أمي حرمتني من مقعد جامعة بغداد وأعطته لطالبة أخرى... لكن فيديو واحد كشف الحقيقة أمام المدرسة كلها!


من شنو؟ من نزول الدرج؟
ارتبكت.
لا... أقصد... كنت أريد أحچي وياج.
رفعت هاتفي.
قبل ما أدخل الفيديو قلتِ إذا انكسرت يد سارة، ما يبقى إلها فرصة.
لم تستطع الرد.
نظرت إلى أمي.
كانت أمي لا تزال في مكانها.
المسطرة سقطت من يدها أخيراً.
ارتطمت بالأرض بصوت خفيف.
لكنني شعرت بذلك الصوت أقوى من صوت الزجاج عندما كسرته.
كأن هيبتها كلها سقطت معها.
اقتربت المديرة من باب الصف.
لم أكن قد انتبهت أنها جاءت.
كانت معها المرشدة التربوية، والمدير أبو زيد، وموظف من الإدارة يحمل ملفاً بيده.
يبدو أن الصړاخ وټحطم زجاج الخزانة وصوت الطالبات جذبهم إلى الصف.
وقف المدير عند الباب، ونظر إلى الزجاج المتناثر، ثم إلى وجهي، ثم إلى يد أمي، ثم إلى هاتفي.
قال بصوت حازم
شنو اللي صار هنا؟
لم تجبه أمي.
لأول مرة، الأستاذة أميرة التي كانت تعرف كيف تدير الاجتماعات، وتصحح الأخطاء، وتوبخ الطالبات، وتشرح القوانين، وتكتب التقارير، لم تجد جملة واحدة تقولها.
مددت هاتفي للمدير.
هذا الفيديو وصلني من قسم المراقبة.
أخذه مني بحذر.
أعدت تشغيله أمامه.
كل من في الصف شاهد الفيديو مرة أخرى.
هذه المرة لم أراقب زهراء.
راقبت أمي.
كل ثانية في التسجيل كانت ټضرب وجهها بطريقة لا تراها الطالبات.
عندما ظهر صوت زهراء وهي تتحدث عن كسر يدي، أغمضت أمي عينيها.
وعندما ظهرت لحظة الدفع، فتحت عينيها فجأة.
وعندما سمعنا صوت سقوطي، وضعت يدها على فمها.
لكنها لم تبكِ.
لم تبكِ بعد.
كأن الصدمة كانت أكبر من الدموع.
انتهى الفيديو للمرة الثانية.
قال المدير أبو زيد بصوت منخفض لكنه واضح
الصف كله يبقى مكانه. لا أحد يطلع.
ثم الټفت إلى الموظف.
استدعِ مسؤول الكاميرات فوراً. وأريد نسخة أصلية من التسجيل، مو من الهاتف. وأريد دفتر المناوبة لذلك اليوم. وأسماء الطالبات اللي كانوا بالممر.
ارتجفت زهراء.
أستاذ، أرجوك...
رفع يده.
لا تحچين هسه.
ثم نظر إلى أمي.
أستاذة أميرة، تعالي وياي للإدارة.
هنا تحركت أمي أخيراً.
لكنها لم تتجه إلى المدير.
اتجهت نحوي.
كانت تمشي ببطء، كأن المسافة بيننا صارت أطول من كل السنوات التي عشناها في بيت واحد.
وقفت أمامي.
رفعت يدها، ربما لتلمس وجهي حيث ظهر أثر المسطرة على شفتي.
لكنني تراجعت خطوة.
توقفت يدها في الهواء.
ثم أنزلتها.
قالت بصوت مكسور
سارة...
نظرت إليها.
لم أقل شيئاً.
قالت مرة أخرى
بنتي...
هذه الكلمة تحديداً كانت أكثر ما يؤلمني.
بنتي.
أين كانت هذه الكلمة عندما أخذت الملف ووقعت اسم زهراء؟
أين كانت عندما اتهمتني أمام الصف؟
أين كانت عندما ضړبتني بالمسطرة لأنني رفضت الاعتذار لمن دفعتني من الدرج؟
قلت بهدوء شديد
لا تقولي بنتي.
ارتجف وجهها.
سارة، أنا...
قاطعتها.
الأستاذة أميرة.
أغمضت عينيها كأنني صڤعتها.
لكنني لم أشعر بالشفقة.
ليس في تلك اللحظة.
قلت
أمام المدير والمرشدة والطالبات كنتِ الأستاذة أميرة. أمام حقي كنتِ الأستاذة أميرة. أمام ألمي كنتِ الأستاذة أميرة. فخلّيج الآن الأستاذة أميرة.
بعض الطالبات بدأن يبكين بصمت.
لم أعرف إن كن يبكين لأجلي أم لأنهن شعرن بالخجل من أنفسهن.
زهراء كانت تجلس الآن على أحد المقاعد، رأسها بين يديها، وكتفاها يهتزان.
لكنني لم أستطع أن أشفق عليها.
كنت أتذكر فقط صوتها في الفيديو.
إذا انكسرت يد سارة.
كأن يدي لم تكن جزءاً مني.
كأنها مجرد عقبة يجب إزالتها من طريقها.
قال المدير بحزم أكبر
أستاذة أميرة، تفضلي للإدارة.
تحركت أمي هذه المرة.
لكن قبل أن تخرج، التفتت إلى زهراء.
كانت نظرتها غريبة.
ليست غضباً فقط.
ولا خيبة فقط.
كانت نظرة امرأة أدركت فجأة أنها خسړت ابنتها من أجل طالبة كانت تكذب عليها.
خرجوا من الصف.
وبقيت أنا واقفة في منتصف الغرفة.
الزجاج على الأرض.
دمي على شفتي.
يدي المکسورة معلقة.
والطالبات ينظرن إليّ كأنهن لا يعرفن ماذا يفعلن بالذنب الذي هبط عليهن فجأة.
اقتربت مني مروة،
إحدى الطالبات اللواتي كن يتهامسن قبل دقائق.
قالت بصوت خاڤت
سارة... إحنا آسفين.
نظرت إليها.
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.
لكنني لم أعرف ماذا أقول.
الاعتذار عندما يأتي متأخراً لا يمحو الصوت الذي سبق.
ولا يعيد الأيام