يوم فرح اخويا


حاجة مخبيه.
وحاجة مش قادر يقولها.
بعد العشا، الناس بدأت تمشي واحدة واحدة.
وأنا كنت بجمع الأكواب من على الترابيزة.
سمعت أخويا بيقول لطارق
ممكن نتكلم لوحدنا شوية؟
نبرة صوته كانت مختلفة.
جدية زيادة عن اللزوم.
خرجوا الاتنين للجنينة الصغيرة اللي ورا البيت.
ومن الشباك كنت شايفاهم.
أخويا بيتكلم.
وطارق ساكت.
بعدها أخويا فتح الملف الأزرق.
وطلع ورقة.
مجرد ورقة واحدة.
لكن أول ما طارق شافها...
وشه اتغير فجأة.
وقف من مكانه.
وقال بصوت عالي شوية
إنت متأكد؟!
أخويا هز رأسه.
وقال
متأكد مليون في المية.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
لأول مرة من شهور أشوف الصدمة دي على وش طارق.
فضلوا يتكلموا أكتر من نص ساعة.
ولما رجعوا...
كان واضح إن في حاجة كبيرة حصلت.
لكن ولا واحد منهم نطق بكلمة.
في طريق الرجوع للقاهرة، سألت طارق
في إيه؟
رد بسرعة
ولا حاجة.
ولا حاجة إزاي؟
شغل بيني وبين أخوكي.
عرفت إنه بيخبّي.
وطارق عمره ما كان بيعرف يخبّي كويس.
لما يكون متوتر بيحك في دراعه الشمال.
وده اللي كان بيعمله طول الطريق.
اليوم اللي بعده صحي بدري جدًا.
على غير عادته.
ولبس ونزل من غير ما يفطر.
رجع بالليل متأخر.
واليوم اللي بعده عمل نفس الشيء.
ثم اليوم اللي بعده.
أسبوع كامل.
لحد ما في ليلة...
صحيت على صوت باب الشقة بيتفتح.
بصيت في الساعة.
كانت 2 بعد منتصف الليل.
دخل طارق بهدوء.
وكان شايل شنطة أوراق كبيرة.
أول ما شافني صاحيه اتوتر.
بشكل واضح.
قلت
إيه اللي بيحصل؟
سكت.
ثم جلس على الكنبة.
وحط إيده على وشه.
وقال لأول مرة
أنا مش عارف أقولك إزاي.
قلبي وقع.
مئات الاحتمالات جريت في دماغي.
ديون؟
مشكلة في الشغل؟
مصېبة جديدة؟
رفع رأسه أخيرًا.
وقال
فاكرة الأرض اللي قولت إني عايز أشتريها جنب البلد؟
هززت رأسي.
قال
طلعت مش أي أرض.
بلعت ريقي.
وسألته
يعني إيه؟
فتح الشنطة.
وطلع خريطة قديمة.
وأوراق مختومة.
ثم قال الجملة اللي خلتني أتجمد مكاني
الأرض دي تحتها حاجة محدش كان يعرف عنها حاجة من أكتر من أربعين سنة...
سكت.
ثواني طويلة.
ثم أكمل
وحسب الأوراق اللي أخوكي اكتشفها... في سر كبير مدفون هناك.
نظرت إليه غير مصدقة.
وقبل ما أسأله أي سؤال...
قال
والسر ده... لو طلع حقيقي، هيقلب حياة ناس كتير رأسًا على عقب.
ثم مد الورقة ناحيتي...
وقال
اقري أول سطر بنفسك.
فأخذت الورقة بيد مرتعشة...
وما إن وقعت عيني على السطر الأول...
حتى شعرت أن الډم انسحب من وجهي كله.
لأن الاسم المكتوب في بداية المستند...
كان اسم شخص من العائلة نفسها.!
يتبع...أخذت الورقة من إيده وأنا مستغربة.
بصيت على الاسم المكتوب في أول المستند.
واتسعت عيني من الدهشة.
الحاج عبد الرحيم منصور
جدي الله يرحمه.
أبو أمي.
الرجل اللي ماټ من أكتر من عشرين سنة.
رفعت رأسي بسرعة.
إيه ده؟
تنهد طارق وقال
ده اللي كنت بحاول أفهمه طول الأسبوع اللي فات.
وقبل ما يكمل، رن تليفونه.
كان أخويا.
رد فورًا.
ومن أول كلمة فهمت إن الموضوع أكبر مما تخيلنا.
أخويا كان بيتكلم بانفعال
تعالوا البلد حالًا.
في إيه؟
تعالوا بس... ولازم تشوفوا بعينكم.
بعد أقل من ساعة كنا في الطريق.
والقلق بياكلنا.
لما وصلنا، لقينا نص العيلة متجمعين عند قطعة الأرض.
خالي جمال واقف.
وأعمامي.
وأهالي من البلد.
وكلهم وشوشهم متوترة.
نزلنا من العربية.
وجريت على أخويا.
إيه اللي حصل؟
أشار ناحية حفرة صغيرة في طرف الأرض.
وقال
شافوا ده أثناء تنظيف المكان.
اقتربنا.
ولقيت صندوقًا خشبيًا قديمًا جدًا.
لكن الحقيقة...
ما كانش الصندوق هو المهم.
المهم كان اللي جواه.
أخويا فتح الغطاء ببطء.
والكل سكت.
لدرجة إنك كنت تقدر تسمع صوت أنفاس الناس.
وفي الداخل...
لم تكن كنوزًا.
ولا ذهبًا.
ولا أموالًا.
كانت مجموعة دفاتر ورسائل قديمة.
مرتبة بعناية.
وكأن صاحبها كان يقصد أن يتركها لمن يأتي بعده.
خالي فتح أول دفتر.
وكان بخط جدي.
واضح جدًا.
وفي أول صفحة كتب
إلى أولادي وأحفادي الذين سيقرؤون هذه الكلمات يومًا ما...
ساد الصمت.
وبدأ خالي يقرأ.
كانت مذكرات جدي.
يحكي فيها عن حياته.
وعن الأيام الصعبة التي مر بها.
وعن الأرض.
وعن سبب احتفاظه بها رغم كل العروض التي جاءته لبيعها.
لكن أكثر شيء أبكى الجميع...
كان آخر رسالة.
كتب فيها
إذا وصلتم إلى هذه الأوراق، فاعلموا أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يتركه من أثر