أمي حرمتني من مقعد جامعة بغداد وأعطته لطالبة أخرى... لكن فيديو واحد كشف الحقيقة أمام المدرسة كلها!


جالسة على الطاولة أحاول حل نماذج الامتحان بيدي اليسرى.
كانت الكتابة بطيئة ومزعجة.
كل سطر يأخذ مني وقتاً طويلاً.
دخلت أمي بهدوء.
وضعت أمامي دفتراً جديداً.
قلت دون أن أرفع رأسي
شنو هذا؟
قالت
سألت المديرية عن وضعج. قالوا تقدرين تقدّمين طلب مراعاة طبية بسبب الكسر. مو تسهيل غير عادل. إجراء رسمي لأي طالبة عندها إصابة مثبتة.
توقفت عن الكتابة.
نظرت إليها.
قالت بسرعة، كأنها تخاف أن أفهمها خطأ
القرار إلج. ما راح أضغط عليج. بس حبيت تعرفين حقج.
حقج.
كانت الكلمة جديدة على لسانها.
قلت
وليش ما قلتي هذا من البداية؟
أخفضت عينيها.
لأنني كنت أخاف من كلام الناس أكثر من خۏفي عليج.
لم أجب.
جلست على الكرسي المقابل دون أن تطلب.
قالت
أريد أحچيلج شي، وإذا ما تحبين تسمعين، أقوم.
بقيت صامتة.
اعتبرت صمتي إذناً.
قالت
لما صرت مشرفة، كل الناس كانوا يراقبوني. أي طالبة أساعدها يقولون لأنها تحبها. أي قرار آخذه يقولون عندها مصلحة. ولما صرتِ أنتِ طالبة عندي، صار خۏفي أكبر. كنت أقول لنفسي لازم أكون قاسېة على سارة حتى ما يقولون أجاملها.
ابتسمت بسخرية خفيفة.
فصرتِ قاسېة عليّ فعلاً.
هزت رأسها والدموع في عينيها.
نعم. وبالغت. ونسيت أن العدالة ما تعني أظلم القريب حتى أرضي البعيد.
تأملت وجهها.
كانت تبدو أكبر من عمرها تلك الليلة.
قلت
وزهراء؟
تنهدت.
زهراء أخطأت وتتحمل خطأها. وأنا أخطأت لما جعلتها تشعر أن حقج أقل من حاجتها.
ثم أضافت
زرت أهلها مع المرشدة. أمها مڼهارة. بس التحقيق مستمر، والمدرسة راح تتخذ إجراءاتها. ما أريد أتدخل. لا معها ولا ضدها. القانون يأخذ مجراه.
أومأت ببطء.
لأول مرة، شعرت أن أمي تفهم الفرق بين الرحمة والظلم.
في يوم الامتحان، استيقظت قبل الفجر.
كان قلبي يضرب بقوة.
يدي اليمنى في الحمالة.
يدي اليسرى تمسك القلم.
كنت أخاف أن لا أستطيع الكتابة بالسرعة المطلوبة.
لكنني كنت أخاف أكثر من أن أسمح لما حدث أن يعرّفني.
عند باب البيت، وجدت أمي تنتظر.
لم تقل الكثير.
فقط مدت لي حقيبتي.
وقالت
سارة.
نظرت إليها.
أنا فخورة بيج. سواء نجحتِ أو لا. مو لأنج الأولى. لأنج وقفتي وما سكتِ على الظلم.
شعرت بشيء يهتز داخلي.
كانت هذه الجملة متأخرة.
لكنها كانت حقيقية.
قلت
ادعي لي.
ابتسمت وهي تبكي.
من أول يوم وأنا أدعيلج. بس كنت ما أعرف أحبج صح.
لم أعرف ماذا أفعل بهذه الجملة.
فاكتفيت بأن أخذ الحقيبة.
ذهبت إلى الامتحان.
كتبت ببطء.
تألمت.
توقفت أكثر من مرة.
لكنني أكملت.
كل سؤال كنت أحله كان يبدو كدرجة من الدرج الذي سقطت منه.
هذه المرة لم أسقط.
هذه المرة كنت أصعد.
بعد أسابيع، ظهرت النتائج.
كنت في القسم الداخلي عندما وصلت الرسالة.
فتحتها وأنا لا أتنفس.
اسمي كان موجوداً.
قبول أولي.
ثم بعد أيام، جاء الاعتماد الرسمي.
جامعة بغداد.
نفس الاسم الذي كنت أكتبه خلف دفاتري.
لكن هذه المرة لم يكن حلماً.
كان حقيقة.
لم أصرخ.
لم أركض.
لم أفعل شيئاً.
جلست فقط على سريري، وضعت الهاتف على صدري، وبكيت.
بعد ساعة، عدت إلى البيت.
كانت أمي في المطبخ.
عندما رأت وجهي، فهمت قبل أن أتكلم.
قالت
قبلوج؟
هززت رأسي.
وضعت يدها على فمها.
ثم جلست على الكرسي كأن قدميها لم تعودا تحملانها.
بكت.
لكنها لم
تقترب مني.
تركت لي المسافة.
اقتربت أنا هذه المرة.
ببطء.
وقفت أمامها.
ثم وضعت ورقة القبول على الطاولة.
قالت وهي تنظر إليها
هذا حقج.
قلت
نعم. حقي.
رفعت رأسها.
وأنا آسفة لأنني كنت آخر من شافه.
لم أقل إنني سامحتها.
لم أكن جاهزة.
لكنني لم أبتعد أيضاً.
جلست على الكرسي المقابل.
وبقينا ننظر إلى الورقة بيننا.
ورقة واحدة.
لكنها كانت تفصل بين حياتين.
الحياة التي كنت فيها ابنة لا تُرى.
والحياة التي بدأت فيها أرى نفسي حتى لو تأخر الآخرون.
بعد أشهر، عندما دخلت بوابة جامعة بغداد للمرة الأولى، لم تكن يدي قد شُفيت تماماً، لكنها كانت أقوى.
أمي جاءت معي حتى الباب الخارجي فقط.
قالت
أدخل وياج؟
نظرت إلى البوابة.
ثم إليها.
قلت
لا. أريد أدخل وحدي.
هزت رأسها.
لم تتضايق.
لم تعتبرها إهانة.
فقط قالت
مثل ما تحبين.
مشيت خطوات قليلة.
ثم توقفت.
التفتُّ إليها.
كانت واقفة في مكانها، تحمل حقيبتي
الصغيرة بيد، وتمسح دموعها باليد الأخرى.
ناديتها
أستاذة أميرة.
ارتجف وجهها.
كان الاسم يؤلمها، أعرف.
لكنه لم يعد عقاباً فقط.
كان تذكيراً بما حدث.
وبالمسافة التي ما زالت تحتاج وقتاً.
قلت
شكراً لأنج هذه المرة وقفتي مع الحق.
ابتسمت وهي تبكي.
أتمنى أتعلم أوقف وياه دائماً.
دخلت الجامعة.
لم أكن وريثة أحد.
ولم تكن خلفي قوة كبيرة.
ولم يفتح لي الباب حراس ولا نفوذ.
كنت فقط طالبة عراقية بيد مکسورة، وقلب مجروح، وحلم لم أسمح لأحد أن يأخذه مني.
لكنني في تلك اللحظة شعرت أن هذا كان كافياً.
كافياً جداً.