رحيل بقلم منار الشريف


كويس.
حاولت حياء أن تهرب من عيني أختها بنظرة جانبية وقالت بنبرة مترددة
مفيش حاجة يا رحيل. أنا بس كنت بفكر في رواية جديدة كنت بقرأها.
ضحكت رحيل بسخرية رقيقة وقالت
آآآآه قولتيلي رواية وطبعا اسم البطل فيها آسر رضوان صح بلاش تمثيل يا حياء يا حبيبتي. أنا عارفة إنك من ساعة ما شفتيه في فرح ريم وأنت مش على بعضك.
رمقتها حياء بنظرة تجمع بين الخجل والعناد ثم همست بصوت خفيض أقرب للرجاء
رحيل أنا ما عملتش حاجة غلط. أنا بس قلبي حس بمشاعر جميلة ناحيته. وعمري ما اتأثرت بحد كده حتى لما بقرأ روايات أو بتفرج على مسلسلات واعجب بالأبطال كنت دايما بحس إن الشخصيات دي خيالية ومش موجودة في حياتنا.
بس لما شفته حسيت إنه لأ ده مش زيهم ده حقيقي.
وسيم جدا وشيك وتقيل وهادي بس عينه فيها حاجة غريبة كأن فيها ۏجع حزن ووحدة.
سكتت للحظة كأنها تخشى أن تفضح الكلمات شغف قلبها المتيم به ثم أضافت
هو مش زي الرجالة إللي بنسمع عنهم أو بنشوفهم لأ آسر
فيه هيبة وقوة كده بتشدني ليه ڠصب عني.
رفعت رحيل حاجبيها بدهشة يكسوها القلق ووضعت كوب الشوكولاتة على المنضدة ونظرت في عيني شقيقتها بثبات وقالت
حياء يا حبيبتي أنت بتتكلمي عن راجل عنده سبعة وتلاتين سنة. أرمل ولسه بيفكر مراته إللي ماټت وهي بتولد. الراجل ده حزين وقلبه مكسور وحياته مش سهلة. وفرق السن بينكم كبير ده حوالي 16 ولا 17 سنة. وأنت لسه عشرين سنة صغيرة أوي عنه. أنا أختك الكبيرة وقلبي عليك أكتر من أي حد وخاېفة تتعلقي بحاجة وهم وبعلاقة ملهاش أي مستقبل ده غير لو بابي أو نناه عرفوا هتبقى کاړثة.
أجابت حياء بعينين دامعتين وصوت مكسور 
بس إيه الغلط إني أحبه حتى لو هو مش هيحبني مش من حقي أحلم يمكن أكون مختلفة يمكن أقدر أرجع له الأمان والحب إللي فقدهم. أنا مش بلعب ولا بتسلى يا رحيل
أنا حاسة بحاجة جوايا بتشدني ليه وبتوجع قلبي في نفس الوقت.
أمسكت رحيل يدها برفق وقالت بصوت هدأ قليلا
أنا مش ضد الحب ولا ضد إنك تحبي وتعيشي حلمك بس بلاش تعيشي فيه
لوحدك خدي بالك يا حياء أوقات الحلم لو جه في وقت غلط أو مع شخص غلط بيقلب كابوس وخصوصا لو كان القلب إللي بتحبيه قلب موجوع ومقفول عليه بمية قفل.
ساد الصمت لوهلة ثم رفعت حياء عينيها بعناد طفولي تكسوه البراءة وقالت
طيب يعني أعمل إيه أنسى وأبعد أنا مش عايزة أستنى الحب يجيني. أنا عايزة أروح له واختاره بنفسي حتى لو هيتعبني.
ابتسمت رحيل ابتسامة حانية وهي تمسح دموع شقيقتها وقالت
حاولي تكوني نفسك مش بطلة في رواية عايزة تعيشي حياتها. ولو آسر شافك بجد وشاف إللي جواك من غير ما تجري وراه يمكن وقتها يحبك لكن لو شافك بتجري وراه أو بتحاولي تجذبيه بأي طريقة هيقلق منك ويبعد أكتر.
ضحكت حياء بخفة وقالت
يعني بلاش أوقع الموبايل تاني قدامه وأعمل نفسي بجيبه فخبط فيه بالغلط وإحنا في النادي
ضحكت رحيل هذه المرة من قلبها وقالت 
بلاش ياختي ده ممكن يشوفك واحدة مريبة ويروح يبلغ عنك الأمن.
تعالت ضحكاتهما معا خفت بها وطأة القلب المثقل وانزاح بها بعض الحيرة التي مزقت حياء بين حلمها الطفولي وواقع رمادي لا يرحم لكن عينيها رغم كل شيء ظلتا معلقتين على صورته الموضوعة على هاتفها وقلبها هناك عند ذاك الرجل الذي سكن خيالها واستولى على نبضها دون أن يدري.
____
بعد مضي لحظات قليلة من خروج رحيل من الغرفة التقطت حياء بأنفها روائح شهية تسللت إلى أعماق حواسها فأيقظت جوعا خامدا في أحشائها حتى تقلصت معدتها رغبة في الطعام. سارت بخطى بطيئة تتبع الرائحة كما لو كانت خيطا حريريا يشدها بلطف حتى بلغت عتبة المطبخ فأطلت برأسها داخله وجالت بعينيها في الأرجاء. ارتسمت على شفتيها الصغيرتين ابتسامة عريضة وتقدمت بخفة على أطراف أصابعها تتنقل كفراشة بين الأطباق حتى وقفت أمام الوليمة المعدة وقالت بمرح وهي تنظر إلى كميات الطعام التي تولت الخادمة إعدادها بإشراف والدتها والتي كانت قد شارفت على الانتهاء منها
إيه الجمال ده كله هو في ضيوف جايين النهاردة وإحنا منعرفش
هزت فريدة رأسها موافقة وقالت بنبرة جادة
أيوه يا حبيبتي ده ضيف مهم جاي لباباك.
أمالت حياء رأسها وهي ترفع حاجبيها بمزاح طفولي ثم قالت
ممم. وعلى كده بقى الضيف ده وسيم وجذاب ولا راجل كبير وخنشور
أطلقت فريدة تنهيدة متعبة وهزت رأسها بيأس من جنان ابنتها واجابتها بجدية صارمة
بنت عيب الكلام إللي بتقوليه ده. لو بابي أو نناه سمعوك وأنت بتقولي كده يومك مش هيعدي.
فردت حياء پخوف مصطنع واضعة يديها على صدرها كأنها تتضرع
لأ وعلى إيه الطيب أحسن. أنا هسكت خالص.
ثم تابعت باهتمام وقد علت نبرتها بعض الجدية
بس برضو يا مامي مقلتيش إيه التجهيزات دي كلها من الصبح هو الضيف ده مهم أوي كده يعني
تركت فريدة قالب الكيك من يدها ومسحت يديها بمنديل ورقي وقالت ببساطة
أيوه ده المهندس آسر رضوان شريك عز في المشروع الجديد هو إللي هيتغدى معانا وبعدين هيتكلم هو وباباك شوية في الشغل.
ارتفع حاجبا حياء وقد تملكها الاستغراب ثم جذبها الإسم في طياته فانتفض قلبها بعشق مكبوت وحماس غامر سرى في وجدانها لكنها أبعدت الشعور عنها سريعا وقالت بمرح مصطنع وهي تداري ابتسامتها
طيب أنا هروح أوضتي بقى وأجهز عيب جدا نقابل ضيوفنا بالشكل ده.
أومأت لها والدتها برضا وقالت ضاحكة
أيوه يا حبيبتي كلامك صح. وعموما كل حاجة كده بقيت تمام. يلا روحي خدي شاور لحسن لو ظهرتي كده للضيف هيبقى شكلك وحش أوي.
رمقتها حياء بعدم فهم لبرهة ثم نظرت إلى المرآه الصغيرة الموضوعة على
رخامة المطبخ لتتأمل انعكاسها فاتسعت عيناها وفغرت فاها قليلا إذ بدا مظهرها كما لو كانت عائدة من معركة فضحكت بإحراج وقالت بمرح
معلش بقى يا مام ما حضرتك عارفة لما بكون بذاكر مش بنتبه لنفسي خالص.
ثم اقتربت من والدتها تقبل وجنتيها بشغف وتابعت قائلة
دقايق وأكون جاهزة
وغادرت المكان وهي تقفز كطفلة لا تزال تحمل روح البراءة بينما تابعتها فريدة بنظرة مختلطة من الحب والدهشة ثم تمتمت وهي ټضرب كفا بكف
أنا مش عارفة مين هيرضى ببناتي المجانين دول! بس يا ربي..
وفي غرفة نومها وقفت حياء أمام المرآه تتأمل ذاتها وتعلو على أطراف أصابعها كراقصة باليه صغيرة. تمتمت بصوت خاڤت وهي تنظر لنفسها بعين عاشقة
يا على جمالك وطعمتك يا يويو. أيوه هو ده الكلام.
ثم دارت حول نفسها لترى الفستان من كل الجهات. بملامحها الناعمة وجسدها الممتلئ بأنوثة هادئة وبشرتها الفاتحة النقية وعينيها الواسعتين المعبرتين وشفتيها الممتلئتين كأنما رسمتا بفرشاة فنان متقن. أما شعرها البني المموج فقد تركته ينسدل بأناقة فوق كتفيها مصففا بطريقة كلاسيكية تعزز من طلتها الراقية. ارتدت حياء فستانا أبيض أنيقا مكشوف الأكتاف تزينه تفاصيل لؤلؤية ناعمة على أطراف الأكمام فأضفى عليها لمسة من الرقي والفخامة. وكملت أناقتها بإكسسوارات بسيطة وراقية عبارة عن عقد رقيق وأقراط صغيرة جعلتها تبدو كأميرة من زمن كلاسيكي لا يبهت.
نظرت إلى نفسها نظرة أخيرة ثم طبعت قبلة طائرة على صورتها المنعكسة وقالت بسعادة لا تخلو من الغرور الأنثوي
والله قمر تاني هو في كده ده آسر هيتجنن لما يشوفني النهاردة.
وغادرت الغرفة مسرعة تعدو كمن يسابق نبضه استعدادا للقاء المرتقب لقاء الحبيب.
دوى صوت جرس الباب فتحركت حياء من مكانها مسرعة بشكل لا إرادي وقبل وصول الخادمة فقد كان قلبها يسبق خطواتها. فتحت الباب فوجدته واقفا بطوله وهيبته. مرتديا بدلة داكنة كعادته وعيناه تحملان برودة لا تعترف بحرارة العواطف التي تشعر هي بها. نظر إليها لثانية ثم قال بنبرة رتيبة
مساء الخير عندي معاد دلوقتي مع بشمهندس عز الدين.
بلعت حياء ريقها وابتسمت بخجل
أيوه اتفضل حضرتك هو في مكتبة وكان منتظرك.
دخل بخطاه الهادئة وتقدم نحو الصالون دون أن ينتظر دعوة. جلست حياء مقابلة واضعة كفيها في حجرها تحاول كتم خفقات قلبها وتبعد عينيها عن النظر إليه أكثر مما يجب لكنها فشلت. في تلك الأثناء ذهبت الخادمة مسرعة تخبر والدة حياء بقدوم الضيف. فظهرت فريدة من نهاية الممر أنيقة وقورة وابتسامة ترحيب على وجهها.
فريدة وهي تقترب منه
أهلا وسهلا بحضرتك يا بشمهندس نورتنا.
آسر بأدب رسمي
متشكر يا فندم.
التفتت فريدة إلى الخادمة قائلة
شوفي البشمهندس يحب يشرب إيه مديحة.
نظرت الخادمة إلى آسر وسألته بلطف
تحب حضرتك تشرب إيه
آسر دون تردد وبنبرة ثابتة
قهوة سادة لو سمحت.
أومأت الخادمة برأسها وغادرت ثم استأذنت فريدة بلطف حتى تعطي خبر لعز بوصول آسر وتركت المكان بينما توجه آسر بخطواته الهادئة نحو الصالون وجلس ينتظر عز الدين.
آسر وهو ينظر لها ببرود فقد لاحظ نظراتها له
عندك كام سنة
تفاجأت بالسؤال المباغت وحدقت فيه للحظة ثم أجابت بصوت خجول
عشرين.
أومأ برأسه ودون أن ينظر إليها وسألها مره آخرى
ولسه في الجامعة طبعا
حياء بسعادة لأهتمامه المفاجيء
أيوه آخر سنة في أدب إنجليزي.
سكت لحظة طويلة وقال بنبرة تحمل من اللا مبالاة أكثر مما تحتمل
البنات في سنك مش المفروض يقعدوا يتكلموا مع رجالة بالشكل ده وخصوصا لو أكبر منهم في السن بكتير ولا ده معداش عليك.
تجمدت ابتسامتها وانخفضت عينيها إلى الأرض پصدمة لكنها تماسكت وقالت بصوت خفيض
أنا معملتش حاجة غلط. حضرتك ضيف عندنا
و...... يعني كنت بس بحاول أكون لطيفة.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال وهو يخرج هاتفه
اللطافة ساعات بتتفسر غلط خصوصا لو من واحدة في سنك.
أحست بدمائها تتجمد فتلك الجملة لم تكن مجرد جملة عفوية منه بل مقصودة كطعڼة ملفحه بنية أيلامها. ردت حياء بصوت أقرب للهمس
حضرتك شايفني كده فعلا
رفع عينيه إليها أخيرا ولبث ينظر فيها طويلا قبل أن يقول
أنا مبشوفش. أنا بحكم على التصرف. ودي نصيحة خلي بالك من نفسك وبلاش تسرحي بخيالك كتير.
وقبل أن تجيب سمع صوت عز الدين يقترب يناديه وهو يخرج من مكتبة فنهض آسر وقال وهو يستقبله
بلغي مامتك إن القهوة كانت زايده سكر وأنا بشربها ساده.
ثم اختفى تاركا حياء في مكانها عيناها تلمعان بمزيج غريب من الآلم والخذلان.
جلست مكانها لدقائق تحاول أن تفهم هل ما قاله احتقار وتقليل منها أم خوف عليها بالفعل هل حقا يهتم أم أنه فقط لا يريد أن يأخذ عليه أي فعل خاطيء كانت كلماته قاسېة نعم لكن شيئا ما في نبرته في عينيه في حضوره الطاغي يجعلها تنجذب أكثر.
حياء وهي تهمس لنفسها وتغمض عينيها
هو بيصدني بس في حاجة في كلامه صحيحه بتخليني أعشقه أكتر.