سر الام المفقود حكايات انجى الخطيب

البنت المؤدبة تنام وهي جعانة وما تفتحش بقها، الكلمة دي قالتها مرات أبويا وهي بتزقني أنا وأختي الصغيرة نور اللي لسه مكملتش سنتين بره البيت، ورمتنا في عز طوبة والمطر والبرد اللي بينخر في العضم، وأبويا كان واقف بيتفرج علينا وعينه في الأرض ولا كأنه شايف بناته بيموتوا.. كنت عيلة يدوب كملت عشر سنين، شلت أختي اللي كانت بتطلع في الروح بين إيديا وفضلت ماشية في وسط الخلا والمزارع والبرد بيقطّع في جِلدنا لحد ما ربنا بعتلنا اللي أنقذنا من المۏت، بس اللي إداهولي بعد كده غير حياتي للأبد..
طريق الجبل الغربي في عز الشتا ميرحمش، كان الضلمة كاحلة والريح بتصفر في ودني زي صړيخ الستات في الميتم، والبيوت تحت في العزبة كانت بعيدة أوي، وعزبة الراوي اللي المفروض بيتنا، اتحولت لجهنم تحت حكم كريمة..
البنت المؤدبة تنام وهي جعانة
الكلمة دي لسه بترن في ودني، كريمة قالتها وهي بتبص ل نور أختي وهي بتفرفر بين إيديا، جسم نور كان متلج زي لوح التلج، مكنش قدامي غير إني أهرب بيها وأمشي في وسط الزرع والمصارف لحد ما وصلت لآخر البلد عند بيت العم جابر.. خبطت على الباب الخشب بكل قوتي وأنا بنهج لحد ما الباب اتفتح ووقعت من طولي.
بعد ساعة، كنت قاعدة قدام الكانون والدفا بدأ يرجع لجسمي، وماسكة كوباية شوربة سخنة كانت بټحرق إيدي من كتر ما هي متلجة، والعم جابر قاعد قدامي ووشه فيه هموم الدنيا كلها، بصلي وقال بصوت زي الرعد الحمى بدأت تنزل يا ياسين، بس أختك كانت بينها وبين المۏت شعرة يا ابني، حرام اللي حصل فيها ده.. قولتله بصوت مخڼوق والشوربة بتكوي زوري مش البرد بس يا عم جابر، دي كانت حارمانا من اللقمة، كانت بتقفل المطبخ بالجنزير وتتفرج علينا وأنا ونور بڼموت من الجوع.
العم جابر وشه اتغير وضغط على سنانه وقام جاب علبة صفيح قديمة ومصديّة من فوق الرف وحطها قدامي على الطبلية، العلبة كان شكلها عادي بس قلبي قبضني أول ما شوفتها.. العلبة دي يا ياسين، أمك الله يرحمها ست الحسن هي اللي شالتها عندي أمانة، قبل ما ټموت بأسبوعين بالظبط.
جسمي اتنفض وقولتله أسبوعين إزاي؟ ده أبويا ومراته قالوا إنها ماټت وهي بتولد نور، وإنها مكنتش قادرة حتى تفتح عينها ولا تنطق حرف واحد!.. العم جابر بصلي بحزن وقال يبقى ضحكوا على أبوك وعموا عينه سنين يا ياسين، لأن الست اللي مريضة وتعبانة متقدرش تمشي كل السكة دي في عز المطر عشان تأمّن مستقبل ولادها.
إيدي كانت بترعش وأنا بفتح قفل العلبة، لقيت جواها خصلة شعر سودة وجواب ورقه أصفر من قدمه، جواب كان فيه سر هيخلي العزبة كلها تولع ڼار، وهيقلب حقيقة مۏت أمي لبركان هيحرق كل اللي كذبوا علينا... تفتكروا أمي سابت إيه في الجواب؟ وليه العم جابر خبى السر ده كل السنين دي؟
فتحت الجواب بصباعي اللي كان لسه بيرعش، وعيني زغللت من الصدمة وأنا بقرأ أول سطور بخط أمي اللي كان مهزوز بس واضح.. لو الجواب ده وقع في إيدك يا ياسين، يبقى أنا خلاص فارقت الدنيا، ويبقى اللي خفت منه حصل.. يا ابني، أنا ممتش بمرض ولا بحمى الولادة، أنا اټسممت بالبطيء في لقمة عيشي.
البيت كله لف بيا، والعم جابر حط إيده على كتفي وهو بيحاول يهديني بس كان باين في عينه إنه عارف الباقي.. كملت قراية والدموع بټغرق الورقة كريمة مكانتش