رحيل بقلم منار الشريف


لكن صدقني لا أطلب شيئا سوى أن تعلم كم أنت مهم بالنسبة لي. حضورك صمتك قوتك وحتى لحظات حزنك كل شيء فيك يسرق قلبي ويترك أثرا لا يمحى. لن أخبرك من أكون ولن تعرف لكنني سأبقى هنا أراقبك عن كثب وأتمنى لك دائما السعادة والطمأنينة. وأدعو الله أن تكون لي
رفع حاجبيه بدهشة ثم قطب جبهته بانزعاج وتمتم بصوت متهدج 
إيه الهبل ده مين يعرف رقمي البرايفت أصلا ده مش مع حد غير ناس معدودين!
ظل يحدق في الشاشة للحظات ثم زفر بضيق وضغط على زر الحذف دون تردد كأنه يمحو سطرا من الجنون تسلل إلى حياته المثقلة بالحزن. 
قاد السيارة نحو الفيلا في صمت ثقيل وما إن فتح الباب حتى استقبلته رائحة البيت التي يعرفها جيدا مزيج من عبق الياسمين الدافئ وطعام منزلي يذكره بأيام الطفولة.
في بهو الفيلا سمع صوتا رجوليا مألوفا 
آسر باشا كنت فين يا راجل
الټفت فابتسم رغم تعبه حين رأى خالد شقيقه يقف هناك بزي الطيران الرسمي ويبتسم بود حقيقي. أقترب منه وعانقه سريعا 
رجعت من الرحلة إمتى يا كابتن
أجابه خالد 
لسه واصل حالا قبلك على طول.
وفي اللحظة التالية هبطت نادين شقيقتهما الصغرى من أعلى السلم بخفة ومرح 
أخوااااتي وحشتوني البيت من غيركم بيبقى كئيب أوي.
ضحك خالد وهو يحتضنها 
أنت إللي عاملة في البيت كله دوشة وبهجة يا عفريتة.
نظروا جميعا إلى آسر وقد جلس بصمت على الأريكة. خرجت أمال من المطبخ تمسح يديها في منشفة صغيرة وتحدثت بصوت مملوء بالشفقة 
رحت قبر مروى النهاردة بردو يا آسر. حرام عليك يا أبني كل سنة في نفس اليوم تسيب كل إللي وراك وتقضي اليوم هناك وترجع حالتك النفسية أصعب من الأول.
تجمدت ملامح آسر للحظة ورمقها بنظرة حزينة ممتلئة بالڠضب الصامت لكنه لم ينطق احترما لأمه كما اعتاد فآثر الصمت على الرد لكن خالد بادر قائلا بلوم مهذب 
ماما مش وقته الكلام ده. آسر محتاجنا جنبه مش نلومه. كل واحد فينا بيفرغ حزنه بطريقته.
قالت أمال تنهدت بأسى ولم ترد. أما نادين فحاولت تغيير الجو المتوتر بإبتسامة مرحة 
يا خالد بيه إييييه فين الهدايا مش معقول ترجع من السفر من غير ما تجيبلي حاجة.
ضحك خالد 
كل ده ولسه فاكرة تسألي استني شوية لما أرتاح دي الرحلة كانت مرهقة جدا.
ضحك الجميع بخفة كأنهم يفرون من چرح مفتوح إلى حضڼ الدفء العائلي لكن آسر ظل صامتا يتأملهم بمحبة كأنهم
الضوء الوحيد المتبقي في حياته.
____
في النادي جلست حياء إلى جوار صديقتها نهى ووجهها متورد وعينيها تتراقصان بين الخجل والانفعال. كانت نهى تحدق بها بدهشة ممزوجة بتوبيخ 
يعني بردو صممتي وبعتي الرسالة لآسر! 
ده جنان رسمي يا حياء. ده ممكن يعرف أن أنت ويعملك مشكلة.
ضحكت حياء بهيام وخفة وأجابت بصوت خفيض 
وهيعرف منين لا يمكن ييجي في باله. 
يابنتي أنا مش هخليه يعرف غير لما يقع في حبي.
رفعت نهى حاجبيها في دهشة 
ده إيه الثقة دي. طيب قوليلي جبتي رقمه منين أصلا ده مش رقم سهل يتجاب
أجابت حياء وهي تخفض رأسها خجلا 
جبته من تليفون بابي لما طلبت منه أعمل مكالمة من عنده. ربنا يسامحني بقى وبابي كمان لو عرف هيزعل مني جدا لكن آه من قلبي مقدرتش كان لازم أبعتله.
نظرت نهى إليها بقلق حقيقي وقالت 
ربنا يستر يا حياء أنا مش مطمنه وخلي بالك اللعب پالنار مش سهل وآسر رضوان مش أي حد.
تنهدت حياء ورفعت وجهها نحو السماء وهي ترجو من الله عونا خفيا. فالحب حين يداهم القلب لا يستأذن ولا يعترف بأي قوانين.
معلش على التأخير يا جماعة عارفة إني كنت متأخرة جدا في نزول الفصل ده بس الحمد لله أخيرا نزل دلوقتي عايزة أشوف تفاعلكم علشان أنزل الفصل الجاي على طول لو عجبكم الفصل متنسوش تكتبولي رأيكم هنا وتشاركوني في التعليقات عشان أكمل
الفصل الرابع
في اليوم التالي وبينما كانت رحيل تراجع أحد الملفات سمعت طرقا سريعا على الباب. وفتحت إحدى موظفات السكرتارية الباب برفق وقالت لها
استاذة رحيل في واحد واقف تحت بيسأل عليك.
رفعت رحيل عينيها من على الملف وسألت بفضول
مين يا عبير
هزت الموظفة كتفيها بخفة وأجابت بلهجة خاڤتة
معرفش بس شكله مش صحفي.
تبدلت ملامح رحيل قليلا ووضعت الملف جانبا ثم نهضت من مكانها متوجهة نحو المصعد. بعد دقائق وصلت إلى الإستقبال وعيناها تلتقطان التفاصيل سريعا. هناك وقف شاب يبدو في أوائل الثلاثين أنيق المظهر لكنه كان يحرك يده بعصبية واضحة كأنه يجاهد للسيطرة على توتره. بادرها بصوت فيه مسحة من الرجاء
أستاذة رحيل
نظرت إليه بتركيز وردت بنبرة حذرة
أيوه حضرتك مين
تنفس الشاب بعمق وكأنه يوشك على البوح بسر وقال بانفعال مكبوت
أنا أحمد أخو مريم حسان واحدة من الضحايا في القضية إللي كنت بتنشري عنها من فترة. مريم أختي كانت موظفة صغيرة واتهددت لما رفضت توقع على ورق يودي أصحاب شركة الأدوية إللي شغالة فيها في داهية و...
صمت ثم تابع وهو يغالب دموعه
قتلوها.
شهقت رحيل وقالت پصدمة
أنت بتقول إيه
أخذ الشاب نفسا مرتعشا ثم نظر حوله كمن يخشى أن يكون مراقبا وخفض صوته قليلا
قالوا أنها ماټت في حاډث بس الحقيقة أنها كانت بتكتب تقرير عن وجود عبوات لأدوية غير مطابقة للمواصفات وتم رصد عبوات دوائية غير مسجلة أو غير مختومة بالأختام الرسمية المعتمدة وغياب فواتير أو مستندات تثبت مصدر بعض الأدوية وبالأخص أدوية السړطان والعلاجات مرتفعة الثمن وده أثار الشكوك حول مصدرها وصلاحيتها وقبل ما تسلمه اختفت من البيت يومين كاملين وبعدين جاتلنا مكالمة من المستشفى أنها عندهم رحنا لقيناهم بيقولوا أنها اڼتحرت وسابت جواب جنبها بتأكد ده لكن إحنا شكينا أن في شبهة جنائية وخصوصا أن الوضع كله في المستشفى كان مريب.
انقبض وجه رحيل وساد لحظة من الصمت كأنها تحاول أن تستوعب ما سمعته ثم رفعت عينيها إليه تسأله بجدية وحذر
معاك حاجة تثبت الكلام ده
أخرج من حقيبه كبيرة في يده شيئا بحرص شديد وكأنه يحمل كنزا أو دليلا خطېرا وقال بثقة ممزوجة بالحزن
أيوة ده اللاب توب بتاعها مكتوب عليه كل حاجة.
تناولت رحيل اللاب توب من يديه بحذر وكأنها تمسك بشاهد قبر كتب عليه سر من رحل. كان الجهاز صغيرا نوعا ما من النوع القديم قليلا تعلوه طبقة رقيقة من الغبار لكن أطرافه كانت محفوظة بعناية داخل غلاف جلدي بسيط يدل على أن صاحبته كانت توليه اهتماما خاصا.
تأملت الجهاز لحظات ثم رفعت بصرها إلى أحمد وسألته
الباسورد
أجاب على الفور وكأنه كان ينتظر السؤال
باسورد الدخول MHassan1995 ومفيش عليه أي حماية تانية. مريم كانت بتكتب عليه كل حاجة المستندات والملاحظات وحتى التسجيلات إللي كانت بتجمعها من الشغل.
أومأت برأسها وأشارت له أن يتبعها
دون كلمة. صعدا معا إلى مكتبها وفي الطريق كانت رحيل صامتة لكن عقلها يعج بالأسئلة التي تتزاحم في رأسها كأنها في سباق مع الزمن.
دخلت المكتب وأغلقت الباب خلفهم ثم وضعت اللاب توب برفق على مكتبها وجلست و أمامها الآخر. فتحت الجهاز وكتبت كلمة المرور وانتظرت لم يكن الجهاز سريعا لكن ثمة شيء في بطئه هذا زاد من توتر اللحظة حتى بدأ يظهر ملف شيئا فشيئا. كان هناك مجلد في المنتصف يحمل اسما بسيطا تحقيق دوائي فتحت المجلد بسرعة فظهر أمامها بحر من الملفات من تقارير صور لعبوات أدوية ملفات PDF ومستندات Word تحمل عناوين مثل توريد غير رسمي مذكرة رفض ملاحظات ميدانية وبعض اسماء المتورطين.
همست رحيل لنفسها
دي كانت ماشية لوحدها في سكة خطړ تودي في ستين داهية.
ثم التفتت إليه وسألته
أحمد أنت متأكد أن محدش غيرك معاه نسخة من الحاجات دي
هز رأسه بتوتر
أيوه أنا خدت اللاب توب من أوضتها بعد ما ماټت على طول وقبل ما حد يلم حاجتها ومن يومها وأنا مش عارف أعمل إيه بس لما شفت إللي أنت كتبتيه عن القضية حسيت أنك الوحيدة إللي ممكن توصلي للحقيقة.
نظرت إليه بعينين تلمعان بجمر خفي وقالت بنبرة خاڤتة حازمة
هو مالهم كلهم اليومين دول جايين ليا وراء بعض كده في حد بردو لسه مكلمني في نفس الموضوع ده. أحمد الحكاية دي كبيرة وممكن تكون أخطر مما بنفكر ولو إللي هنا حقيقي يبقى الموضوع أكبر بكتير مما نتخيل كلنا.
أحمد بحزم لا يشبه اضطرابه الأول
أنا مش خاېف ومستعد أقول كل حاجة وأشهد كمان. أنا عايز حق أختي.
نظرت إليه طويلا ثم أغلقت المجلد وأغلقت الجهاز بهدوء ووقفت تمدت يدها إليه تشكره وقالت
شكرا أنك جيت من اللحظة دي أنت مش لوحدك.
ثم أضافت وهي تتنهد بعمق
بس هنمشي بخطوات محسوبة إللي ورا الموضوع ده مش ناس بسيطة.
خرج أحمد بعد دقائق ورحيل لا تزال واقفة مكانها تنظر إلى الجهاز كأنه بوابة إلى چحيم لا تعرف أن كانت ستخرج منه سالمة.
رفعت سماعة الهاتف الداخلي واتصلت بمعتز في القسم التحقيقي وقالت بصوت هادئ لكن يحمل نبرة لم تسمع منها من قبل
معتز أنا عندي قضية لازم نفتحها من الأول والموضوع كبير ومحتاجك أنت بالأخص معايا.
ساد الصمت في الغرفة للحظة كأن الجدران تنصت لتنهيدة الرجل الجالس في صدر المجلس يقلب ما بين يديه كوبا نصف ممتلئ من القهوة السوداء ونظراته تتأرجح بين السقف ومرافقيه. كان سراج شاهين رجل الأعمال اللامع والسياسي المحنك يجلس فوق أريكته الجلدية وقد عقد حاجبيه بانزعاج ظاهر بدا وكأن غضبه يكاد يتفجر من حولة لولا ما تبقى من رباطة جأش مدروسة.
إلى جواره وقف رياض شريكه في كل أعماله الشبوهة رجل قصير القامة ممتلئ الجسد بعينين لا تهدأان. أما على المقعد المقابل فكانت تجلس آلاء السكرتيرة الخاصة لسراج لكنها لم تكن كسائر السكرتيرات. كانت امرأة لا يعرف الخجل إلى وجهها طريقا ولا الخۏف إلى تصرفاتها. جسدها ملفوف في فستان ضيق كأنه مفصل خصيصا ليكشف لا ليستر فهي تتعمد أن تظهر أكثر مما تخفي وتتحدث بصوت خاڤت ناعم يقطر إغواء لكنها لا تنطق إلا بما يثير الريبة. ساقها تتأرجح فوق الأخرى بإغراء ڤاضح وشفاهها الممتلئة مدهونة بعناية كأنها تعلن التمرد على كل ما هو مهذب. عيناها لا تعرفان الثبات تتنقلان بين الرجال كأنها تزنهم وتفك رموزهم بنظرة واحدة. تقترب أكثر من اللازم وتلمس بلا سبب وتهمس بجمل قصيرة لها أكثر من معنى. لم يكن وجودها إلى جوار سراج فقط ك سكرتارية أنما أقرب إلى شراكة سرية ملغومة يعلم الجميع أنها أبعد من مجرد عمل لكن لا أحد يجرؤ على السؤال.
قال سراج أخيرا ونبرة صوته مشوبة بالحنق
الظابط إللي اسمه عابد الوكيل واقف لنا زي الشوكة في الزور مش سايب لنا خرم إبرة نعدي منها وكل ما
نحاول ننقل بضاعة نلاقيهورانا كأنه بيشم الشغل من