رواية كامله


مرة واحدة كل يوم.
حتى لو بينك وبين نفسك فقط.
بقيت تنظر إلي لعدة ثوانٍ.
ثم أومأت ببطء.
جلسنا أكثر من ساعة بعد ذلك.
لم نرجع أختين كما كنا.
الحياة لا تعمل بهذه السرعة.
لكن عندما غادرت...
عانقتني.
ولم تتعلق بي طويلًا.
وكان هذا كافيًا في تلك المرحلة.
ومع بداية سبتمبر...
بدأت الليالي تصبح ألطف.
وقرر راكان أن يقيم عشاءً صغيرًا في بيتنا.
ورغم أن الحديقة الخلفية بالكاد تتسع لستة أشخاص...
إلا أنه دعا أربعة عشر شخصًا.
وهذا كان منطق راكان المعتاد.
متفائل.
محب.
وغير واقعي قليلًا.
وقفت عند باب المطبخ أراقب الجميع.
أصوات متداخلة.
ضحكات.
أطباق تنتقل من يد إلى يد.
وأحاديث تبدأ في موضوع وتنتهي في موضوع آخر تمامًا.
وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا.
هذا بالضبط ما كنت أريده طوال حياتي.
ليس النفوذ.
ولا الشهرة.
ولا الصورة المثالية.
فقط بيت مليء بأشخاص لا يطلبون مني أن أصغر حتى يجدوا مكانًا لأنفسهم.
اقترب راكان مني.
وسأل
بخير؟
قلت
إيه.
ابتسم.
رجعتي لوضعية الصمت.
ضحكت.
وقلت
هالمرة صمت سعيد.
ابتسم هو أيضًا.
وفي الجهة الأخرى من الحديقة كان كلبنا لولو يسرق قطعة خبز من أحد الأطباق.
والمفاجأة أن الجميع بدأ يصفق له بدل أن يوبخه.
رن هاتفي.
نظرت إلى الشاشة.
رسالة من أمي.
أبوك بدأ جلسات علاج نفسي.
وقال لي أبلغك.
لكنني قلت له إن الأفضل يقولها بنفسه إذا جاء اليوم الذي تكونين مستعدة لسماعه.
قرأت الرسالة مرتين.
ثم أغلقت الهاتف.
ووضعته جانبًا.
راكان لاحظ.
لكنه لم يسأل.
وأحببته أكثر بسبب ذلك.
في أكتوبر...
وصلتني رسالة ورقية من والدي.
رسالة حقيقية.
بخط يده.
وليس عبر البريد الإلكتروني.
ولا عبر أحد المساعدين.
ولا عبر مكتب المحاماة.
فتحت الظرف.
وبدأت أقرأ.
مريم...
كتبت هذه الرسالة عدة مرات.
وفي كل مرة كانت تخرج كأنها مذكرة قانونية.
وأحاول هذه المرة أن أكتبها كأب.
ما فعلته في زفاف الجوهرة كان خطأ.
ليس سوء تقدير.
وليس سوء فهم.
بل خطأ.
أذللتك لأنني ڠضبت من حقيقة أنني لم أعد أستطيع التحكم بالصورة التي رسمتها لك في رأسي.
وهذه حقيقة يصعب علي الاعتراف بها.
عاملتك وكأنك خيبة أمل لأسباب تتعلق بي أكثر مما تتعلق بك.
كنت تستحقين أبًا أفضل عندما كنت صغيرة.
وكنت تستحقين أبًا أفضل في تلك الليلة.
أنا آسف لأنني دفعتك.
وآسف لأنني ضحكت.
وآسف لأنني علمت الآخرين أن الضحك عليك أمر مقبول.
لا أتوقع منك التسامح.
لكنني أطلب فرصة...
في يوم ما...
لأعتذر لك وجهًا لوجه.
أبوك.
انتهيت من القراءة.
وكان المطر ينزل خلف النافذة.
أما راكان فكان يجلس إلى جانبي بصمت.
سألني أخيرًا
وش رأيك؟
قلت
أعتقد أن معالجه ممتاز.
ضحك بخفة.
غالبًا.
قلت
وأعتقد أنه صادق في جزء من الكلام.
غالبًا.
تنهدت.
ما أعرف وش أسوي.
قال
مو لازم تقررين الليلة.
وكان هذا واحدًا من قوانين بيتنا.
لا قرارات عاطفية كبيرة بعد التاسعة مساء.
ولا أثناء الجوع.
ولا أثناء العواصف.
لذلك وضعت الرسالة داخل الدرج.
ولم أرد عليها.
مرّت ثلاثة أسابيع.
وخلالها بدأت الأجواء تتغير.
ودخل الشتاء.
وامتلأت الأسواق بالزينة.
وتجهز الناس للمناسبات العائلية.
أما أنا وراكان ...
فقررنا أن نستضيف أول اجتماع عائلي كبير
في منزلنا.
دون بطاقات جلوس.
ودون بروتوكولات.
ودون استعراض.
فقط أشخاص يجلسون معًا لأنهم يريدون ذلك.
وجاءت الجوهرة وحدها.
وصلت عند الثانية ظهرًا.
وهي تحمل صينية طعام صنعتها بنفسها.
وقفت عند الباب متوترة.
فتحت لها.
وقالت فورًا
سويته بنفسي.
نظرت إلى الصينية.
وكان واضحًا أنها احټرقت قليلًا من الأطراف.
فقلت
واضح.
ضحكت.
وكانت ضحكة حقيقية.
خرج راكان خلفي.
فقالت له مباشرة
أنا مدينة لك باعتذار بعد.
نظر إليها.
وقال
صحيح.
كدت أضحك.
لأن راكان كان لطيفًا.
لكن ليس ساذجًا.
خفضت الجوهرة رأسها.
وقالت
آسفة على طريقتي مع مريم.
وآسفة على اللي سمحت يصير يوم الزفاف.
وآسفة لأني تصرفت وكأن زواجكم مشكلة تخصني.
تأملها راكان لثوانٍ.
ثم قال
شكرًا.
وأخذ الصينية من يدها.
وأضاف
تفضلي. بس أنبهك... أمي بتحاول تطعمك مرتين على الأقل.
ضحكت الجوهرة.
ودخلت.
وخلال ذلك اليوم...
ساعدت في ترتيب الطاولة.
وجلست مع الجميع.
واستمعت أكثر مما تكلمت.
ولأول مرة منذ سنوات...
لم تكن تحاول أن تكون مركز الغرفة.
لم يكن الأمر معجزة.
كانت لا تزال الجوهرة.
ولا تزال تقع أحيانًا في العادات القديمة.
لكنها كانت تحاول.
وهذا كان فرقًا كبيرًا.
وبعد العشاء...
خرجنا أنا وهي إلى الحديقة.
وكان الهواء باردًا.
قالت فجأة
أنا وفيصل منفصلين مؤقتًا.
نظرت إليها.
وقلت
آسفة.
هزت رأسها.
لا.
يمكن هذا أفضل شيء صار.
قال إنه يحتاج يعرف من