رواية كامله


يوم الزفاف.
رفعت عينيها نحوي.
ولأول مرة لم تكن تنظر لتقيمني.
كانت تنظر لتفهم.
ثم قالت
أنا آسفة يا مريم.
ساد الصمت داخل المكتب.
ورنين الهواتف يأتي من بعيد.
وأصوات الموظفين في الممرات.
والحياة تمضي كعادتها.
بينما كنت أسمع كلمات انتظرتها سنوات طويلة.
لكن الحقيقة...
أن الاعتذار الحقيقي لا يمحو الماضي.
لا يعيد أعياد الميلاد.
ولا يمحو ماء النافورة.
ولا يصلح ثلاثين سنة بكلمتين.
لكنه يفتح بابًا.
ويبقى القرار لك إن كنت تريدين فتحه أم لا.
قلت بهدوء
شكرًا.
امتلأت عيناها بالدموع.
وقالت
ما عاد أعرف كيف أكون أمك.
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت
ابدئي بأنك ما تحاولين إدارتي. اسألي واستمعي. ولا تدافعين عن أبوك إذا كان غلطان. ولا تستخدمين مشاعر الجوهرة لإلغاء مشاعري.
هزت رأسها ببطء.
ثم قلت
وراكان كذلك.
رفعت حاجبيها.
فأكملت
مو لأنك فضولية الحين يصير من حقك تعرفين كل شيء عنه.
قالت
أفهم.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقلت
لا. ما تفهمين. لكن تقدرين تتعلمين.
نظرت مرة أخرى إلى الصورة.
ثم سألت
تحبينه؟
قلت فورًا
نعم.
ويحبك؟
تذكرت كل شيء.
السترة التي وضعها على كتفي.
يده فوق يدي.
وقوفه إلى جانبي.
ورفضه أن يحول نفوذه إلى اڼتقام.
فقلت
يحبني بالطريقة الصح.
أومأت أمي ببطء.
ثم همست
الحمد لله.
ولأول مرة في حياتي...
صدقتها.
وفي شهر أغسطس...
وصلتني رسالة من الجوهرة تطلب أن نلتقي.
ليس في بيتي.
وليس في بيت العائلة.
ولم أكن مستعدة لذلك أصلًا.
لذلك اخترنا مقهى هادئًا في الرياض.
مكانًا بسيطًا بعيدًا عن الأسماء الكبيرة والعائلات المعروفة.
وصلت قبلي بعشر دقائق.
وعندما دخلت رأيتها تجلس قرب النافذة.
بجينز بسيط.
وقميص أبيض.
ودون ذلك المظهر المثالي الذي اعتادت الظهور به.
بدت أصغر.
وأقرب إلى الإنسان.
لثانية واحدة رأيت أختي الصغيرة التي كانت تأتي إلى غرفتي أيام العواصف.
ثم تذكرت العروس التي كانت تبتسم وأنا أقف داخل النافورة.
وكانت الصورتان صحيحتين في الوقت نفسه.
رفعت رأسها.
وقالت
هلا.
قلت
هلا.
طلبت شايًا.
لكنه بقي أمامها دون أن تشرب منه.
ثم قالت
كتبت سبع نسخ مختلفة من الكلام اللي أبي أقوله.
قلت
واضح.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت
فيصل قال كلها تشبه بيانات صحفية.
قلت
عنده وجهة نظر.
اختفت الابتسامة سريعًا.
ثم أخذت نفسًا طويلًا.
وقالت
أنا آسفة.
لم أتكلم.
فأكملت
آسفة إني ابتسمت.
وآسفة إني ما وقفت أبوي.
وآسفة إني خليت الناس يعاملونك وكأنك أقل مني لأن هذا كان يخليني أحس بالأمان.
استقرت الجملة الأخيرة بيننا بثقل.
نظرت خارج النافذة.
ثم قالت
تعرفين كيف يكون شعور البنت المدللة؟
لم أجب.
فأكملت بنفسها
الكل يعتقد إن الموضوع رائع.
الجوهرة مدللة.
الجوهرة محبوبة.
الجوهرة ناجحة.
ضحكت بمرارة.
بس الحقيقة مو حب دائمًا.
كان وظيفة.
إذا كنت مثالية... البيت يكون هادئ.
إذا فزت... أبوي يكون فخور.
إذا كنت جميلة... أمي تكون مرتاحة.
لكن لو فشلت...
اختفى صوتها للحظة.
ثم قالت
ما كنت أعرف من أكون إذا فشلت.
تذكرت أشياء كثيرة.
تذكرت الجوهرة وهي تتدرب ساعات طويلة على العزف لأن والدي دعا ضيوفًا ليسمعوها.
وتذكرتها تبكي في غرفتها يوم علّقت أمي على شكل فستانها.
وتذكرت أننا كلتانا تأذينا.
لكن بطرق مختلفة.
قلت بهدوء
أفهم هذا.
رفعت رأسها نحوي.
فأكملت
لكنه ما يبرر اللي صار.
أومأت.
أدري.
وفهم السبب ما يخلي الشيء صحيح.
أدري.
ثم نظرت إلي مباشرة.
وقالت
كنت أغار منك.
تفاجأت.
ابتسمت بسخرية.
مني؟
قالت
يوم دخل راكان القاعة.
صمتت لحظة.
ثم أكملت
ما كانت غيرتي منه.
كانت غيرتي منك.
لأنه كان يناظر لك وكأن القاعة كلها ما لها قيمة.
وكأنك أهم شيء فيها.
محد قد نظر لي بالطريقة هذي.
فكرت في فيصل.
ثم سألت
وكيف أموركم؟
حركت ملعقتها داخل الشاي دون حاجة.
وقالت
نراجع مستشار أسري.
رفعت حاجبي.
بسرعة؟
ضحكت بخفة.
علامة ممتازة صح؟
قلت
إذا كنتوا صادقين... يمكن.
تنهدت.
ثم قالت
قال لي شيء ما قدرت أنساه.
قال إنه تزوج النسخة اللي يشوفها في المناسبات والحفلات.
لكن يوم الزفاف شاف النظام كامل اللي وراءها.
رفعت عينيها نحوي.
وقالت
وقال إنه ما يبي يقضي عمره وهو يتظاهر إن القسۏة نوع من الرقي.
بصراحة...
أعجبني فيصل أكثر في تلك اللحظة.
خفضت الجوهرة رأسها.
وقالت
ما أعرف كيف أتغير.
قلت
محد يعرف بالبداية.
وأنتِ كيف قدرتِ؟
كدت أجيب بسرعة.
لكنني فكرت أولًا.
ثم قلت
طلعت.
مو دفعة وحدة.
الدراسة ساعدت.
الشغل ساعد.
العلاج النفسي ساعد.
راكان ساعد.
ثم ابتسمت.
وأضفت
لكن أكثر شيء ساعدني إني بطلت أطلب موافقة العائلة على كل نسخة جديدة من نفسي قبل ما أعيشها.
امتلأت عيناها بالدموع.
وقالت
ما أدري إذا أقدر أسوي كذا.
قلت
ابدئي بشيء أصغر.
مثل؟
قولي الحقيقة