رواية (جعلتني أغـار عليها) لمنال سالم


نبرة الحزن المسيطرة عليه 
هل إنت هنا من أجل العزاء 
رفعت هالة رأسها لتنظر لتلك السيدة بتمعن كانت تبدو في العقد السادس من عمرها فقد خط الزمن علاماته على وجهها الذي يمتليء بتجاعيد أسفل عينيها وحول فمها 
أما حجاب رأسها فقد كان محكما عليها يبرز فقط جزءا صغيرا من وجنتيها ومن جبينها 
بنبرة متلعثمة ونظرات مرتبكة أجابتها هي ب 
آآ في الحقيقة أنا آآ 
قاطعتها تلك السيدة بصوت جاد وهي تشير بيدها 
حسنا يبدو أنك علمت بمسألة ۏفاته متأخرا تفضلي بالدخول
إبتلعت ريقها بتوتر ورسمت إبتسامة خجلة على ثغرها وهي تدلف للداخل قائلة 
شكرا لك 
شعرت هالة بأنها محط أنظار الجميع وأن الكل يتفحصها كما يتفحص الطبيب عينة ما أسفل مجهره الطبي 
بخطى متثاقلة ولجت هي إلى حيث أشارت تلك السيدة وجلست على إستحياء ووضعت حقيبتها على حجرها 
وتجنبت على قدر الإمكان أن تلتقي أعينها بأي واحدة  
مر الوقت بطيئا عليها فشعرت بالضجر المصحوب بالملل ولكن ما بيدها أي حيلة فهي مجبرة
على المكوث حتى يصعد إليها صاحب المنزل وترى معه أي حل لمعضلتها 
خالة نعيمة أريدك هنا ! 
هتفت إحدى الجالسات بنبرة عالية لتنتبه لها تلك السيدة الوقور وتتجه نحوها وتتجاذب معها أطراف الحديث قبل أن تتركها وتعاود الجلوس في مكانها 
كانت معظم المتواجدات يقطن في قرية مقاربة من منزل السيد قاسم ويعرفونه منذ زمن بسبب مروره على السوق الدائم على السوق التجاري هناك وصلاته الطيبة بأزواجهن ومعارفهن فأتين لتلبية واجب العزاء  
كانت هالة بين الحين والأخر تختلس النظرات إليهن محاولة تحديد مستواهن الإجتماعي  
ومن مظهرهن العام أدركت أنها تتعامل مع طبقة متوسطة الحال أو ربما فقيرة  
فملابسهن السوداء قديمة وغير زاهية وطريقة إرتدائهن لها تدل على بساطتهن ومع هذا كن يجلسن بشموخ يحمل الكبرياء والعفة 
فقد رأت نظرات الإزدراء والإحتقار لها  
تلك النظرات التي إعتادت أن تمرق بها من دونها  
ولكنها اليوم اختبرت شعورا جديدا عليها بأنها أقل منهن بكثير  
إنتهى العزاء وودع قاسم الجميع وشكرهم على حضورهم والقيام بواجبهم نحو والده الراحل  
ثم إتجه صوب بنايته وصعد إلى الطابق العلوي حيث منزله  
تنحنح بصوت خشن وعالي قبل أن يدلف إلى الداخل 
وما إن
رأته هالة حتى نهضت من مقعدها وسارت بخطوات سريعة نحوه ثم وقفت قبالته وإنتظرت أن يبدأ الحديث معها لكنه ظل صامتا مما أثار حنقها 
ضيقت عينيها في ضجر وسألته على مضض 
هل رحل الجميع 
أجابها بصوت جامد دون أن تطرف عينيه الحمراوتين 
نعم  
ضيق عينيه هو الأخر ليرمقها بنظرات حادة قبل أن يتابع بصرامة 
وأنت ستظلين هنا حتى الصباح 
إتسعت مقلتيها في صدمة وفغرت شفتيها في ذهول وهي تسأله 
ماذا تقول 
بدى صوته مرهقا وهو يجيبها ب 
لقد بات الوقت متأخرا للغاية وأنا لا أستطيع مساعدتك الآن !
نظرت هالة حولها بنظرات قلقة ثم هتفت بإعتراض 
ولكن أنا لا أستطيع أن أبقى هنا للحظة لابد أن أعود إلى سيارتي وآآ 
قاطعها قاسم بصوت حاسم قائلا 
الطريق مظلم وأنا لن اخاطر في هذا الوقت 
بنبرة تحمل الغرور والعجرفة هتفت قائلة 
معذرة وأنا أيضا لا أستطيع البقاء هنا للحظة فكيف تقبل أن تبقى واحدة مثلي هنا مع شخص لا تعرفه في في مثل هذا المكان !
وبدأت تتلفت حولها وهي تنظر بإحتقار لأثاث المنزل وما فيه 
رأى قاسم نظراتها المستهزأة بأحب الأماكن إلى قلبه بالمكان الذي نشأ وتربى فيه مع أعز الأشخاص في حياته فأحتقنت عينيه غيظا وهتف بصوت صارم 
حسنا بإمكانك المغادرة والبقاء في الصحراء تفضلي ! 
رمشت بعينيها في عدم