رواية كامله


أنا إذا بطلت أمثل.
ابتسمت بمرارة.
وقلت له إني أنا بعد ما أعرف.
جلسنا بصمت.
ثم قالت
أبوي كان يبي يجي اليوم.
قلت
أدري.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
أمي منعته.
رفعت حاجبي.
فضحكت.
وقالت
قالت له إن العائلة مو محكمة يقدر يكسبها بالمرافعات.
ولأول مرة منذ سنوات...
وجدت نفسي أبتسم عندما أسمع شيئًا عن أمي.
نظرت من خلال نافذة المطبخ.
ورأيت أمي في الداخل.
كانت تتحرك بين الضيوف بهدوء غير معتاد.
لا تعطي أوامر.
ولا ترتب الناس.
ولا تحاول التحكم بكل شيء.
فقط تشارك.
وكان هذا جديدًا عليها.
قالت الجوهرة وهي تتبع نظري
حتى أمي تغيرت.
لم أجب.
فأكملت
يمكن أكثر شخص ټأذى بعد الزفاف كان هي.
الټفت إليها.
فقالت
طول عمرها كانت تعتقد إنها تحافظ على العائلة.
وفجأة اكتشفت إنها كانت تحافظ على الصورة فقط.
ساد الصمت بيننا.
ثم نظرت إلي.
وقالت
أنا سعيدة إنك تزوجتي راكان.
قلت
فعلًا؟
ضحكت.
لا طبعًا... أقصد ساعي البريد.
رفعت عيني نحو السماء.
فضحكت أكثر.
ثم قالت
أكيد راكان.
هو مناسب لك.
ابتسمت.
وقلت
لا.
رفعت حاجبيها.
وش لا؟
قلت
مو مناسب لي.
مناسب معي.
فكرت قليلًا.
ثم سألت
وش الفرق؟
قلت
مناسب لي كأنها دواء.
أما مناسب معي... فتعني شريك.
بقيت تفكر بالكلام عدة ثوانٍ.
ثم قالت
أتمنى أحصل على شيء مثل كذا يومًا.
نظرت إليها.
وقلت
إذًا لا تتزوجين من أجل الصورة.
أومأت برأسها.
وفي تلك اللحظة رفع راكان رأسه من داخل المطبخ.
والتقت عيناه بعيني.
فابتسم.
ابتسامة صغيرة.
خاصة.
ابتسامة بيت.
وليست ابتسامة مناسبات.
ومع نهاية العام...
وافقت أخيرًا على مقابلة والدي.
ليس في منزلي.
ولا في مكتبه.
اخترت مكانًا محايدًا.
مقهى قديمًا في الرياض.
بعيدًا عن نفوذه.
وبعيدًا عن عالمي.
وصل قبلي.
وكان يبدو متوترًا بطريقة لم أرها فيه من قبل.
وقف عندما رآني.
وقال
مريم.
قلت
هلا يبه.
جلسنا.
ووضع النادل القهوة أمامنا.
ولعدة دقائق لم يتكلم أي منا.
كان المكان يعيش حياته الطبيعية.
موظفون في استراحة العمل.
رجل كبير يقرأ الجريدة.
أم تطعم طفلها.
وأشخاص لا يعرفون أن بين الطاولتين القريبتين تاريخًا من ثلاثين عامًا.
تنحنح والدي.
ثم قال مباشرة
أنا آسف.
دون مقدمات.
ودون تبريرات.
ودون دفاع.
نظرت إليه.
فأكمل
آسف على اللي صار في الزفاف.
وآسف على اللي قلته.
وآسف لأني دفعتك.
وآسف على كل مرة خليتك تحسين إن حب العائلة شيء لازم تكسبينه.
ارتجف صوته في آخر جملة.
وفجأة...
لم أرَ فهد العتيبي المحامي الشهير.
رأيت رجلًا خائفًا.
ليس خائفًا مني.
بل خائفًا من أن يكون قد خسرني فعلًا.
وكان محقًا في خوفه.
قلت بهدوء
أصدق إنك نادم.
أضاء شيء صغير في عينيه.
أمل.
لكنني أكملت
لكني ما أثق فيك.
واختفى الأمل سريعًا.
هز رأسه.
وقال
أتفهم.
قلت
لا أظنك تفهم.
أنت متعود أن الاعتذار يحل المشكلة.
بالنسبة لي الاعتذار مجرد بداية.
ظل صامتًا.
ثم قال
المعالج قال لي شيء مشابه.
ابتسمت.
وقلت
واضح أنه ممتاز.
ضحك بخفة.
ثم اختفت الضحكة.
وقال
كنت فخور بالجوهرة لأن نجاحها كان سهل الفهم.
جمال.
دراسة.
زواج.
علاقات.
أما أنت...
صمت لحظة.
ثم قال
ما كنت أفهم اللي تبنينه.
فاعتبرته أقل أهمية.
نظرت إليه مباشرة.
وقلت
المشكلة أنك ما حاولت تفهم.
أطرق رأسه.
وقال
صحيح.
لففت يدي حول فنجان القهوة.
ثم سألته
تعرف وش أسوي في شغلي؟
بدا عليه الحرج.
وقال
مو بالشكل اللي أفتخر فيه.
ولأول مرة...
بدأت أشرح له.
شرحت طبيعة عملي.
والمشاريع التي أديرها.
والخطط.
والأزمات.
والفرق التي أشرف عليها.
والناس الذين نعمل لأجلهم.
واستمعت إليه وهو يستمع فعلًا.
وليس مجرد انتظار دوره بالكلام.
وعندما انتهيت...
قال
هذا مهم.
دخلت الكلمات إلى مكان داخلي ظل ينتظرها سنوات طويلة.
لكن هذه المرة...
لم أتشبث بها.
تركتها تمر.
وقلت
نعم.
مهم.
نظر إلى القهوة.
ثم قال
فاتني كثير.
قلت
فعلًا.
وأتمنى أتعرف على راكان أكثر.
قلت
هذا يحتاج وقت.
أومأ.
أعرف.
ويحتاج جهد.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
أعرف هذي بعد.
ثم نظرت إليه.
وقلت
وإذا رجعت يومًا تسخر من حياتي أو زواجي أو اختياراتي...
رفع رأسه فورًا.
فأكملت
سأغادر مباشرة.
بدون نقاش.
وبدون فرصة ثانية.
أومأ ببطء.
وقال
مفهوم.
وشربنا القهوة بصمت.
لم يكن ذلك تصالحًا كاملًا.
ولم تمحُ الجلسة كل شيء.
لكنها كانت بداية جديدة...
فيها أكاذيب أقل.
وهذا وحده كان أكثر مما توقعت.
وجاء الربيع من جديد.
ومع الربيع...
بدأت ذكرى ليلة الزفاف تفقد شيئًا من قوتها.
لم تختفِ بالكامل.
أحيانًا كنت ما أزال أستيقظ من حلم أرى فيه الماء البارد.
وأحيانًا كانت ضحكة معينة تجعل جسدي يتوتر قبل أن يدرك عقلي السبب.
لكنني تعلمت شيئًا مهمًا.
التعافي ليس خطًا مستقيمًا.
بل طريق طويل.
فيه تعثرات.
وفيه التواءات.
لكنه يوصلك إلى مكان مختلف في النهاية.
في ذلك العام...
قررنا أنا وراكان إقامة عشاء صغير بمناسبة ذكرى زواجنا.
ليس احتفالًا ضخمًا.
ولا مناسبة استعراضية.
مجرد