فعلته في حياتي.
قالت
مبين عليك ناحل.
قلت
وإنتِ همين.
بكت.
قالت بسرعة
سامحني.
كأنها فتحت باباً كان محبوساً خلفه هواء كثير.
مسحت يدي بقطعة قماش.
وسألتها
على شنو؟
سكتت.
قلت
على شنو يا زينب؟
ارتجفت شفتاها.
على الكلام اللي قلته.
أي كلام؟
أغمضت عينيها.
إني قلت لك إحنا نتحملك من باب الشفقة.
سألتها بهدوء
وهل كان كڈب؟
أصابها السؤال كصڤعة.
قالت بصوت منخفض
ما أعرف.
شكرتها في داخلي لأنها لم تكذب.
ثم همست
أحياناً... نعم. أحياناً كنت أشعر أنني لا أقدر عليك. مواعيدك، اتصالاتك، صمتك، حاجتك الدائمة. كنت أغضب لأن أمي رحلت وأنت بقيت تحتاج أشياء.
نظرت إليها.
ابنتي ما زالت ابنتي.
لكنها لم تعد طفلة.
ولم يعد بإمكاني تبرير قسۏتها بالتعب.
قلت
وأنا أيضاً كنت أحتاج أن تبقى أمك. لكنني لم أصرخ في وجه أحد لأنه بقي حياً.
غطت فمها بيدها.
قالت
قرأت الرسالة كاملة.
لم أرد.
قالت
نور أجبرتني.
فاجأني ذلك.
سألت
وزهراء؟
تبكي. لا تريد أن تأتي لأنها خجلانة.
قلت
الخجل بداية جيدة.
ابتلعت دموعها.
يابا، ارجع للبيت.
سألتها
أي بيت؟
بيتنا.
هززت رأسي ببطء.
ذاك مو بيتي.
خرجت الجملة بلا ڠضب.
لذلك آلمتها أكثر.
قالت
أقدر أتغير.
قلت
أتمنى.
قالت
إذن...
قاطعتها
التغير لا يعني أن أعود إلى المكان الذي كسرني.
جلست على مقعد قريب.
بدت فجأة أكبر من عمرها.
سألت
شسوي؟
نظرت إلى شجرة التوت في الفناء.
قلت
ابدئي بأن تزوريني دون أن تطلبي شيئاً. أن تسمعي دون أن تصححي كل كلمة. أن تنظري إلى أولادك عندما يتحدث معهم رجل كبير. وأن لا تضعي كلمة شفقة في المكان الذي يجب أن تكون فيه كلمة احترام.
هزت رأسها.
أقدر أرافقك للطبيب؟
اخترقني السؤال.
هذا
بالضبط ما ذهبت أطلبه منها ذلك الخميس.
لا أكثر.
قلت
اليوم ما عندي موعد.
قالت
لما يصير عندك.
نظرت إليها طويلاً.
يمكنك أن تأتي. لكن إذا جئتِ بوجه الواجب، أرجعك من الباب.
ابتسمت وهي تبكي.
حاضر.
لم أحتضنها في ذلك اليوم.
وهي أيضاً لم تجرؤ.
عندما رحلت، عاد كرار بالماء.
سألني
هاي بنتك؟
قلت
إي.
ليش ما حضنتها؟
فكرت في أم علي.
وفي زينب الصغيرة.
وفي الرسالة.
وفي حفيدَيّ وهما ينظران إلى هواتفهما.
قلت
لأن هناك أحضاناً يجب أن تُستحق من جديد.
افتُتحت ورشة أم علي رسمياً بعد ستة أشهر