رواية جديدة


الكلام. الأطفال اللي عاشوا في الشارع بيتعلموا إن الوعود بتتكسر أسرع من الإزاز.
قعدت جنبها على الكرسي البلاستيك البارد.
ملك بتحب إيه؟
سكتت شوية كأن السؤال غريب عليها.
المانجا.
ابتسمت ڠصب عني.
بس؟
هزت راسها.
ولما كنت بعرف أجيب فلوس كنا نشتري كيس شيبسي ونقعد على الكورنيش.
منى كانت واقفة بعيد بتبصلي باستغراب. يمكن أول مرة تشوفني بتكلم بهدوء مع حد من سنين.
الموبايل رن للمرة الخامسة.
المستثمر الفرنسي.
قفلت المكالمة من غير ما أرد.
بعد شوية باب العناية اتفتح وممرضة خرجت.
مين مع الطفلة ملك؟
مريم قامت مڤزوعة.
أنا.
الممرضة ابتسمت ابتسامة صغيرة.
أختك فاقت.
مريم جريت كأن روحها رجعتلها وأنا قمت وراها من غير تفكير.
دخلنا الأوضة الصغيرة. ملك كانت نايمة وسط الأجهزة والمحاليل وعينيها مفتوحة بالعافية. أول ما شافت مريم حركت صوابعها الصغيرة.
مريم مسكت إيديها بسرعة وهي بټعيط.
إنتي كويسة؟ خضتيني.
ملك همست بصوت مبحوح
أنا جعانة.
الدكتور ضحك بخفة.
وده أحسن خبر سمعناه الليلة.
مريم ضحكت وسط دموعها وأنا واقف أبصلهم حاسس بحاجة غريبة بتوجعني وبتدفيني في نفس الوقت.
بعد ساعة كنت واقف قدام شباك الحسابات.
الموظف بصلي من فوق لتحت بعد ما شاف الاسم. واضح إنه عرفني.
يا فندم الحساب المبدئي للحالة والعناية والتحاليل
حطيت الكارت على الترابيزة.
خلص كل حاجة.
تمام يا فندم.
لفيت عشان أمشي فسمعت صوت خناق عند باب الاستقبال.
راجل أمن ماسك شاب پعنف وشاب تاني بيصور بالموبايل.
حرامي يا باشا.
الشاب كان رفيع وهدومه مقطعة ووشه مليان كدمات. أول ما عينيه جت على مريم اتشنج.
مريم اتجمدت مكانها.
همست پخوف
شريف...
الولد زعق أول ما شافها.
إنتي مچنونة؟! إنتي ډخلتي هنا ليه؟
الأمن زقه پعنف.
اسكت.
قربت منهم بسرعة.
في إيه؟
الأمن رد بحدة
لقيناه بيسرق محفظة واحد بره.
الولد بصلي بنظرة كلها كره.
ملك عاملة إيه؟
مريم جريت عليه.
خف يا شريف هي كويسة.
بصيتله باستغراب.
تعرفهم؟
رد بعصبية
أخوهم.
سكت ثواني أبصله. كان عنده بالكثير سبعتاشر سنة لكن عينيه كانوا أكبر من عمره بكتير.
كنت فين وأخواتك بيموتوا في الشارع؟
اتشد فجأة ووشه احمر.
بشتغل.
الأمن ضحك بسخرية
آه شغال نشال.
الولد حاول يفلت وهو بيزعق
ماكنتش بسرق لنفسي.
المحفظة وقعت من إيده القديمة واتفتحت على الأرض. بدل الفلوس وقع منها علبتين دوا وكيس عيش.
مريم نزلت بسرعة تجمع الحاجة وهي بټعيط.
كان رايح يجيب دوا لملك.
المكان سكت فجأة.
بصيت لشريف. كان واقف مكسور بس بيحاول يبان قوي.
أبوكم وأمكم فين؟
بلع ريقه بالعافية.
أمي اختفت بعد ما اتجوزت واحد تاني. وأبويا ماټ في ورشة.
وإنت مسؤول عنهم؟
ضحك ضحكة باهتة كلها تعب.
يعني مين غيري؟
الكلمة خبطتني جامد.
لأن فجأة شوفت نفسي من سنين وأنا صغير واقف قدام قبر أبويا حاسس إن الدنيا كلها اترمت فوق كتافي.
بصيت للأمن.
سيبه.
بس يا فندم
قولت سيبه.
الأمن سابه فعلًا.
شريف بصلي بشك واضح.
ليه بتساعدنا؟
السؤال كان بسيط لكنه دخل جوايا مباشرة.
ليه؟
عشان أول مرة من سنين أحس إني بني آدم؟
عشان مريم شدت في كم قميصي في الوقت اللي كنت بغرق فيه من غير ما حد يحس؟
عشان ملك فاقت للحياة وأنا كنت مېت وأنا ماشي على رجلي؟
ماعرفتش أرد.
فاكتفيت إني أبصله وأقول
تعالوا معايا.
منى قربت بسرعة وهمست بقلق
إنت أكيد مش ناوي تاخدهم البيت؟
بصيتلها بهدوء.
ماينفعش يرجعوا الشارع.
والصحافة؟ والناس؟ ومجلس الإدارة؟
بصيت ناحية الأطفال التلاتة.
مريم حاضنة ملك.
وشريف واقف قدامهم كأنه حيط صد لأي خطړ رغم إنه نفسه طفل.
وقتها فهمت إن أكتر حاجة مخيفة مش إني أخسر سمعتي أو شركتي.
أكتر حاجة مخيفة إني أرجع أبقى الراجل اللي كان هيكمل طريقه ويسيب طفلة ټموت في زقاق.
خرجنا من المستشفى بعد الفجر بشوية. القاهرة كانت أهدى لأول مرة من سنين كأنها أخدت نفس طويل بعد يوم زحمة. الشوارع شبه فاضية والهوا فيه لسعة برد خفيفة.
مريم كانت شايلة ملك بحرص جوا البطانية وشريف ماشي ورايا متوتر وعنيه رايحة جاية كأنه
مستني حد يطرده