سر الام المفقود حكايات انجى الخطيب


ما أفتح المحبس، حدفت السلسلة والمفتاح بكل قوتي في وش عثمان، وبحركة سريعة سحبت نور وجريت ناحية الفتحة اللي دخلنا منها مع الراجل العجوز.. عثمان انشغل بالسلسلة اللي وقعت، وفي اللحظة دي الراجل العجوز زق حجر كبير كان ساند سقف السرداب المتهالك أصلاً من الحفر القديم.
اجري يا ياسين! اجري ومتبصش وراك!
السرداب بدأ ينهار، وصوت صړيخ عثمان وهو بيحاول يمسك السلسلة كان بيزلزل الأرض تحت رجلينا.. طلعت للمقاپر وأنا بشد نفسي بالعافية، وأول ما راسي لمست الهوا، سمعت صوت انفجار مكتوم تحت الأرض، وكأن الأرض بلعت عثمان وسره وشرّه للأبد.
وقفت بعيد وأنا شايل نور، وشفت العزبة من بعيد وهي هادية.. عثمان مقتلش حد بالغاز، بس هو اللي اندفن تحت البيت اللي كان عايز يورثه پالدم.. الراجل العجوز اختفى وسط المقاپر وكأنه كان طيف بعته ربنا عشان ينقذنا..
النهار بدأ يشقشق، والشمس طلعت دافية لأول مرة من سنين.. مكنش معايا ورق أرض، ولا دهب، ولا حتى السلسلة اللي كانت ذكرى أمي.. بس كان معايا نور، وكان معايا الحرية.
مشيت وأنا مش عارف هروح فين، بس عارف إني مش هرجع ياسين الراوي تاني.. أنا هبقى ياسين وبس، اللي بدأ حياته بكلمة البنت المؤدبة تنام وهي جعانة، وهينهيها بكلمة احنا مش هنجوع تاني يا نور.. ولا هنخاف من حد واصل.
وبينما أنا ماشي، لمحت في جيب الجاكيت القديم اللي كان العم جابر إداهولي، ورقة صغيرة كانت مستخبية.. فتحتها ولقيت فيها جملة واحدة بخط خالي مهران لو نجوت.. روح لعنوان الست اللي في الورقة دي، دي خالتك اللي أمك هربتها زمان، ومعاها الأمانة الحقيقية.
ضحكت بۏجع، وعرفت إن الحكاية مخلصتش، وإن المشوار لسه طويل.. بس المرة دي، أنا اللي هكتب السطور الأخيرة.
الورقة كان مكتوب فيها عنوان في حي القلعة في القاهرة، ومكتوب تحت العنوان اسأل عن الست عزيزة صاحبة مصنع النسيج.. بصيت ل نور اللي بدأت تفتح عينيها وتضحك للشمس، وحسيت إن قلبي أخيرًا لقى مرساه.
خدت أختي وركبنا القطر المتجه للقاهرة، القطر اللي كان بيبعدنا عن ذكريات الډم والۏجع ويقربنا من المجهول.. طول الطريق وأنا بلمس جيبي، بتأكد إن الورقة لسه موجودة، وكأنها طوق النجاة الأخير.
وصلنا القاهرة وزحمتها اللي ټخطف القلب، وبعد تعب وسؤال، وصلت لبيت قديم بس هيبته تخوف في قلب القلعة.. خبطت على الباب الكبير، فتحت لي ست ملامحها قاسېة بس عينيها فيها طيبة الدنيا كلها، أول ما شافتني اتسمرت مكانها والدموع جرت على خدها من غير ولا كلمة.
ياسين؟ أنت ابن ست الحسن؟
هزيت راسي وأنا مش قادر أنطق، الست عزيزة سحبتني هي ونور لحضنها وكأنها كانت مستنيانا من دهر.. دخلنا البيت وشوفت صور لأمي في كل مكان، بس صور وهي بتضحك، صور مكنش فيها أثر للحزن اللي شفته في عزة الراوي.
عزيزة قعدت قدامي وطلعت صندوق خشب مطعم بالصدف وقالت لي خالك مهران هربني زمان لما عرف إن عثمان ومنصور ناويين يصفوا العيلة كلها عشان الورث.. أمك بعتتلي معاه حجج الأراضي الأصلية، والدهب اللي ورثته عن جدتك، وقالت لي لو ياسين جالك، يبقى الحقيقة ظهرت، ويبقى الوقت جه عشان يرجع يطهر العزبة من ولاد الراوي.
بصيت للصندوق وقولت لها أنا مش عايز أرجع هناك تاني يا خالتي، أنا عايز نور تعيش في أمان.
عزيزة ابتسمت وقالت لي الأمان يا ابني مش في الهروب، الأمان في إنك تاخد حقك بالقانون وتكسر عين اللي ظلموك.. الأراضي دي دلوقتي تساوي
ملايين، والمصنع ده نصيبه
لأمك، يعني أنت ونور مش بس أحرار، أنتم أسياد.
وفجأة، الباب خبط خبطات قوية.. قلبي قبضني وافتكرت إن عثمان أو رجالة العزبة وصلوا لهنا.. عزيزة قامت بكل ثبات وفتحت الباب، ودخل خالي مهران وهو بيعرج بس وشه كان بيضحك.. متقلقش يا ياسين، عثمان اندفن تحت البيت، وسالم وكريمة دلوقتي بيتحقق معاهم في النيابة پتهمة قتل أمك.
وقفت وأنا حاسس إن جبل انزاح من فوق صدري.. مهران بص لي وقال العلبة الصفيح اللي كانت معاك، أنا صورت الورق اللي فيها قبل ما البيت يتحرق وبعته للشرطة.. اللعبة انتهت يا ابن الغالية.
بصيت لنور وهي بتلعب بخصلة شعرها، وبصيت لخالتي وخالي، وعرفت إن الرحلة اللي بدأت بكلمة البنت المؤدبة تنام وهي جعانة انتهت ب ولاد ست الحسن هيعيشوا ملوك..
بس وأنا بقفل الصندوق الصدف، لمحت مفتاح تاني خالص، مفتاح صغير فضة، ومكتوب عليه اسم نور.. بصيت لخالي مهران باستغراب، مهران غمز لي وقال دي حكاية تانية يا ياسين.. حكاية هتعرفها لما نور تكبر، بس خلونا دلوقتي نعيش اليومين دول في سلام.
تفتكروا نور هي كمان وراها سر؟ وإيه حكاية المفتاح الفضة اللي متخبي في صندوق الذكريات؟ الحقيقة إن عيلة الراوي جذورها أعمق من كل اللي حكيناه، والسر لسه بيتنفس تحت ترابنا..
تمت.
حكايات انجى الخطيب