رواية كامله


مكسوفين ومش طايقين نفسهم وقلت لهم يا جماعة.. إنتوا كنتوا معزومين على عيد مثالي.. بس اتعزمتوا في بيت الحقيقة. شوفوا بقى حتاكلوا بلقمتكم بكرامة وتساعدوا، ولا حتمشوا جعانين؟
عدت ثواني محدش بيتحرك فيها، وفجأة حصلت حاجة مكنتش متوقعاها. خالة بسنت الكبيرة وقفت، قلعت الغوايش الذهب من إيدها وحطتها على الترابيزة وشمرت كمام عبايتها وقالت المطبخ منين يا حاجّة؟
بسنت صړخت خالتو!
خالتها بصت لها بنظرة ټموت أنا ربيت أربع عيال وفتحت بيت وشقيت.. مش جاية هنا عشان أشوف ست كبيرة ووقورة بتتعامل معاملة الشغالات في بيتها!
خالتها الثانية وقفت.. ومرات عمها حسين.. وتلاتة من بنات خالاتها.
وخلال نص ساعة، المطبخ كان مليان ستات. مكنش فيه ضحك ولا فرفشة في الأول؛ كانوا شغالين بكسوف وإحراج، بس بيشتغلوا.
الرز اتغسل.. الخضار اتقطع.. العيال انضربت عشان تلم الشيبسي اللي رموه في الصالة.
واحدة بتكنس، وواحدة بتفرش السراير، وواحدة نزلت تشتري لبن وحاجات ناقصة.
لأول مرة من خمس سنين، قعدت في صالون بيتي حاطة رجل على رجل، والناس بتلف حواليا بتدور على الملاعق والحلل. مكنتش ضايعه ولا بقول لهم دي فين ودي فين.. سيبتهم يخبطوا.
الرز طلع معجن شوية.. الطبيخ طلع حامي ومشطشط.. والمحشي شاط من تحت.
ومع ذلك، ده كان أهدى وأجمل أكل دخل بؤي من سنين، لأن محدش طلب مني أقف فوق دماغه بالكبشة وأغرف له.
بسنت ماكلتش؛ قعدت في ركن لوحدها، ماسكة تليفونها ببرود وبتكتب رسايل كنت مخمنة هي لمين.
الساعة 1140 بالليل، المحامي بتاعي وصل.. الأستاذ شاكر. راجل شعره أبيض، صوته واطي، وعينيه حادة بتقرأ البني آدم وتعرف كدبه.
سلم رامي إنذار رسمي.. وسلم بسنت نسخة.. وحط ورقة قدامي ومضيت عليها.
بسنت قربت وقالت إيه الورقة دي؟
قلت لها وصيتي الجديدة.
رامي رفع رأسه ماما...
كملت إمضاء وقلت البيت ده مش حيتنقل ملكيته تلقائياً لحد بعد عمري. بعد وفاتي، البيت حيدخل في مؤسسة رفعت وكامليا الخيرية لرعاية الأيتام. أنت يا رامي ليك حق تعيش هنا طول ما أنت محترم وتصرفاتك المالية شفافة وواضحة. وبسنت ليها حق تقعد هنا بشرط واحد ميكونش ضدها أي قضية ڼصب أو احتيال مالي، وملهاش أي حق في المطالبة بالملكية.
بسنت وقفت وصوتها حتطلع من حنجرتها أنتِ مش من حقك تعملي كدة!
بصيت لها وقلت أنا عملت خلاص.
شفايفها ترعش ولو رامي جاب عيال؟
قلت لها أحفادي ليهم برامج تعليم وتأمين محترمة.. بس ملهمش حكم على العقار والملك.
ضحكت بمرارة يعني بتعاقبي عيال لسه مجوش الدنيا؟
قلت لها لأ.. أنا بحميهم من طمع الكبار.
عمها حسين وقع كشاهد على الوصية.. وخالتها كمان وقعت جنبه. وده اللي كسر بسنت بجد.. مش إمضائي أنا، إمضاء أهلها هما.
على نص الليل، العيد بدأ. مفيش زينة، مفيش سهر برة، مفيش أغاني. كان فيه بس بيتي القديم، وناس تعبانة، والحقيقة قاعدة وسطنا كأنها ضيف تقيل زيادة.
رامي دخل المطبخ وبدأ يغسل المواعين بنفسه لأول مرة من يوم ما اتجوز. كنت واقفة في الطرقة وببص عليه وهو ميعرفش. كان حركته بطيئة ومش متعود، بس كان بيغسل كل طبق بضمير وبينظفه كويس.
دي كانت حاجة.. مش كفاية، بس بداية حاجة.