يوم فرح اخويا


أنسى خالك وهو واقف بإيده في الهوا.
نزل عينه للأرض.
أنا وقتها كنت فاكر نفسي أحسن منهم.
أول مرة أشوفه بيعترف بالشكل ده.
فكمل
لما رجعت بلدكم بعد كده، وقعدت مع الناس هناك... اكتشفت إنهم أشرف وأجدع ناس قابلتهم.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
وأخوكي رفض الفلوس في الأول.
رفضها؟
آه.
وقال إيه؟
ابتسم طارق وقال
قالي لو عايز تعوضني عن الفلوس يبقى مالهاش لازمة.
طيب وافق ليه؟
ضحك.
لأني قلتله إنها مش تعويض... دي مشاركة من أخ كبير لأخوه الصغير وهو بيبدأ حياته.
سكت شوية.
ثم أخرج من جيبه ورقة مطوية.
ناولها لي.
فتحتها.
وكانت قائمة صغيرة مكتوبة بخطه.
فيها أسماء.
أمي.
خالي جمال.
مرات خالي.
عم فتحي بتاع النقوط.
وأخويا.
سألته
إيه الأسماء دي؟
قال بهدوء
ناس لازم أزورهم واحد واحد.
ليه؟
رد وهو مبتسم
عشان الاعتذار الحقيقي مش كلمة واحدة.
وفي اللحظة دي...
حسيت إن الراجل اللي قاعد قدامي مش نفس الراجل اللي رمى خمسين جنيه متكرمشة على الترابيزة يوم فرح أخويا.
يمكن الإنسان ما يقدرش يغير الماضي.
لكن يقدر يقرر إنه ما يكرروش.
وده كان أول يوم أحس فيه إن طارق بدأ فعلًا يبني احترامه من جديد... مش بالفلوس، لكن بأفعاله مرت الشهور، والحياة رجعت هادئة بشكل غريب.
لكن جوايا كان لسه سؤال واحد بيزن في دماغي
هل طارق اتغير فعلًا؟ ولا مجرد إحساس بالذنب وهيعدي؟
كنت مستنية الأيام هي اللي تجاوب.
في يوم جمعة الصبح، كنت في المطبخ بجهز الفطار، لقيته داخل عليا وهو ماسك مفتاح العربية.
قال
يلا البسي.
استغربت.
رايحين فين؟
ابتسم وقال
مفاجأة.
بعد ساعة ونص تقريبًا، لقيت العربية داخلة على شوارع بلدنا.
نفس البلد.
نفس البيوت.
نفس الطرق اللي كان بيعتبرها زمان أقل من إنه ينزل فيها.
بصيتله بدهشة.
إحنا جايين هنا ليه؟
قال بهدوء
هتعرفي.
وقف قدام بيت أهلي.
وأول ما نزل، فتح الشنطة.
لقيتها مليانة أكياس وصناديق.
مش هدايا فخمة.
ولا حاجات استعراضية.
مجرد حاجات بسيطة لأمي وخالاتي وخوالي.
حاجات مختارة بعناية.
كأنه كان بيفكر في كل واحد لوحده.
دخلنا البيت.
أمي أول ما شافته ابتسمت.
لكن الابتسامة كان فيها حذر.
لسه فاكرة القديم.
ولسه خاېفة من الچرح.
لكن طارق فاجأها.
وقال
وحشتيني يا أمي.
أمي اتجمدت مكانها.
لثواني.
ثم دمعت عينيها.
قعدنا نشرب الشاي ونضحك.
وفجأة قال طارق
على فكرة يا جماعة... أنا جاي النهاردة عشان أطلب طلب.
الكل سكت.
حتى أنا.
قال
أنا ناوي أشتري قطعة أرض صغيرة هنا جنب البلد.
الكل بص لبعضه باستغراب.
خالي جمال سأله
أرض؟ هنا؟
رد
آه.
ليه؟
ابتسم وقال
عشان يبقى ليا مكان وسطكم.
الصمت اللي حصل بعدها كان أغلى من أي كلام.
لأنهم فهموا قصده.
هو مش جاي يشتري أرض.
هو جاي يقول إنه أخيرًا بقى شايف نفسه جزء من العيلة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت بعد المغرب.
وأحنا قاعدين في الجنينة.
دخل أخويا من الباب وهو شايل ملف أزرق كبير.
وقال
أنا كنت مخبي الخبر لحد ما أتأكد.
كلنا بصينا له.
فتح الملف.
وطلع عقد مشروع جديد كان بيشتغل عليه من شهور.
مشروع كبير جدًا بالنسبة له.
وكان محتاج شريك ومستثمر.
أنا افتكرت إنه هيطلب من طارق فلوس.
لكن اللي حصل صدمني.
أخويا قال
أنا عايز شريك يثق فيا قبل ما يثق في المشروع.
وبص ناحية طارق.
وإذا كنت لسه موافق... أنا عايزك تدخل معايا.
أنا اټصدمت.
وأمي اټصدمت.
حتى طارق نفسه اټصدم.
وقال بسرعة
بعد اللي عملته؟
ابتسم أخويا.
وقال
الناس بتغلط.
ثم أضاف
بس مش كل الناس بتعترف بغلطها.
ولأول مرة من يوم ما اتجوزنا...
شفت دموع في عين طارق.
دموع حقيقية.
مش دموع ضعف.
دموع واحد اكتشف إنه كسب حاجة أغلى من أي فلوس.
كسب احترام ناس كان ممكن يخسرهم للأبد.
وهنا فهمت إن أكبر مفاجأة ما كانتش الألبوم اللي عملته في فرح شيماء...
ولا اعتذاره بعد كده...
أكبر مفاجأة كانت إن القلوب الطيبة اللي جرحها، اختارت تسامحه لما شافت منه صدق التغيير.
وكان ده بداية فصل جديد في العيلة كلها... فصل عنوانه
الكرامة لا تُشترى بالمال، لكنها تُكسب بالاحترام..لكن بعد ما الكل فرح واتكلم عن المشروع والشراكة الجديدة...
لاحظت حاجة غريبة.
أخويا كان كل شوية يبص على الملف الأزرق
بتوتر.
كأن فيه