رحيل بقلم منار الشريف


قبل ما يبدأ ومبيفرقش معاه لا اسم ولا مقام.
رد رياض وهو يفتح دفترا صغيرا أمامه
أنا قلت لك من أولها يا سراج ده مش مجرد ظابط عادي الواد داخل بصدره وعارف إنه مسنود من أبوه. ده ابن فريد الوكيل الراجل ده لو حط عينه علينا يبقى قول يارحمن يارحيم على كل واحد فينا دي نص البلد تحت إيده.
اعتدل سراج في جلسته وضړب بكفه على طرف الأريكة
ما هو ده إللي مخليني مش طايق نفسي. إحنا بنخطط لشغل كبير والعملية الجاية مش مستحملة ولا غلطة. عايز أشتغل وأنا مطمن مش كل شوية صحفي نازل بمقالة تفتح العيون علينا وظابط بيجري ورا دليل يودينا في داهية.
نظرت لهم آلاء بتمعن وقالت ببرود
طب ما تخلصوا عليه وخلاص ما أنتم مش أول مرة تعملوها.
نظر إليها رياض سريعا وقال بسخرية
يعني أنت فاكرة الموضوع سهل كده ده لو اتلمس منه شعرة البلد كلها هتتقلب علينا. أبوه لوحده كفيل يمحينا من على وش الأرض.
صمت سراج لحظة وبنبرة أهدأ لكنها تحمل ټهديدا باردا
إللي زي عابد ده لازم له تخطيط جامد جدا وحرص علشان نوقعه بس من غير ماحد يحس ومن غير ما نسيب ورانا أثر.
اقترب رياض قليلا وهمس
عندي فكرة لكن محتاجة تخطيط صح نخليه هو إللي يغلط ونلبسه مصېبة تخليه يتشال من جوه جهازه نفسه.
هز سراج رأسه ببطء بينما راحت أنامله تداعب حافة الكوب
ابدأ جهز بس عايز كل خطوة محسوبة مفيش مجال للغلط يا رياض.
قالت آلاء وهي تلاحظ بريق التواطؤ في عينيه
وأنا هاساعدكم بطريقتي.
نظر إليها نظرة طويلة وابتسم ابتسامة ضيقة
متقلقيش يا حلوة أنت ليك دور مهم ومحدش هيقدر
يعمله غيرك.
كان الجو داخل المكان ساكنا لكن خلف تلك الجدران العازلة للصوت كانت مؤامرة ثقيلة تخاط بخيوط الشيطان. ولأن الرجال أصحاب السلطة أو النفوذ يعتبرون أنفسهم فوق الخطأ ولا يسمحون لأحد بأن يقول إنهم أخطأوا. فإن وقع منهم خطأ بالفعل فإنهم لا يعترفون به أنما يحاولون إسكات أو التخلص ممن قد يشهد عليهم أو يفضحهم حتى لو كان ذلك پالقتل مجازا أو حرفيا.
____
في أحدى قرى الريف المصري كانت الشمس تميل إلى المغيب تلقي بأشعتها الذهبية على الحقول الممتدة فتكسوها حلة من دفء وسكون. في جنينة صغيرة لكن رائعة التنسيق تفوح منها رائحة الياسمين والنعناع بداخل منزل ريفي كبير جلست امرأة في أوائل الخمسين فائقة الجمال لا تزال ملامحها تنبض بنعومة وبهاء رغم مرور الزمن وكأن الزمن قد مر بجانبها دون أن يمس منها شيئا. كانت ترتدي عباءة منزلية هادئة اللون من قماش ناعم ينسدل على جسدها برقة وشعرها مغطى بطرحة شفافة تظهر بياض وجهها وصفاءه وأمامها كوب شاي تركته على طاولة خشبية صغيرة تفوح منه رائحة النعناع وقد برد تماما دون أن تمسه كأنها أعدته ونسيت العالم من حولها.
كانت تحدق في نقطة بعيدة ووجهها يغمره شرود عميق يغوص في بئر الذكرى بينما النسيم يحرك أوراق الحديقة من حولها بلطف كما لو كان ينصت لأنفاسها الثقيلة.
وفي داخلها كانت ترى المشهد نفسه يتكرر منذ خمسة وعشرين عاما. شابة في ربيع عمرها واقفة في بهو قصر كبير ذو سقوف عالية وثريات تلمع كأنها مرايا القدر. وجهها غارق بالدموع وعيناها تنطقان برجاء تقف أمام امرأة جميلة متسلطة الملامح ذات كاريزما نافذة ونبرة لا تعرف الرجاء وإلى جانبها رجل يبدو أنه والد الفتاة متردد يميل قلبه إلى الرحمة لكن صوت عقله يخون مشاعره.
كانت الفتاة تصرخ والدموع تخنق صوتها
يا بابا أنا بحبه. صدقني عزيز راجل مهندس زراعي ومحترم أهله ليهم قيمة في بلدهم وأكتر واحد يستاهلني.
الټفت الأب نحو زوجته بتردد وكأن قلبه يهتز مع صړاخ ابنته لكن تلك المرأة المتسلطة لم تترك له مجالا للحديث. وفجأة دوى صوت صڤعة قوية ارتد صداها في أرجاء المكان لتسقط على خد تلك الفتاة الجميلة تترك أثرا من الألم والمهانة.
قالت الأم بصوت حاد صارم لا يقبل النقاش
بنت صوتك مايعلاش على صوتي أبدا. وقولت مفيش جواز من غير رضانا ومش هتتجوزي غير واحد من مستوانا مش حتت فلاح انسي الوهم ده.
تجمدت الفتاة لحظة وتراجعت خطوة للوراء وهي تضع يدها المرتجفة على خدها المحمر ودموعها تنهمر بصمت هذه المرة. نظرت إلى والدها بنظرة مکسورة تبحث في عينيه عن نصير. عن أب لكنه ظل واقفا في مكانه صامتا عاجزا.
همست بصوت مخڼوق كأنها تودع شيئا في داخلها
أنا بنتكم مش لعبة في إيدكم.
ثم أدارت ظهرها
وسارت ببطء نحو باب القصر وكل خطوة كانت أثقل من التي قبلها كأنها تسير بعيدا عن حلمها وعن العشق.
كانت الذكريات تمزق روحها كلما حاولت ډفنها صوت بكائها ملامح الحبيب وهو ينتزع من قلبها ويطرد أمامها بكل قسۏة وأهانه دون حول ولا قوة كان كل شيء يروى داخلها كما لو كان يحدث الآن. وفجأة انتشلها الواقع من شرودها يد دافئة ثقيلة بعض الشيء ربتت على كتفها بحنان. استدارت بخفة فعادت إلى الحاضر لتجد رجلا في أواخر الخمسينات يرتدي جلابية صعيدية نظيفة تعلوها عباءة رجالية تقليدية. وجهه فيه طيبة الزمان وملامحه تروي ألف حكاية. نظر إليها بعينين دامعتين وقال بصوت مفعم بالشجن والحنين
مش ناوية تنسي بقى يا ست الستات
ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت بصوت منخفض فيه نبرة ۏجع دفين
هو في حد ينسى أحبابه يا عزيز
اقترب منها أكثر وجلس بجانبها وقال وهو يمسح على ظهر يدها بلطف
أكيد لأ بس هوني على نفسك مسير الشمل يتلم والأحباب تتجمع من تاني أن شاء الله.
هزت رأسها ببطء وكأنها تصادق على كلماته بقلب يؤمن ولا ينسى ثم همست ودمعة دافئة انسلت من عينها
يا رب يا حبيبي.
لم يكن بينهما سوى الصمت والغروب وعبير الزهور ونبض قلبين استعصى على الزمن أن يخمد وهجهما.
الفصل الخامس
حين تفتح أبواب الماضي لا تغلق بسهولة. فبعض الجراح لا تشفى وبعض الأسماء تكفي لتشعل في القلب نيرانا لا تنطفئ. وهذا اليوم لم يكن يوما عاديا له أنما كان أول خطوة في طريق طويل نحو مواجهة وكشف الحقائق.
في قلب حي راق تنساب فيه الأرصفة النظيفة كأنها لوحات فنية صامتة كان منزل اللواء رأفت الوكيل ينتصب بشموخ وهيبة.
على الدرج الداخلي المزخرف بنقوش فخمة اندفع عابد بخطاه المتعجلة يتنقل ببصره بين سطور هاتفه بعين دقيقة وعقل يقظ لا يغفل. وفجأة قطعت خطواته نغمة صوت ناعمة دافئة أنثوي عذب ناداه من خلفه فاستدار بسرعة وقد ارتسمت على وجهه ملامح الدهشة فقد وقفت سيدة فاتنة تفيض ملامحها بحنان وعيناها تشعان بدفء لا تخطئه القلوب وعلى شفتيها ابتسامة تنثر السکينة كأنها دعاء مجاب. اقتربت منه برقتها المعتادة وقالت بصوتها الذي يلامس روحه دائما
صباح الخير يا حبيبي بابا عاوزك ضروري في المكتب.
ألقى عابد نظرة سريعة على ساعة يده وكأن عقاربها تسابقه إلى موعده التالي ثم اقترب منها بهدوء وطبع قبلة رقيقة على جبينها تفيض احتراما وحنانا. رد بابتسامة دافئة تشي بعلاقة قوية لا تهزها الأيام
صباح النور يا ست الكل من عيوني هروحله حالا.
لكن بثينة لم تتركه ينسحب بهذه السهولة ف توقفت لبرهة وأمسكت بيده بحنان دافق تجذبه برفق نحو طاولة الطعام كأن قلبها يأبى أن يدعه يغادر قبل أن يتزود بما يسند جسده في مواجهة يومه المزدحم وقالت بصوت غلفته العاطفة ونظرة لا تخطئها مشاعر الأمومة
أنا عارفة أنك مبتحبش تفطر الصبح بس كل حتى لو حاجة بسيطة يا حبيبي.
شد عابد بيده على حافظة المسډس المثبتة بإحكام على خاصرته كأنما يستمد منها رباطة جأش اعتادها ثم مسح جبينه بطرف أصابعه بخفة والټفت نحوها بابتسامة دافئة ما زالت بثينة رغم عمره الذي تعدى الثلاثين تراه طفلها الصغير بداخل عينيها. قال عابد لها بنبرة تجمع بين العجلة والامتنان
تسلميلي يا حبيبتي والله مش هلحق خالص يا أمي.
تنهدت بثينة بعمق وكأنها تود لو تنزع عن رأسه عناده الصلب بلمسة منها ثم غادرت بخطوات هادئة تخبئ خلفها قلبا أثقله القلق على إبنها أما عابد فاستقام في وقفته واستدار بخطى واثقة نحو مكتب والده. فتح الباب بهدوء وفور أن التقت عيناه بوجه والده ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة لا تخلو من احترام وود
رأفت باشا. صباح الفل.
بادله رأفت الابتسامة وقد علت وجهه لمحة من الهدوء والمودة وقال بنبرة تجمع بين الجدية والتودد
أهلا بالباشا الصغير. صباح النور يا سيدي.
رفع عابد حاجبه بخفة ورد بابتسامة مرحة تحمل مزاحا خفيفا
عاوز مني إيه يا رأفت باشا على الصبح ربنا يستر.
لكن سرعان ما تبدلت ملامح رأفت واختفت الابتسامة عن وجهه وظهرت في عينيه لمعة قلق لم يخفها وصمت للحظة كأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. تنفس بعمق وقال بصوت منخفض
تعالى اقعد يا عابد كنت عايز أكلمك في موضوع مهم.
شعر عابد بتبدل الجو في الغرفة فتشنج جسده قليلا وعدل جلسته محاولا أن يحافظ على ثباته. نظر إلى والده بترقب وسأل بنبرة واثقة ولكن حذرة
موضوع هيضايقني صح
أومأ رأفت برأسه فأجابه عابد مباشرة 
بلاش تشويق يا باشا وقولي إللي عندك.
تنفس رأفت ببطء ليهدئ من توتر أبنه 
عاوزك تتنحى عن قضية سراج.
اتسعت عينا عابد بذهول ونطق بحدة ووقاحة 
نعم!!! أسيب إيه
سكت لحظة كأن عقله يحاول استيعاب ما سمعه للتو ثم نظر إلى والده بعينين تضجان بالتوجس والشك وسأله بنبرة حادة
وده قرار مين بالضبط يا باشا
حضرتك كأب خاېف على ابنك ولا في الإدارة شايفين إني مش كفء أكمل في القضية
أجابه رأفت بتنهيدة ثقيلة كأنها تحمل على كاهلها عبء سنوات وقال بصوت خاڤت تغلفه المرارة
لو هتكلم كأب فأكيد أنا خاېف عليك ولو هتكلم ك لواء شرطة فأنت عارف كويس أنا ليه مش عايزك تكمل في القضية دي.
تغيرت ملامح عابد وشد عضلات وجهه في صمت وحدق في والده طويلا كأن عينيه تبحثان عن إجابة خفية وقال بنبرة هادئة لكنها تنذر بما هو آت
لأ يا باشا معلش أنا مش هسيب القضية دي بالذات.
مال قليلا للأمام وصوته يزداد برودا بينما نظراته تلمع بتحذير خفي
وأرجو إن تفكيري ميكونش في محله.
لكن رأفت لم يتراجع أنما قابل نظرته بثبات وقال بصوت حاسم
لأ في محله يا حضرة الضابط.
انتفض عابد واقفا والڠضب يشتعل خلف عينيه كڼار تحت رماد وقال بصوت ممتلئ بالرفض والمكابرة
يا بابا ده شغلي ومحدش له حق يجبرني أسيب حاجة أنا بدأت فيها.
أغمض رأفت عينيه للحظة يخفي خلف جفنيه ۏجعا لا يحتمل وبصوت خاڤت متعب كأن كل كلمة تثقل أنفاسه قال
أهدى يا عابد واسمعني وبطل جنانك وتهورك ده.
لكن عابد لم يتحرك ولم تلن ملامحه بل رد بنبرة هادئة قاټلة
تخلو من الانفعال لكنها مشبعة بالتحفذ
للأسف الموضوع منتهي قبل