رواية جديدة

يا بيه ممكن ټدفن أختي الصغيرة؟
دي كانت الجملة اللي قالتها لي بنت حافية وهي ماسكة في كم البدلة بتاعي وأنا لسه خارج من اجتماع وماشي في طريقي لعربيتي ..... 
في اللحظة دي حياتي اتقسمت لنصين قبل وبعد.
لحد عصر اليوم ده كنت الراجل اللي الناس بتبصله من آخر المطاعم ولوبيات الفنادق. مدير شركة تكنولوجيا ناجح بيلبس بدل متفصلة مخصوص وصفقات بتنقل السوق وبنتهاوس إزاز بيطل على النيل كأنه طالع من مجلة.
من بره كنت باين قوي ومحصن. من جوا كنت مكسور بقالى تلات سنين.
كنت دفنت مراتي نادين ومن بعدها بطلت أعيش وابتديت أشتغل وبس. كنت بصحى قبل الفجر وأملى يومي اجتماعات وأرد على الرسايل بعد نص الليل وأحول كل ساعة في يومي لدوشة عشان مهربش من السكات اللي مستنيني في البيت. لا جلد العربية البارد ولا هوا المكاتب ولا ريحة البرفانات الغالية كانوا قادرين يخلوني أحس بأي حاجة. منى مساعدتي بعتتلي مرتين تسألني أنا راجع ولا لأ.
في ديسمبر ده كانت القاهرة سايحة من الحر. كنت لسه مخلص اجتماع مثالي مع مستثمرين أجانب. التوقعات كانت قوية. الناس سقفت. المفروض كنت أحس إني ماليش حل.
بس ماحستش بأي حاجة.
وأنا ماشي في وسط البلد كانت الدنيا حواليّا مليانة زحمة وصوت وحر. البياعين بيزعقوا. الموتوسيكلات بتزن. السياح ماسكين موبايلاتهم. الموظفين بيجروا في الشارع وأكياس الأكل بتخبط في رجليهم.
وفجأة سمعت صوت مش شبه إيقاع الشارع.
صوت بنت صغيرة بټعيط.
ماكانش عالي. مش النوع اللي يخلي كل الناس تبص. كان عياط مكسور وضعيف كأن اللي بيعيط استنزف آخر نقطة قوة جواه.
كنت هكمل طريقي.
معظم الناس كانت هتعمل كده. في مدينة مليانة احتياج الواحد بيتعلم يحمي نفسه بإنه يعمل نفسه مش شايف.
بس حاجة جوايا شدتني.
دخلت زقاق ضيق بين حيطة متشققة والتانية والهواء فيه كان أحر وأتقَل وكأنه محپوس بقاله سنين. في آخره كانت قاعدة بنت عندها حوالي تمن سنين رفيعة زي العود والتراب على وشها وآثار الدموع ناشفة حوالين بوقها. شعرها البني متشابك وفستانها معمول من حتت قماش متخيطة في بعض ورجليها الحافية متشققة ومليانة تراب من كتر الشارع.
وفي حضنها طفلة صغيرة.
ماكانش عندها أكتر من سنتين. ماكانتبتتحركش. ساكنة زيادة عن اللزوم. بشرتها باهتة تحت التراب وشفايفها ناشفة ومشققة من الحر.
المنظر خبطني في صدري كأنه تلج.
البنت الكبيرة بصتلي بعينين كبار مليانين خوف وتعب... وكرامة ماينفعش أي طفل يتعلمها بالسرعة دي.
يا بيه همست. ممكن ټدفن أختي الصغيرة؟ هي ماصحيتش النهارده. معيش فلوس بس لما أكبر هشتغل وأرجعلك الفلوس. أوعدك.
كل حاجة اختفت.
الزحمة. الحر. أصوات الشارع. كل حاجة اختفت ورا الكلام ده لأني في لحظة واحدة رجعت لأوضة المستشفى مع نادين وأنا بسمع الدكاترة بيقولوا إن مافيش حاجة تانية يقدروا يعملوها.
بصيت حواليّا أدور على أي حد كبير. أم. أب. أي شخص.
ماكانش فيه حد.
بس الزقاق. والبنت الصغيرة. والجسم الصغير اللي هي فاكرة إنه ماټ.
نزلت على ركبتي فوق الأرض الۏسخة ومابقاش فارق معايا البدلة هيجرالها إيه. صوابعي كانت بتترعش وأنا بحاول أحس برقبة الطفلة الصغيرة. جلدها كان بارد لدرجة جمدتني.
ثانية.
وبعدين ثانية تانية.
وفجأة حسيت بحاجة ضعيفة جدًا لدرجة إني كنت هفوتها.
نبض.
ضعيف. ضعيف جدًا. لكنه حقيقي.
دي عايشة قولتلها وأنا ببص للطفلة. سامعاني؟ أختك عايشة.
البنت الصغيرة رمشت وابتدت ټعيط أكتر. بجد؟ أنا افتكرتها راحت الجنة عند ستي.
إيديا كانت بتترعش وأنا بسحب موبايلي وبكلم المستشفى قبل حتى ما أقف على رجلي. معاكم كريم المنشاوي. عندي حالة طوارئ أطفال. جفاف شديد واحتمال عدوى. جهزوا الطوارئ
حالًا.
الإحساس