رحيل بقلم منار الشريف


لا يعوض ويدا دافئة تربت على وحدته كلما ضاقت به الدنيا وحتى وأن غاب عن المنزل لكن عطر وكلمات والدته ظلوا حاضرين معه كأنها تهمس له أن الحياة رغم قسۏتها لا تزال تحتفظ بفتات حنان يكفي لتسكين الآلام قلبه.
هبط آسر درجات السلم في هدوء. خطواته ثابتة لكن قلبه مثقل. كان يحمل مفاتيحه وهاتفه لكن عبء الأيام التي مرت وۏجع الذكرى الذي نبشته أمه دون قصد كان يملأه أكثر مما يحمل. خرج إلى فناء المنزل حيث كانت سيارة فخمة سوداء تنتظره أمام البوابة الحديدية المزخرفة. فتح السائق الباب الخلفي بإحترام وانحنى قليلا وهو يقول 
جاهز يا باشا
رد آسر بصوت منخفض دون أن ينظر إليه 
يلا بينا يا صلاح.
جلس داخل السيارة وأخرج المنديل من جيبه ونظر إليه للحظة كان يحمل رائحة أمه ورائحة البيت ورائحة الأمان الذي فقده منذ سنوات عندما فقد قلبه وفقد معه زوجته الحبيبة وطفله الوليد. طواه برفق وأعاده إلى جيبه ثم أدار وجهه نحو النافذة ينظر إلى الشارع الصامت كأن كل شيء خارجه يسير بلا صوت بلا حماسة. لم يكن ذهنه مشغولا بالحفل ولا بالبدلة التي تقيده ولا برجل الأعمال الذي ينتظره بإبتسامة مجاملة واتفاقات شراكة. كان هناك شيء أعمق شيء في داخله ېنزف دون أن يظهر على ملامحه. تذكر مروه 
تلك الذكرى التي حاول الهرب منها ألف مرة لكنها كانت تتربص به خلف كل ذكرى كل شارع كل رائحة وكل لمسة حنان تأتي من أمه اشقائه أصدقائه وعائلتها. 
أغمض عينيه للحظات يتسلل صوتها إلى أعماقه ضحكتها طريقتها في مناداته حتى نظرتها الأخيرة قبل أن ترحل. 
ضغط آسر على قبضة يده دون وعي وكأن الألم قد وصل لذروته ثم همس لنفسه 
كفاية كده خليك ذكرى جوه في قلبي متطلعيش منه.
فتح عينيه فجأة ثم ضغط على زر النافذة فهبت نسمة هواء باردة على وجهه كأنها تذكره بأن الحياة لا تزال تمضي وأن عليه أن يكون حاضرا يقظا ولو حتى في قلب حفل لا يريد حضوره.
تلفت للأمام عندما سأل السائق بإحترام 
حضرتك إحنا اتحركنا ومعرفتش طريقنا فين بالظبط يا باشا
رد آسر باقتضاب 
أطلع على فندق الفورسيزون يا صلاح.
مال برأسه
للخلف وأسندها إلى المقعد الجلدي الناعم وهمس لنفسه 
مصلحة شغل يا آسر تخلص وترجع. كأننا بنعدي في مشوار سريع مش بتاعنا.
وغاص في صمت عميق لا يسمع فيه إلا صوت قلبه وذكرى وجه رحل لكن لم يغادره أبدا.
____
حينما تركت رحيل عابد وغادرت حيث اتجهت صوب والدها ووقفت إلى جواره برهة تتعرف على من حولهم وتسلم عليهم بأدب جم بعدما أشار إليها وناداها بصوته الأبوي الدافئ. لم يكن عابد قد صرف نظره عنها إنما ظل يرمقها من بعيد ويغمز لها بخفة بينما الغموض يملأ عينيه وكأنه يعيد ترتيب أفكاره أو يخطط لما هو قادم. غير أن هذا اللقاء العابر لم يكن ليمر دون أن تراقبهم عيون صارمة تختبئ خلف هالة من الوقار والسلطة. كانت تلك العيون تعود إلى السيدة كاميليا. المرأة ذات الهيبة والمهابة التي ما أن رأت حفيدتها تقف مع عابد حتى تغيرت ملامحها وتصلبت قسمات وجهها وكأنما رأت في هذا المشهد خرقا لنظامها الصارم وبإشارة خفية من طرف أصبعها استدعت حياء وقالت لها بصوت خاڤت لكنه نافذ كالسهم يخترق السكون حياء نادي أختك وقوليلها كلمي نناه حالا.
كان صوتها يحمل نبرة أرستقراطية حادة تفرض نفسها دون صخب تخيف دون أن تعلو. فارتعشت حياء من نبرة جدتها وهي التي تعرف جيدا أنها لا تتغاضى عما لا يرضيها ولا تمحو من ذاكرتها ما يخالف قوانينها المعلنة. 
أجابت بخضوع 
حاضر يا نناه.
ثم انصرفت على عجل تقطع المسافة بين والدها وأختها تخفي في خطواتها قلقا لا تخطئه عين حتى وصلت إلى رحيل فاستأذنت أبيها بأدب ثم جذبت أختها إلى جانب بعيد قليلا وهمست لها 
نناه تقريبا كده شافتك وأنت واقفة مع عابد الوكيل وشكلها مش هتعدي إللي حصل وعايزاك تكلميها حالا.
قطبت رحيل جبينها ونظرت إلى أختها بامتعاض وقد اعترى صوتها شيء من الضيق 
هي بتعمل معانا كده ليه نفسي أفهم ليه بتحاول تسيطر علينا وعلى كل تصرفاتنا بابي ومامي سايبنا على راحتنا علشان واثقين فينا لكن هي ردار متحرك لكل تصرف بنعمله.
كانت حياء ترتجف من الداخل وهمست لها بلهجة جادة وقد ازدادت نبرتها توترا 
متنسيش إللي حصل لعمتو نيرة زمان هي مش عايزاه يتكرر معانا. ويلا بقى مش وقت كلام دي بتبصلنا بشړ. يا مامي أنا خۏفت يا رحيل بجد.
ضحكت رحيل بخفة ممزوجة بالخۏف كأنها تحاول أن تزيل عن نفسها ثقل ما هو آت ثم انطلقتا معا نحو السيدة كاميليا. وما إن وقفت رحيل أمامها حتى قالت بأدب وصوت خاڤت يليق بمقامها 
أفندم يا نناه تحت أمر حضرتك
في أعماقها كانت تختنق من ضيق السيطرة وتضج بالرفض الخفي لكل هذا التحكم الذي يطوق حريتها ويقتحم عالمها الخاص دون استئذان فجدتها في أوقات كثيره تفرض رأيها حتى على قرارات والدهم في أي أمر يخصهم وتجبرهم عليه. 
والآن وقد جاء دور السيدة كاميليا ذات الكلمة التي لا ترد لتبدي امتعاضها بطريقتها الراقية فتؤدب حفيدتها وتوبخها بأسلوب أرستقراطي فيه من التلميحات ما يوجع ومن الرقي ما يخجل دون أن ترفع صوتها أو تفرط في كلماتها. رفعت السيدة كاميليا عينيها ببطء وقد انعكست فيهما صرامة ووقار جاف يخلو من أي لين كأن الصرامة طبعها لا اختيارها وبالأخص في ذلك الزمن الذي لا يسامح فيه على الخطأ ولا يغتفر فيه التهاون كما تقول لهم دائما. قالت بصوت منخفض لكن واضح متزن لا تعلو نبرته ولا تهتز كلماته 
مين الشاب إللي كنت واقفة معاه ده يا رحيل وواقفة معاه ليه
أجابت رحيل وهي
تحاول أن تحفظ توازنها وحرصها على عدم اظهار ڠضبها الداخلي في نبرة صوتها 
ده الرائد عابد الوكيل هو جه يسلم عليا لإنه قالي أن باباه يعرف بابي وكنت بسلم عليه من باب الذوق. يعني مفيش حاجة غلط يا نناه.
رفعت كاميليا حاجبيها قليلا وقد غيرت جلستها إلى وضع أكثر رسمية وكأنها تعيد ترتيب العالم من حولها ثم قالت ببطء 
الذوق الذوق يا رحيل له وقت وله ناسه وله مقام وأنت حفيدة رستم باشا الألفي وكاميليا هانم هدايت. مش أي حد يكلمك ولا تقفي معاه بالشكل ده قدام الناس.
همت رحيل بالرد لكنها تمالكت نفسها واكتفت بأن تتنفس ببطء تهدئ نفسها ثم قالت برقة 
أنا آسفة لو حضرتك زعلتي مني مكنش قصدي أكسر قوانين العيلة ولا أعمل حاجة تضايق حضرتك.
تابعت كاميليا بلهجة ممزوجة بالحزم 
أنا مش بضايق بس أنا بربي ودي مش أول مرة تحصل وتفتكري أن الحرية معناها أنك تعملي إللي أنت عايزاه. الحرية مش كده يا حياة. الحرية مسئولية وكل خطوة منك محسوبة وكل نظرة بتتفسر عند الناس غلط وكل كلمة بيتفهم منها حاجة تانية.
أطرقت رحيل برأسها ثم رفعت عينيها نحو جدتها في إحترام وقالت بصوت خاڤت 
حضرتك عندك حق. أنا مقدرة كل كلمة قلتيها وهفكر فيها كويس. بس صدقيني أنا كنت بتعامل بذوق وبس لا أكتر ولا أقل.
حدقت فيها كاميليا للحظات وقالت بنبرة أخف قليلا وكأن حدتها بدأت تخف 
أنا عارفة أنك بنت ناس ومتربية بس لازم تبقي دايما قد المسؤولية إللي اسم عيلتنا وضعها على كتافك. كل بنت في العيلة دي بتتوزن بالدهب وأنت مش أقل منهم.
أومأت رحيل برأسها وقالت بهدوء 
حاضر يا نناه كلامك غالي عليا وهخليه دايما في بالي.
أومأت كاميليا بدورها دون أن تبتسم لكن نظرة عينيها كانت كفيلة بتوصيل الرسالة النهائية لحفيدتها وكأنها رضيت عن هذا القدر من التوضيح فلوحت بيدها الصغيرة في إشارة انتهاء الحديث قائلة 
روحي دلوقتي وفكري في إللي اتقال.
انسحبت رحيل بخطى هادئة تحاول أن تخفي التوتر خلف ملامح رزينة لكن في قلبها كان الموج يعصف بين حبها لجدتها ورفضها لهذا القيد الذي يطوق قلبها وروحها كلما حاولت أن تخطو خارج ما رسمه الآخرون لها.
____
على الجهة الآخرى في بهو القاعة الفسيح كانت حياء تجوب المكان كالفراشة لا تستقر في ركن إلا لتنتقل إلى آخر. تضحك هنا وتسلم هناك وتتمايل بخفة كأنها نسمة ربيعية تأبى السكون. وجهها مشرق كضوء الفجر وعيناها تبرقان بشقاوة لا تخلو من براءة. فقد تمردت حياء على القواعد الصارمة التي رسمتها جدتها في صمت تلقي التحيا بأسلوبها العفوي وأن وقعت نظرات الجدة عليها أدارت وجهها سريعا متظاهرة بالانشغال أو الحديث مع أحدهم كأنها لم ترى شيئا. 
كانت تلك المراهقة تحترف المراوغة بلطف. تفعل ما يحلو لها ولكن دون أن تمسك عليها الجدة هفوة واحدة. لا تتجاوز الحدود ولكنها تقف عند أطرافها برشاقة طفولية محببة. 
بعد قليل دخل آسر بخطوات واثقة تعكس كبرياءه وصمته المعتق بالهيبة والقوة. بجانبه مديرة مكتبه علياء التي كانت تنتظره خارج القاعة والتي تنسج خلفه خيوط الانضباط والترتيب. وقف آسر كأنما الزمن قد توقف للحظة يطالع الحضور بنظره لا تخلو من تفحص وقد ارتسم الوقار على ملامحه الصارمة. 
بينما كانت حياء لا تزال تدور بخفة وسرعة فغافلها القدر ودفع بها دون قصد لتصطدم به مباشرة. كادت تقع لولا ذراعاه القوية التي امتدت بحركة سريعة فأمسكها بثبات مانعا سقوطها. كانت في لحظة أقرب إليه من أي مسافة لائقة فيما عيناه الثابتتان تنظران إليها بنفور خفيف ونبرته خرجت صارمة ومنخفضه لكنها واضحة كالسيف 
مش تخدي بالك! ماشية زي العامية تخبطي في أي حد.
لم تسمع حياء كل كلماته فقد كانت عيناها قد وقعتا أسيرتين لعينيه العسليتين اللتين لمع فيهما الڠضب والنفور لكنها لم ترى فيهما سوى جمال أخاذ. ابتسمت تلقائيا وقد نسيت الموقف برمته وقالت بعفوية حالمة 
يا خرابييي على جمال عيونك العسلية. دي حقيقة ولا لانسيز يا اسمك إيه!
ظل آسر الذي لم يكن يتوقع هذا الرد منها يحدق فيها مدهوشا عاجزا عن الرد بينما وضعت علياء يدها على فمها تكتم ضحكتها تحاول أن تبدو متماسكة لكن فشلها كان واضحا. 
أما حياء فكانت لا تزال شبه ملتصقة به وكأنها في حضنه دون قصد. وما زاد الطين بله أنها كانت ما تزال تحدق فيه كأنها ترى ملاكا هبط من السماء. أبعدها آسر عنه برفق لكن الحزم في صوته لم يكن خافيا عنها وقال بنبرة غاضبة خفيفة 
إيه يا آنسة في إيه ما تتعدلي كده!
تنحنحت حياء بخفة محاولة استيعاب ما حدث ثم اعتدلت في وقفتها وأمسكت بطرف فستانها لتعيد ترتيبه كأنما تعيد ترتيب نفسها ثم قالت بصوت فيه بحة رقيقة ولطافة تنم عن دلال خفيف 
في إيه يا فندم! أكيد مكنش قصدي يعني ولا علشان حضرتك حلو
شويتين تعمل في