رحيل بقلم منار الشريف


من حاجة وأنت تشليها مكاني. أنا جاي علشان الحقيقة تطلع وتظهر للكل وكل واحد ياخد حقه في النهاية. الموضوع ده لازم يبقى رأي عام في ناس كبيرة وتقيلة متورطة فيه علشان كده قولتلك لو راح للجهات التانية كده خلاص هيغطوا عليه.
أخرج من حقيبة معه ظرفا بني اللون ووضعه على الطاولة 
دي البداية لو وافقتي على القضية هكمل معاك وهديك داتا كاملة فيها تسجيلات صوت صور إيميلات كل حاجة تثبت إن إللي فوق بيتستروا على بلاوي لكن لو خفت أو رجعتي عن قرارك هنتهي أنا وهتنتهي القصة معايا. إللي عندي مش مجرد ورق دي مستندات بتبين تحويلات مالية مكالمات مسجلة وشهادات ناس تانية خاېفة تتكلم بس صوتهم موجود. ولو طلع الكلام ده للنور البلد كلها هتتهز.
تبادل الاثنان نظرة مشحونة بالصمت والترقب وكأن كلا منهما يقيم الآخر. رحيل لم تكن خائڤة لكنها كانت تعرف جيدا خطۏرة اللعب في هذا الميدان. هي ليست مجرد صحفية عادية. هي باحثة عن الحقيقة وسط بحر من الأكاذيب.
قالت بنبرة حاسمة وعيناها لا تفارقان وجهه 
بس أنا مش بشتري معلومات وخلاص لكن لو فعلا عندك دليل زي ما ورتني فأنا مستعدة أخاطر لكن مش لوحدي هبلغ رئيس التحرير وهنتصرف بالشكل الصح.
رفع حاجبيه بتعجب 
هتبلغي رئيسك! مش شايفة إن كده ممكن يتسرب الموضوع بشكل أو بأخر ويعرضنا للخطړ
أجابته بهدوء يغلفه التصميم
أستاذ حلمي صديق ولدي المقرب ومن أكتر الناس إللي بتحافظ على سرية المصادر. ولو هنعمل حاجة بالشكل ده لازم تكون قانونية وصحيحة بنسبة مية في المية مش تهريج. وصدقني لو أنت خاېف يبقى إحنا أولى بالحذر.
ظل يرمقها قليلا وقال وهو يشير إلى الطاولة
في الظرف ده مجرد مقدمة. لو اقتنعت كلمي الرقم إللي على الكارت إللي جواه وساعتها بس هتاخدي الباقي.
ثم نهض دون وداع وخرج كما دخل يذوب وسط زحام وسط البلد بينما بقيت رحيل تحدق في الظرف ونبض قلبها يدق كأنها أمام أول تحقيق حقيقي قد يغير وجه حياتها ومسيرتها إلى الأبد. عادت رحيل إلى الجريدة وقد تغيرت نظرتها إلى كل شيء. دخلت المكتب بخطوات مترددة وأمسكت بظرف المستندات كأنها تحمل قنبلة موقوتة. لم تكن تعرف من تثق فيه. فكرت في معتز صديقها الصدوق وزميلها لكنها استبعدته رغم ثقتها الكاملة فيه. فكرت في أستاذ حلمي لكنها خاڤت أن يرفض ويمنعها من التحقيق والنشر فقررت أن تبدأ وحدها.
أغلقت باب
مكتبها الصغير وبدأت تفرغ محتويات الظرف على المكتب 
سي دي لتسجيل صوتي بحديث بين رجل أعمال ومسؤول كبير يساومه على رشوة يبدوا أن تلك القضية لها صله بقضية الفساد الأخرى صور فوتوغرافية لوثائق رسمية عليها توقيعات وأختام مزورة إيصالات تحويل بنكي بمبالغ ضخمة لحسابات بالخارج. كانت الأدلة لا تقدر بثمن وكل دقيقة تمر تزيد من ثقل المسؤولية على كتفيها. جلست على كرسيها ووضعت يدها على جبينها تكابد ثقل ما رأت ثم التقطت دفتر ملاحظاتها بخط يد ثابت وكتبت 
طريق الخطړ بدأ والرجوع منه ممنوع
لم تكد تنهي الجملة حتى انقطع سكون المكتب بصوت طرقات خفيفة. رفعت رأسها بتوجس وتفاجأت حين انفتح الباب دون إذن ليطل منه هو بكل قوته وهيبته وبملامح وجهة الصارمة ونظرته النافذة. تجمدت لوهلة وقد تسمرت عيناها عليه بدهشة وشابها شيء خفي من الإعجاب لم تدركه هي نفسها لكنه التقطه بخبرة من يعرف كيف يقرأ العيون. بدا حضوره مفاجئا ومربكا لكنها تماسكت قدر استطاعتها. أبتسم لها بهدوء وقال بصوت رخيم يكسوه الغموض 
ممكن أدخل ولا باين إنك مشغولة
تلعثمت قليلا ثم قالت وهي تنهض 
أنت. أنت جيت ليه قصدي دخلت إزاي يوووه قصدي .... آسفة طبعا اتفضل.
وأشارت بيدها المرتبكة إلى الكرسي المقابل لمكتبها. 
جلس عابد بثقة بالغة. ظهره مستقيم وذقنه مرفوع قليلا وعيناه تتفحصان المكان بسرعة خفية. أما هي فكانت تحاول السيطرة على ارتباكها بينما تسأله بنبرة ودودة 
تحب تشرب إيه
قال بثقة 
قهوة مظبوط لو سمحتي.
أمسكت هاتف المكتب بسرعة وضغطت على زر البوفية الداخلي 
لو سمحتوا ابعتولي اتنين قهوة مظبوط على مكتبي.
ثم أعادت الهاتف إلى مكانه وهي تسرق النظرات إليه في محاولات فاشلة لإخفاء التوتر الذي سيطر على نبرتها. لم يعلق عابد فقط راقبها بهدوء ثم قال مبتسما 
هعطلك عن شغلك شوية معلش.
ردت سريعا محاولة إظهار الثبات 
لأ ولا يهمك. أنا مستغربة عرفت مكان شغلي فين إزاي وجيت ليه يعني مش قصدي متجيش لكن الزيارة غريبة.
أمال رأسه قليلا للوراء ونظر إليها نظرة محملة بالذكاء والصرامة 
نسيتي إني ظابط شرطة ولا إيه وأي حاجة أقدر أعرفها عن أي حد مهما كان هو مين.
صمت قليلا ثم أردف بصوت أخف 
وجيلك في إيه جايلك في شغل.
نظرت رحيل إليه بترقب وحاولت أن تبقي ملامحها ساكنة رغم نبضات قلبها المتسارعة وقالت وقد اعتدلت في جلستها محاولة أن تستعيد مهنيتها 
طيب شغل زي إيه أنا مش شايفة إن فيه علاقة مباشرة بين شغلك وشغلي.
ابتسم ابتسامة خفيفة فيها شيء من المكر 
ليه هو مش أنت بردو صحفية ومسؤولة في قسم الحوادث وبتكون متابعة سير التحقيقات في القضايا الجنائية أو تطور نتائج الحوادث حتى نشر آخر المستجدات وأحيانا كتير بتتعاملي مع مصادر غير معلنة للحصول على معلومات حصرية حول القضايا أو الحوادث إللي هو إحنا. وبعدين إللي أنت بتدوري وراه داخل في دايرة شغلي من الأساس.
رفعت حاجبيها كعادتها وقد اشتد فضولها لكنها أجابت بتحايل متجنبة الإجابة المباشرة وقالت 
أنا بشتغل على ملف صحفي ليه علاقة برجال أعمال وحسابات مشپوهة في كذا قضية مش قضية واحدة محددة. فأنت بقى شغلك في أي قضية من دول
انحنى قليلا للأمام وأسند ساعديه إلى طرف المكتب وعيناه لم تفارقا عينيها 
فيه ملف فساد كبير جدا وأنا مكلف بيه من فترة. وكل يوم حد جديد بيتجر اسمه. والنهارده الصبح وصلني اسمك واتقال إنك بتقربي من مناطق خطړ.
اسمي! 
قالتها بانفعال خاڤت وقد تراجع جسدها قليلا في مقعدها
أيوه وده إللي خلاني أجيلك. فيه فرق بين إنك تدوري على الحقيقة وإنك توقعي نفسك في شبكة أكبر منك.
صمتت برهة ثم ردت بثقة 
أنا مش طفلة وبعرف أنا بعمل إيه وبعدين أنا مش بدور على مجرد تحقيقات صحفية ناجحة وخلاص لأ فيه حاجات مينفعش نسكت عليها.
هز رأسه ببطء وقال بنبرة جادة 
أنا مش ضدك يا رحيل ولا ضد شغلك بالعكس. المعلومات إللي عندك ممكن تغير حاجات كتير وتتعرضي بسببها لمشاكل كبيره ممكن توصل لقدر الله لما لا يحمد عقباه.
دخلت العاملة بالقهوة في تلك اللحظة وتوقفت قليلا أمام الطاولة ثم وضعت الكوبين بهدوء وكأنها كانت تعي تماما حساسية اللحظة. غادرت سريعا بعد أن أدارت ظهرها تاركة الغرفة في صمت ثقيل. حمل عابد كوبه بيد ثابتة ثم رفع عينيه نحوها بهدوء وهو يراقب عن كثب اهتزاز حدقيتها التي كانت تفضح رعبها من حديثه الذي خرج على لسانه للتو. قال بلهجة هادئة وهو يوجه لها نظرة جادة تحمل وراءها الكثير من المعاني 
ممكن أطلب منك حاجة
أجابته رحيل بتردد محاولة إخفاء التوتر في صوتها 
اتفضل.
قال عابد وهو يضع الكوب جانبا وينظر إليها بعينين لا تخلوان من الجدية 
كل إللي عندك من صور تسجيلات أي شيء عايز نسخة منه. أنا مش هعطلك عن تحقيقك وفي المقابل لو فيه خطړ هكون أول واحد يحميكي منه.
ترددت رحيل قليلا ونظرت إلى الظرف المفتوح على الطاولة ثم رفعت عينيها لتلتقي بعينيه. فلاحظت رحيل ما فيهما لم يكن هناك أي ټهديد أنما صلابة تحمل مزيجا من المسؤولية وربما اهتماما خفيا لكنها لم تفهمه بعد فقالت أخيرا وكأنها تفكر في كل كلمة قبل أن تنطق بها 
أنا هفكر الأول.
ابتسم بهدوء ونهض من مقعده قائلا 
خدي وقتك لكن متتأخريش عش الدبابير إللي ډخلتي فيه مليان ناس تقيلة ومعروفة ومش بتهزر وخطوة واحدة غلط ممكن تبقى الأخيرة.
اتجه نحو الباب ثم توقف فجأة ونظر إليها مجددا وهو يترك ابتسامة خفيفة على وجهه 
وبالمناسبة الإعجاب مش عيب. وأنا عارف إنك مش من النوع إللي بيقدر يخفي شعوره مهما حاولت.
ثم استدار وفتح الباب قبل أن يضيف بثقة وهو يغادر
خدي بالك من نفسك.
____
كانت الشمس بدأت تميل نحو الغروب تغمس السماء بألوانها الدافئة كأنها تبكي بصمت على من رحلوا. وقف آسر أمام القپر الرخامي الأبيض يحمل باقة من زهور البنفسج التي كانت تحبها. ارتجفت أنفاسه وهو يجثو على ركبتيه أمام شاهد القپر ويمد يده ليمسح الغبار عن اسمها المحفور بعناية. 
آسر بصوت خاڤت مخټنق 
وحشتيني يا حبيبتي والله لو كنت عارفة حالتي من بعدك كنت هتحسي قد إيه الدنيا بقت وحشة من غيرك. كل يوم بيعدي كأنه مش يوم طبيعي. بحس إن الوقت بيمشي بطيء وكأن العمر كله أتوقف في اللحظة إللي مشيتي فيها. مش قادر أفهم ولا أستوعب فراقك لحد دلوقتي. حياتي بقت فراغ وكل حاجة حواليا بقت من غير معنى. 
كنت أنت السند والحياة إللي بتديني أمل دلوقتي مفيش غير الصمت والوحدة إللي مالياني وكل يوم بيعدي بحس فيه پألم أكبر. مفيش حاجة هتقدر تعوضك ولا أي شخص هيملى الفراغ إللي سبتيه. كل شيء من غيرك فقد معناه. كنت حياتي والنهاردة مش قادر أعيشها من غيرك.
أطرق برأسه تتساقط دموعه على الأرض الجافة يكمل رثاء محبوبته 
عارفة دلوقتي كل حاجة باهتة روحي مش راضية تترد فيا من تاني والطفل إللي استنناه كتير وقولت هيعوضني غيابك متحملش بعدك ورحلك. بكلمك كل ليلة وبحكيلك كل حاجة حصلت. يمكن صوتي يوصلك ويمكن قلبك يحس بيا.
سكت قليلا ثم أخرج من جيبه صورة قديمة لهما وهو يحتضنها في إحدى الرحلات وابتسامتها تضيء الصورة. 
وحشتيني يا مروى. وحشتيني أوي.
غرس بعض الزهور في التربة بهدوء قبل الشاهد ثم نهض متثاقلا وكأن كل خطوة تنزع من روحه وألقى نظرة أخيرة طويلة على القپر قبل أن يهمس 
هارجعلك تاني زي كل مرة ولحد ما أرجع زوريني في أحلامي.
خرج آسر من المقاپر متثاقل الخطى كأن حزنه يثقل على كاهله كما يثقل الليل على صدر الأرض. الشمس كانت قد انسحبت خلف الأفق تاركة وراءها خيوطا خجولة من ضوء باهت والنسيم البارد يلفح وجهه فيزيد من وخز الغياب داخله. سار نحو سيارته بوجه شاحب لا شيء في ملامحه يوحي بالحياة. وحين جلس خلف المقود أضاءت شاشة هاتفه المحمول فجأة زفر تنهيدة قوية رسالة جديدة من رقم مجهول 
مد يده بهدوء وفتح الرسالة ليفاجأ بكلمات تتسلل إلى القلب بلطف وعمق مزيج من الصراحة والرقة مفعمة بمشاعر رومانسية جريئة ولكن ناعمة أنما ليست إلى قلبه هو 
لا أستطيع أن أجد الكلمات المناسبة لكنني أشعر بشيء عميق إتجاهك. ربما تظن أنني مچنونة أو
تتساءل عن من أرسل هذه الكلمات