رواية كامله

دخل راكان القاعة بخطوات هادئة، ووضع سترته على كتفي دون أن يلتفت إلى أحد. لم يرفع صوته، ولم ېهدد، ولم يحاول أن ينتقم. فقط نظر إلى والدي وقال زوجتي لن تقف وحدها بعد اليوم.
ولأول مرة في حياتي، لم أكن أنا التي تبحث عن يد تنقذها... كانت اليد هذه المرة قد وصلت فعلًا.
مرّت ثلاثة أيام.
ثلاثة أيام لم أتلقَّ خلالها أي اتصال من والدي.
ولا من أمي.
ولا من الجوهرة.
وثلاثة أيام كاملة قضتها الصحف الإلكترونية ومنصات التواصل تتحدث عن مقطع الزفاف.
المقطع الذي شاهد فيه الجميع فهد العتيبي، المحامي المعروف، وهو يدفع ابنته أمام مئات الضيوف.
أما أنا...
فكنت أجلس في مكتبي بالرياض أراجع التقارير وكأن شيئًا لم يحدث.
حتى رنّ هاتفي صباح الاثنين.
كانت أمي.
حدقت في الاسم طويلًا قبل أن أجيب.
السلام عليكم.
جاء صوتها مترددًا على غير عادته.
مريم...
لم أرد.
تنهدت.
ثم قالت
سمعت إنك رجعتي للشغل.
طبيعي.
كنت أتوقع تحتاجين وقت أكثر.
احتجت ثلاثين سنة مو ثلاثة أيام.
ساد الصمت.
وفي داخله سمعت شهقة خفيفة.
جيد.
بعض الحقائق يجب أن تؤلم.
قالت بصوت منخفض
هذا كلام قاسې.
قلت
لا. هذا كلام صحيح.
صمت جديد.
سمعت في الخلفية صوت فناجين تتحرك فوق صينية الضيافة.
عرفت المكان فورًا.
ركن الإفطار في منزلهم.
المكان الذي كانت أمي تفضله للمكالمات الصعبة لأنها تعتقد أن ضوء الشمس يجعل الأخبار السيئة أخف.
قالت أخيرًا
وش تبين منا يا مريم؟
فاجأني السؤال.
نظرت من نافذة مكتبي إلى الرياض الممتدة أمامي.
طرق مزدحمة.
مبانٍ شاهقة.
ناس يذهبون إلى أعمالهم.
أمهات يوصّلن أبناءهن للمدارس.
وحياة كاملة تمضي دون أن تعرف شيئًا عن عائلة العتيبي.
ماذا أريد؟
قبل سنوات كان عندي قائمة طويلة.
اعتذار.
اعتذار حقيقي.
دعوة لا أشعر فيها أن وجودي واجب ثقيل.
عيد ميلاد لا يسرقه خبر يخص الجوهرة.
أب يسألني عن عملي.
أم تنظر إلى وجهي دون أن تبحث عن عيوبه.
وأخت ترى فيّ إنسانة لا منافسة.
لكن الرغبة بشيء لا تعني أنه متاح.
قلت
أبي مسافة.
قد إيش؟
تسعين يوم.
تسعين يوم؟!
إيه.
كثير.
هذا الحد اللي أبيه.
کرهت أمي تلك الكلمة.
الحدود.
كانت تراها كلمة جديدة أكثر من اللازم.
مباشرة أكثر من اللازم.
وصريحة أكثر مما تحتمل.
قالت
وبعد التسعين يوم؟
يعتمد على اللي بتسوونه خلالها.
وش يعني؟
قلت
يعني ما أبي أحد يكلمني عن سوء فهم. وما أبي أبوي يدق علي لحاله. وما أبي الجوهرة تقول إني خربت زواجها. إذا أحد فيكم يبي علاقة معي، يبدأ أولًا بقول الحقيقة.
تبينّا نذل أنفسنا؟
لا.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قلت
أبيكم توقفون مطالبة شخص واحد بالإذلال عشان يرتاح الباقون.
لم تجب.
ولأول مرة...
لم أحاول إنقاذ الصمت.
بعد لحظات قالت
تغيرتي.
إيه.
ما أعرف هذي النسخة منك.
ابتسمت بمرارة.
وقلت
ولا عمرك عرفتي النسخة القديمة أصلًا.
وأغلقت المكالمة قبل أن تجعلني أندم.
في تلك الليلة سافرت أنا وراكان إلى جدة لزيارة أهله.
كان منزلهم متوسطًا.
دافئًا.
مليئًا بالحياة.
دائمًا توجد سيارة أمام الباب.
ودائمًا توجد عباءة معلقة على أحد الكراسي.
ودائمًا توجد رائحة طبخ تجعل الجوع يستيقظ حتى لو كنت شبعانة.
فتح والده الباب قبل أن نطرق.
وبمجرد أن رآني فتح ذراعيه.
وقال مبتسمًا
هذي بنتنا وصلت.
بنتنا.
كلمتان فقط.
وكادتا تكسران كل ما بقي متماسكًا داخلي.
خرجت والدته من المطبخ وهي تمسح يديها.
وقالت
تعالي يا مريم. شكلك نحفانة زيادة.
ضحكت.
مو نحفانة.
قالت فورًا
تزوجتي ولدي. خلاص ما عاد لك حق تناقشينني بالموضوع.
ضحك راكان وقبّل رأسها.
وقال
هي تناقش الكل بالأكل.
قلت
لأن الكل غلط.
وبعد قليل وصل أخوه مع زوجته وأطفاله.
وامتلأت السفرة بالأصوات.
وضحكات الأطفال.
وقصص العمل.
وأخبار السفر.
ولم يذكر أحد مقطع الزفاف.
إلا بعد العشاء.
حين أطفأ والد راكان التلفاز بنفسه.
نظر إلي.
وقال بهدوء
شفناه.
خفضت رأسي.
فمدت والدته يدها فوق الطاولة وأمسكت يدي.
وقالت
آسفة يا بنتي.
فقط.
آسفة.
لا أعذار.
لا تبريرات.
لا كلمة لكن.
مجرد حزن صادق.
وكانت بساطة الأمر كافية لتفتح شيئًا داخلي.
قالت زوجة أخيه
والله لو مكانك كان تمنيت أبوك يدعس كل يوم على مكعب لعبة وهو حافي..
نظرت إليها حماتها بحدة.
فقالت بسرعة
وش؟! قاعدة أحافظ على الاحترام.
فضحكت.
ضحكت حتى دمعت عيناي.
ولم يسألني أحد إن كنت أبكي