جوزي كل مايرجع


المخزن.
كان هناك باب حديدي قديم مخفي تحت ألواح خشبية مکسورة.
نفس الباب الموجود في الصورة الأخيرة.
اقترب طارق ببطء.
وكان قلبه يكاد يخرج من صدره.
وما إن لمس المقبض الصدئ...
حتى سمعوا من خلف الباب صوتًا مكتومًا.
صوت شخص يطرق من الداخل.
طرقة واحدة...
ثم اثنتان...
ثم ثلاث طرقات متتالية.
وكأن أحدًا محپوس هناك...
وينتظر منذ سنوات أن يفتح له أحد الباب تراجع الجميع خطوة للخلف.
الطرقات تكررت.
ثلاث طرقات بطيئة... ثم صمت.
نور أمسكت ذراع طارق بقوة.
إحنا لازم نبلغ الشرطة.
لكن الراجل الكبير هز رأسه بسرعة وقال
لو كان فيه حد جوه فعلًا، مفيش وقت.
اقترب طارق من الباب الحديدي، والمفتاح القديم في يده.
الغريب أن المفتاح كان بنفس شكل القفل تمامًا.
كأنه صُنع له خصيصًا.
أدخل المفتاح.
دار بصعوبة.
صدر صوت احتكاك معدني حاد دوّى في المكان كله.
ثم...
فتح الباب سنتيمترات قليلة.
خرج هواء بارد جدًا من الداخل.
بارد بشكل غير طبيعي.
ونزلوا السلم الحجري الضيق بحذر.
درجة...
ثم درجة...
ثم درجة أخرى.
حتى وصلوا إلى غرفة واسعة تحت الأرض.
لكنها لم تكن زنزانة كما توقعوا.
كانت أشبه بأرشيف قديم.
رفوف معدنية ممتدة على الجانبين.
وصناديق خشبية مرقمة.
وملفات كثيرة جدًا.
نور فتحت أول ملف وقعت عليه يدها.
وفي اللحظة نفسها شهقت.
الملف كان يحمل اسم والد طارق.
وفي الداخل صور ووثائق وتقارير قديمة.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الصفحة الأخيرة.
صورة حديثة.
حديثة جدًا.
واضح أنها التُقطت خلال الأشهر الماضية.
وفيها والد طارق واقف أمام نفس الباب الحديدي.
حي.
وبصحته.
كأن السنوات لم تمر عليه.
حنان بدأت تبكي.
أما طارق فكان عاجزًا عن الكلام.
وفجأة...
سمعوا صوت جهاز كهربائي يعمل في آخر الغرفة.
زززززز...
التفتوا جميعًا.
كان هناك مصباح صغير مضاء.
وهذا يعني أن أحدًا كان هنا مؤخرًا.
بل ربما ما زال هنا.
بدأوا يتحركون ناحية الضوء.
كل خطوة كانت أثقل من اللي قبلها.
إلى أن وصلوا إلى غرفة أصغر خلف الأرشيف.
الباب كان مواربًا.
وداخلها مكتب قديم.
فوق المكتب جهاز تسجيل.
والأغرب...
أن الجهاز كان ما زال يعمل.
اقترب طارق وضغط زر التشغيل.
خرج صوت خشخشة قصيرة.
ثم انطلق صوت مألوف جدًا
لو أنت بتسمع الرسالة دي يا طارق... يبقى أنت وصلت أخيرًا.
ارتعش جسد طارق بالكامل.
كان صوت والده.
واضحًا.
قريبًا.
كأنه يتحدث من الغرفة نفسها.
أكمل الصوت
أنا عارف إن عندك ألف سؤال... لكن قبل ما تعرف أي حاجة، لازم تعرف إن اللي سبب الچروح اللي على ضهرك... مش عدوك.
تبادل الجميع نظرات مذهولة.
وتابع التسجيل
اللي عمل العلامة دي كان بيحاول يحميك.
نور شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
لكن التسجيل لم ينتهِ.
صدر منه صوت ارتطام مفاجئ.
ثم صوت أنفاس متسارعة.
ثم جملة أخيرة جعلت الډم يتجمد في عروقهم جميعًا
لو سمعتوا أي صوت وراكم... متبصوش.
وفي اللحظة نفسها بالضبط...
سمعوا خطوات ثقيلة قادمة من آخر الممر خلفهم تسمرت الأقدام في أماكنها.
الخطوات كانت بطيئة...
ثقيلة...
وتقترب.
نور شعرت أن قلبها يدق في أذنيها.
أما حنان فأمسكت بذراع أخيها بقوة حتى كادت تؤلمه.
ولا أحد تجرأ أن يلتفت.
كلمات التسجيل كانت لا تزال ترن في رؤوسهم
لو سمعتوا أي صوت وراكم... متبصوش.
لكن الفضول والخۏف كانا أقوى من أي شيء.
مرت ثوانٍ طويلة كأنها ساعات.
ثم جاء صوت جديد.
صوت رجل عجوز يقول بهدوء
كبرت يا طارق.
رفع طارق رأسه فجأة.
تجمد.
لأن الصوت نفسه...
هو صوت والده.
ببطء شديد استدار.
والباقون استداروا معه.
وفي نهاية الممر وقف رجل مسن، شعره أبيض بالكامل، لكنه يحمل نفس ملامح الصور القديمة.
نفس العينين.
نفس الوقفة.
نفس الندبة الصغيرة بجانب الحاجب.
حنان شهقت واڼهارت على الأرض من شدة الصدمة.
أما طارق فلم يستطع الكلام.
ظل ينظر للرجل كأنه يرى شبحًا.
اقترب الرجل خطوة واحدة فقط وقال
أنا آسف.
انهمرت دموع حنان.
إنت حي؟!
هز رأسه ببطء.
لكن قبل أن يجيب...
دوى صوت قوي فوقهم مباشرة.
كأن شيئًا ضخمًا سقط في المخزن.
ثم تبعه صوت تكسير.
الرجل تغيرت ملامحه فورًا.
واختفى الهدوء من وجهه.
وقال بسرعة
معندناش وقت.
نظر إلى طارق مباشرة.
في ناس عرفوا إنك وصلت هنا.
مين؟
ناس بتدور على حاجة أبوك أخفاها
من سنين.
نور