رحيل بقلم منار الشريف


حبيبي ما إحنا بنجهز أهو بس البنات الحلوين بياخدوا وقتهم.
ضحك عز الدين وربت على شعرها برفق بينما نظر إلى رحيل بعينين تحملان كل الحنان وقال 
وأنت يا روحي شكلك زي القمر الليلة.
ابتسمت رحيل لكن ابتسامتها ظلت مترددة على شفتاها فاقتربت والدتها منها ومسحت على وجنتها برقة 
مالك يا حبيبتي قلبي حاسس إن في حاجة مضايقاك
هزت رحيل رأسها سريعا وقالت محاولة طمأنتهم 
لأ خالص كله تمام يا مامي بس يمكن توتر عادي.
لكن فريال لم تقتنع تماما فتبادلت نظرة سريعة مع عز الدين الذي ضم ابنتيه بحنان وقال ممازحا 
ما تخافيش يافريال على البنات. أنا هنا ولو في أي حاجة مش تمام هنحلها سوا زي ما بنعمل دايما.
ضحكت حياء وقالت بمرح 
آه طبعا أنت دايما بتحل كل حاجة يا بابي في غمضة عين.
ابتسم عز الدين وربت على رأسها بحب 
ولو يا شقية هو في أغلى منكم
بينما كان الجو يزداد دفئا داخل الغرفة لم تستطيع رحيل طرد الشعور الغامض الذي ظل يتسلل داخلها. شيء ما على وشك الحدوث... بعد قليل انطلقت السيارة تشق طريقها عبر الشوارع المضاءة حتى وصلت إلى قاعة الحفل التي اكتست بهالة من الفخامة. دخلت رحيل برفقة شقيقتها ووالدايها وجدتها السيدة كاميليا هدايت تلك السيدة السبعينيه الارستقراطية القاسېة. وبينما كانت رحيل تحاول أن تستوعب روعة المكان التقت عيناها بشخص ما. كان يقف في زاوية بعيدة بثبات مثير للرهبة. بطوله المهيب وجسده القوي ذو البنيان الرياضي يرتدي بدلة رسمية سوداء تزيده مهابة. عيناه السوداوان كانتا كالليل الحالك تحملان نظرة فاحصة لا يفوتها تفصيل ذو ملامح صارمة لكن وسيم بدرجة كافية أن تسرق قلوب الفتيات كانت عيناه تخترقان الأجواء كأنهما تزن النوايا قبل الأفعال. سقطت نظراته عليها للحظة فتجمدت في مكانها.
همست حياء وهي تتابع المشهد بدهشة 
مش ده عابد الوكيل!
التفتت رحيل نحوها ببطء وعيناها تحملان خليطا من الحيرة والانجذاب 
مين عابد الوكيل!
ابتسمت حياء ابتسامة ماكرة 
يابنتي ده رائد شرطة معروف قوي ومسيطر. بيقولوا عنه إنه لما يدخل أي مكان الكل يحس بحضوره من غير ما ينطق بكلمة والكل بېخاف منه.
ردت رحيل بإستغراب شديد 
وأنت عرفتي عنه كل ده منين
نظرت لها حياء بفخر واهي 
من النادي طبعا. دي البنات ھتموت عليه يا بنتي.
ابتلعت رحيل ريقها ونظراتها لازالت معلقة بهذا الرجل المهيب بينما في قلبها بدأ الإحساس الغامض الذي راودها منذ الصباح يتجلى أكثر.. كأن الليلة تحمل شيئا أكبر مما كانت تتوقع.
_____
كانت القاعة تضج بأضواء الثريات المتلألئة والموسيقى الكلاسيكية تعزف بخفوت كأنها تنسج إيقاعا خفيا لحكايات لم تكتب بعد. الأجواء تعكس فخامة المناسبة الراقية حيث يتجمع النخبة في دوائر من الأحاديث الجادة والمجاملات الاجتماعية المتقنة. الجدران المزينة بنقوش ذهبية تعكس الأضواء في حين كانت الأرضية الرخامية تعكس ظلال الحضور المتحركين.
وسط هذا الصخب المتزن كانت رحيل تقف بجوار إحدى الطاولات المستديرة تمسك بكأس عصير بارد وعيناها تتنقلان بين الحضور بترقب خفي. لم يكن جو الحفل يتماشى مع طبيعتها الهادئة وعيناها العسلية كانت تحمل بريقا حائرا وكأنها في انتظار شيء مجهول.
لم يكن عابد بعيدا فقد كان يقف بثبات مع والده اللواء رأفت الوكيل وسط مجموعة من رجال الأعمال والسياسية يتحدث بنبرة تبدو واثقة تفرض حضورا قويا. بينما كانت رحيل غارقة في أفكارها شعرت بنظرة حادة تخترق حاجز التردد الذي
يحيط بها. التفتت ببطء لتجد عابد يرمقها باهتمام. للحظة شعرت بقلبها يختل إيقاعه لكنها تماسكت سريعا.
اقترب منهاعابد بخطوات ثابتة ووقف أمامها مباشرة. صوته العميق يحمل نغمة هادئة لكنها نافذة 
أنت مش متعودة على الحفلات الكبيرة زي دي
رفعت رحيل نظرها إليه بإستغراب تحاول قراءة ما وراء سؤاله وردت بصوت خاڤت لكنه ثابت 
لأ عادي بس المكان هنا مختلف شوية.
ابتسم عابد ابتسامة بالكاد لامست شفتيه وقال وهو يميل برأسه قليلا 
كل حاجة هنا ممكن تكون مختلفة بس في الآخر إحنا كلنا بنعيش في نفس العالم.
تأملت رحيل كلماته وكأنها تحاول تفكيك معانيها الخفية. لم يكن مجرد حديث عابر لكن شعرت أنه اختبار من نوع ما.
حرك عابد يده مشيرا للنادل ليحضر مشروبا ثم عاد بنظره إليها متسائلا بنبرة أكثر هدوءا 
مش مرتاحة
ارتبكت قليلا لكنها أجابت بصراحة غير متوقعة 
الحقيقة لأ مش بحب الأماكن إللي كلها ضوضاء وزحمة وكلام كتير.
ضحك عابد بخفوت وقال وهو يرفع حاجبا ساخرا 
أمال إيه إللي جابك هنا
أخفضت رحيل عينيها للحظة وقالت بصوت منخفض 
بابا أصر إني أجي مع العيلة.
أومأ عابد برأسه متفهما لكنه لم يبعد نظراته عنها إنما زاد اهتمامه بما تحمله هذه الفتاة من هدوء مختلف عن الصخب المحيط بهم. صمت للحظة قال بصوت أقرب إلى التفكير بصوت عال 
غريبة أنا بحكم شغلي شفت ناس كتير بس مفيش حد فيهم وقف بعيد عن كل الناس دي بنفس الطريقة إللي واقفة بيها.
رفعت رحيل عينيها إليه سريعا تلتقط نبرته الغامضة وردت بابتسامة خفيفة 
يمكن علشان أنا مختلفة
تلاقت أعينهما لثوان وكأنهما يختبران بعضهما في هذه اللحظة العابرة قبل أن يقطعهما صوت من بعيد ينادي رحيل باسمها. التفتت بسرعة فرأت والدها يتحدث مع بعض أصدقائه ويلوح لها للحضور. تنهدت ثم نظرت إلى عابد وقالت بنبرة هادئة 
عن إذنك بابا بيشارولي لازم أروحله دلوقتي.
أومأ عابد برأسه ببطء وهو يقترب منها ويهمس لها بصوت يحمل شيئا من الغموض 
ممكن تكون دي أول مرة نشوف بعض بس أكيد مش هتكون الأخيرة.
شعرت رحيل برعشة خفيفة تسري في أوصالها دون أن تفهم سببها. ابتسمت له بإيجاز واستدارت لتلحق بعائلتها لكن احساسا غريبا ظل يرافقها وهي تبتعد. احساس بأن هذه الليلة لن تكون مجرد ليلة عادية.
دي كانت نهاية الفصل لكن القصة لسه مخلصتش. إيه رأيكم في الأحداث لحد دلوقتي متحمسين تعرفوا هيحصل إيه في الفصل الجاي . أشوفكم في الفصل الجاي واستعدوا للمفاجآت
الفصل الثاني
في غرفته الهادئة ذات الطابع الكلاسيكي حيث تسلل ضوء القمر الخفيف عبر ستائر رمادية ثقيلة. وقف آسر أمام المرآة يعدل ربطة عنقه بعناية لا تخلو من الضيق. كانت ملامحه متجهمة ونظراته زائغة لا تستقر على صورته المنعكسة أمامه. بدا وكأن المرآة تعكس أكثر من هيئته فقد كانت تعكس صراعه الداخلي وضيقه وأفكاره المتشابكة. كان يرتدي بدلة رسمية أنيقة بلون كحلي قاتم تتناسق مع قميص أبيض ناصع وربطة عنق كحلي بنقوش داكنة لكن رغم أناقة مظهره كان الضيق يتسلل من بين تعابير وجهه الحادة. فلم يكن متحمسا للذهاب إلى حفل زفاف ابنة رجل الأعمال أحمد الكيلاني الذي دعي إليه لكنه لم يكن يملك رفاهية الاعتذار فالحفل بالنسبة له ليس مجرد مناسبة اجتماعية لكن ساحة عمل يتجمع فيها رجال الأعمال وتنسج فيها مصالح فيما بينهم. 
في تلك اللحظة فتح باب الغرفة بهدوء ودخلت والدته السيدة أمال بخطوات متزنة. كانت ترتدي عباءة منزلية بسيطة ويظهر على وجهها علامات القلق والاهتمام. 
نظرت إليه وهو منشغل بربط رابطة عنقه فابتسمت له ابتسامة هادئة تخفي خلفها ألف سؤال وقالت بصوت حنون 
أنت نازل تاني يا آسر
رد دون أن يلتفت بينما لا يزال يحكم ربطها 
أيوه يا ست الكل معزوم على فرح.
اقتربت منه ببطء ووضعت يدها على كتفه برفق تربت عليه كأنها تطمئن قلبه قبل أن تطمئن عقلها. نظرت في عينيه عبر المرآة وسألته بنبرة حانية 
طيب مالك. باين عليك مضايق ليه
زفر زفرة طويلة وقال وهو يشيح بوجهه عنها 
مفيش بس بفكر في الشغل.
شددت أمال من لمستها على كتفه وهمست وكأنها تذكره بنفسه 
يا حبيبي أنا عارفة أن الشغل مهم بس أنت شايل حمل فوق طاقتك ولازم تهدى شوية على نفسك وعلى صحتك كفاية كده. من يوم ما مروى الله يرحمها ماټت وأنت اتغيرت ډافن نفسك في الشغل وبقيت عصبي وبتضغط على نفسك بزيادة أوي.
ما إن نطقت باسم مروى حتى تغيرت ملامحه فجأة وكأن چرحا قديما انفتح من جديد. الټفت نحوها بسرعة وصاح بانفعال 
يا ماما بالله عليك بلاش تجيبي سيرتها قولتلك قبل كده. أنا مش ناقص. أنت مش فاهمة أن ده بيوجع قلبي.
صمتت أمال للحظة ثم قالت بهدوء وقلب مكسور 
أنا مش بجيب سيرتها علشان أفكرك بيها وأوجعك دي كانت مراتك وأنا أمك وبخاف عليك وصعبان عليا حالك.
تبدلت ملامح آسر شيئا ف شيئا وبدأت نبرة الڠضب تخفت داخله. نظر إلى أمه للحظة بتأنيب ضمير ثم تنهد بعمق واقترب منها واحتضنها بعطف نادم على حدته معها وقال بصوت أكثر هدوءا 
أنا آسف يا ماما مكنش قصدي أزعلك. أنت طول عمرك دايما شايله همي. ربنا يخليك ليا.
ابتسمت أمال في حنان وهي تمسح على ظهره بيدها كما اعتادت أن تفعل منذ أن كان صغيرا. رفع رأسه يسأل 
أخبار خالد ونادين إيه أنا مقصر معاهم أوي عن الأول.
ردت وهي تتوجه نحو الباب 
خالد عنده رحلة وسافر من بدري ونادين بتذاكر في أوضتها.
أومأ برأسه في صمت وعاد ينظر إلى المرآة لكن هذه المرة كان انعكاسه أكثر هدوءا. ربما أقل ضيقا بعد أن احتضن دفء أمه وحنانها. ظل آسر واقفا أمام المرآه للحظات. عيناه تائهتان في انعكاس ملامحه لكن ذهنه لم يكن هنا. لقد أيقظ حديث والدته شعورا دفينا كان يحاول دفنه تحت ضغوط العمل وثرثرة الاجتماعات وتفاصيل الصفقات المعقدة. تحسس طرف ربطة عنقه وكأنها ټخنقه ثم فكها قليلا وتنهد ينظر إلى الباب حيث خرجت والدته وكأن حضنها أعاد له بعضا من اتزانه
القديم. خطا نحو الكومود المجاور والتقط زجاجة عطره ورش قليلا على عنقه ومعصميه ثم الټفت نحو معطفه المعلق على المشجب وحمله ببطء. بينما كان يستعد للخروج سمع صوت خطوات والدته تعود فالټفت نحو الباب ليراها تحمل بين يديها منديلا أبيض مطرزا بحروف أسمه وناولته أياه بإبتسامة صغيرة وقالت 
خده معاك يا آسر يمكن تحتاجه وعلشان تبقى فاكرني وأنت برا أنا طرزته بنفسي ليك.
أخذ المنديل منها وأدرك حينها كم هي بسيطة لكنها ثمينة تلك اللفتات الصغيرة منها والتي تربت بيها على وجعه دون أن تتكلم. رد بابتسامة باهتة وهو يقبل يدها 
هخليه في جيبي متقلقيش يا حبيبتي.
ثم نظر إليها مطولا وقال بصوت منخفض فيه رجاء 
ادعيلي يا ماما أنا مش مرتاح.
اقتربت منه وضمت يداه بين كفيها وقالت بصدق يملأ قلبها 
ربنا يفتحلك أبواب الخير ويهدي قلبك ويريح بالك يا ابني. وافتكر دايما أن كل حاجة بتعدي حتى الحزن والۏجع.
أومأ آسر برأسه شاكرا لها ثم قبل جبينها برقة وبعد لحظة صمت ابتسم وقال مازحا 
خلي بالك من نادين متخليهاش تذاكر كتير وتنسى تاكل.
ضحكت أمال بخفة وقالت 
أهي طلعت شبهك في التركيز والنسيان بس أنا وراها متقلقش.
خرج آسر من الغرفة يخطو إلى ليل لا يدري ما الذي ينتظره فيه لكنه كان على يقين أن في قلب
منزله دفء