رحيل بقلم منار الشريف


البنات الرقيقة إللي زيي كده.
ارتفع حاجبا آسر من الدهشة وقال وهو يلوح بيده كأنما يطرد عن نفسه أثر كلماتها 
رقيقة وزيك!! لأ أنت بجد مش طبيعية ابقي أتعالج أوعي!!
وبغرور أزاحها برفق من كتفها بطرف يده ثم أدار ظهره مبتعدا بخطى ثقيلة تموج هيبة وتتبعه علياء التي كانت على وشك الانفجار من الضحك لكنها تماسكت ما إن وجدت أحمد الكيلاني يقترب منهم. 
أما حياء فوقفت في مكانها تتابع خطواته المتجهة بعيدا عنها وقد وضعت يدها على قلبها كأنها تخشى أن يفر منها وهمست لنفسها وعيناها لا تزالان معلقتين على قامته المنتصبة 
آآآه لو القمر ده يبقى من نصيبي!
ولم تكد حياء تنهي عبارتها حتى تنبهت إلى أن إحدى صديقاتها. كانت تقف قريبة منها تنظر إليها بدهشة ممزوجة بالفضول لتسألها مبتسمة 
أنت عارفة مين القمر ده بقى يا حياء
فأجابت حياء بخجل مصطنع تغطي به الحمرة التي لونت وجنتيها 
ده ولا حد تلاقيه من المعازيم بس شكله حلو وشيك كده حسيته شبه الممثلين إللي بيطلعوا في المسلسلات التركي إللي فيها حب ورومانسية.
ضحكت صديقتها وقالت 
ده يبقى آسر رضوان يا حياء صاحب الشركة إللي عملت ديكور تنظيم الفرح ده كله. البنات بتتكلم عنه كإنه شخصية طلعت من رواية مثلا.
اتسعت عينا حياء بدهشة 
آسر رضوان يا نهار أبيض!! يعني ده الراجل إللي .... إللي أنا خبطته ده شريك بابي في مشروع القرية الجديد! 
وضعت يدها على فمها وقد تخيلت المشهد من جديد وقالت وهمهمت 
والله أنا شكلي اټجننت!! ده شكله واخد عني انطباع إني عبيطة أو مهزأة ويمكن لو عرف أنا مين يقول لبابي ووقتها مش هخلص من محاضرات نناه.
ردت صديقتها مداعبة 
لا والله ده أكيد فعلا فاكر أنك هربانه من مصحة نفسية.
ضحكت حياء بخفة ثم قالت وهي تلمح ظله من بعيد 
بس بيني وبينك هو قمر أوي وعينه كمان ..... ينهار مش فايت أنا أول مرة في حياتي أتلخبط وأنا بتكلم كده.
أما في الداخل كان آسر يجلس على إحدى الأرائك الفاخرة وقد بدا شاردا للحظة بينما تهمس له علياء مازحه 
بصراحة يا بشمهندس آسر البنت دي ډمها زي العسل.
رد آسر دون أن يلتفت 
دي مفيهاش نقطة
عقل يا علياء وغريبة في نفسها كده.
قالها بنبره لم تخل من فضول خفي كأنما تركت حياء في قلبه سؤالا لم يعرف له جوابا بعد.
إلى اللقاء في فصل جديد حيث يكتب للحب سطر وللقلب حكاية. وما بين نظرة. ونظرة سوف تتغير قواعد اللعبة بالكامل
الفصل الثالث
صباح اليوم التالي استفاقت رحيل من نومها عند تمام الساعة الثامنة صباحا حين تسلل خيط من النور عبر الستائر المواربة ليلامس جفونها بلطف. فتحت عينيها بتثاقل ثم نهضت من فراشها بنشاط يزداد تدريجيا مع كل خطوة تخطوها نحو بداية يوم جديد. شرعت في تجهيز نفسها. أخذت حمامها الصباحي وارتدت ملابسها العملية. صففت شعرها وعقدته في تسريحة مرفوعة ووضعت بعض العطر الخفيف وبعض من مستحضرات التجميل التي ابرزت جمالها بدون مبالغة ثم غادرت غرفتها في هدوء. توجهت رحيل نحو غرفة السفرة حيث اعتادت أن تجد أسرتها مجتمعة على الإفطار وما إن فتحت الباب حتى استقبلها مشهد عائلتها المألوف وهم يجلسون حول المائدة في صمت مهيب لا يقطعه سوى خرير الشاي أو خشخشة الخبز فقالت بصوت هاديء وهي تجلس بجانب حياء 
صباح الخير. كده تبدأو فطار من غيري .
ردوا التحية بخفوت وابتسم عز برفق وقال 
حبيبتي إحنا دايما بنستناك وبنستني طلتك الحلوة إللي بتخلي المكان كله ينور.
خجلت رحيل من اطراء والدها المحبب لها ولشقيقتها دائما 
يا بابي أنت أغلى حد في حياتي وجودك جنبي بيخلي كل حاجة أحلى.
أجابته كامليا في هدوء وصرامة بينما كانت تملأ كوبها بالشاي 
هي دي رحيل دايما متأخرة عن المواعيد في كل وقت بتحب تبدأ يومها بطريقتها الخاصة بعدم الانضباط وقلة إحترام وقت الآخرين.
نظروا الجميع لبعضهم بحذر وامتعاض وعادوا إلى صمتهم. جلست رحيل وتناولت فطورها بتمهل لكن ما حدث أثار قلقها فمالت نحو حياء وهمست 
فيه إيه على الصبح
تنهدت حياء بضيق وهي تسرد لشقيقتها بإختصار ما حدث 
نناه كالعادة عملت مشكلة مع بابي علشان تصرفاتنا. شايفة إن إللي بنعمله مش لايق بينا كبنات من بيت محترم وعائلة راقية فنحن بنات عائلات محترمات.
ضحكت رحيل بخفوت وقالت باستنكار 
تاني نفس الكلام. وبعدين يعني إيه تصرفاتنا! إحنا بنتصرف عادي زي أي بنات في سننا مفروض يعني نعمل إيه.
ردت حياء بهدوء 
لأ ما هو بابي قالها كده وإنه مربينا كويس وواثق فينا وسايبلنا حريتنا مدام في حدود الصح حتى مامي قالتلها إن إحنا مش بنعمل حاجة غلط لكن بنتصرف بطبيعتنا وهي متبعانا على طول.
تنهدت رحيل قائلة 
أنا بدأت ازهق من تحكمها فينا دي بتحسسني إننا طول الوقت غلط ولازم نمشي على السطر إللي هي رسماه لينا.
هزت حياء رأسها موافقة بصمت بينما نظرت إليهما فريال نظرة حاسمة تعني كفى حديثا الآن. بعد دقائق أنهت رحيل فطورها ونهضت 
أنا هقوم علشان متأخرة على الجريدة.
لترد عليها حياء 
وأنا كمان عندي تدريب في النادي.
خرجتا معا وكل منهما تحمل في قلبها بقايا من حديث مؤجل وصباح نغص عليهما.
____
تركت رحيل البناية الفخمة حيث تسكن واستقلت سيارتها نحو الجريدة التي تعمل بها. كان الطريق في القاهرة كعادته مزدحم موتر للاعصاب ينبض بالحياة والفوضى لكن عقلها لم يكن منشغلا بالزحام بقدر ما كان يسرح في صراعها الداخلي بين رغبتها في الحرية والقيود المحاطة بها. وصلت إلى مبنى الجريدة القديم ذي الأعمدة العالية والبهو المكسو برائحة الورق والحبر. دخلت بخطى واثقة حاملة حقيبتها الكتانية ونظرة عميقة توحي بأنها تعرف تماما ما تريد. في الطابق الثاني كانت الصالة تعج بالمحررين والصحفيين. استقبلها زميلها معتز بإبتسامة وروح مرحه 
أهو النور نور لما رحيل وصلت.
ضحكت وهي تدخل مكتبها وتضع حقيبتها على المكتب 
بلاش هزار يا معتز. أنا جاية متأخرة ومش ناقصة كفاية هاخد تهزيق من أستاذ حلمي.
قال ضاحكا 
هو أصلا مستنيك وسأل عليك من شوية ولما وعرف أنك لسه موصلتيش كان عايز يضربنا كلنا پالنار.
قاطعته وهي تشهق
بطريقة كوميدية 
يا نهار أبيض للدرجة دي. لأ ده أنا هروح أتقذ الموقف وأشوفه استرها علينا يا رب.
طرقت باب غرفة رئيس التحرير بخفة ثم دخلت. كان حلمي عبد السلام رجل في أوائل الستين. حاد القسمات يقرأ مقالا بنظاراته الطبية. رفع عينيه وقال پغضب خفي 
اتأخرتي يا رحيل هانم كالعادة.
قالت رحيل وهي ترفع حاجبها وتبتسم بثقة وكأنها غير مبالية بما يقول 
حقك عليا يا أستاذ حلمي الطريق كان زحمة.
رد حلمي بهدوء محاولا إخفاء تذمره وهو ينظر إليها مباشرة 
أنا مش زعلان علشان التأخير. أنا زعلان علشان عندنا خبر سخن وكنت عايزك تشتغلي عليه من بدري. أنت أشطر وأنشط صحفية عندي في الجريدة يا رحيل وده إللي بيغفرلك أي فعل بيصدر منك.
تسألت رحيل بفضول صحفية محاولة فهم سبب انزعاجه الحقيقي 
خير يا فندم
مد إليها ورقة فيها بعض الملاحظات بخط يده 
الورقة دي فيه معلومات مؤكدة عن تورط شخصية سياسية كبيرة في قضية فساد لكن مش أي حد يقدر يشتغل على الموضوع ده غيرك. أنت عندك الجرأة والذكاء والحنكة. ده غير أن أنا واثق فيك.
تسلمت الورقة بحذر وعيناها تتقدان حماسة 
تمام يا أستاذ حلمي هشتغل عليها فورا.
خرجت من الغرفة وهي تشعر بأن نبضها يتسارع. قضية كبيرة فساد سياسي هذا النوع من التحقيقات لا يمر مرور الكرام. دخلت مكتبها وفتحت حاسوبها المحمول وبدأت تبحث وتربط الخيوط وتدون الملاحظات.
وما إن مرت ساعتان حتى رن هاتفها المحمول برقم غير مسجل. أجابت رحيل بتردد 
ألو
جاءها صوت منخفض رجولي وغامض 
رحيل عز الدين الصحفية
قالت بإستغراب 
أيوه مين حضرتك
قال وهو يحدق أمامه بنظرة جادة مستدركا الحديث بعد لحظات من الصمت 
لو عايزة حقيقة القضية إللي بتشتغلي عليها قابليني النهاردة الساعة أربعة في كافية ..... في وسط البلد لكن لوحدك.
ردت رحيل بتساؤل وفكرها مشوشا بينما كانت تحاول فهم الموقف 
معلش أنت مين وعرفت منين رقمي وأن في قضية شغالة عليها أساسا!
أجاب بنبرة هادئة كأنه يتحدث عن أمر بديهي بالنسبة له 
انا الشخص إللي عنده معلومات أكتر من أي حد تاني. وإللي أنت محتاجة تعرفيها.
ثم أغلق الخط
جلست رحيل لحظة في صمت تفكر. هل تقع في فخ أم تبدأ مغامرة قد تغير مجرى حياتها المهنية للأبد كل ما تعرفه هو أنها لن تتراجع.
أخذت قراراها وفي تمام الرابعة كانت تجلس في الكافيه تترقب. مرت خمس دقائق... عشر ثم دخل رجل يرتدي معطفا قاتم اللون. وقف أمامها دون أن يبتسم 
رحيل
سألت رحيل بنبرة متشككة وهي تحاول فهم الموقف أكثر 
أيوه حضرتك مين بقى
أجاب بهدوء وكأن الجواب ليس مهما في هذه اللحظة 
مش مهم أنا مين دلوقتي. المهم إن عندي مستندات وتسجيلات وأسماء مهمه تودي ناس تقيلة في البلد في ستين داهية لكن كلة بتمن.
نظرت إليه بحدة 
تمن يعني إيه بقى
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال 
هتعرفي أكيد.
____
مر بعض الوقت في صمت ورحيل تجلس وقلبها يخفق كطبول الحړب. كان يجلس أمامها ذلك الرجل بثبات وثقة تخفي ما هو أخطر من مجرد معلومة. كسر الرجل الصمت وقال 
بصي يا أستاذة رحيل تقدري تقولي إني كنت شغال قريب من الناس إللي بتحققي في قضيتهم.
قالت رحيل بعدم فهم وهي ترفع حاجبها في تساؤل 
يعني أنت شاهد
رد بهدوء وكأن ما يقوله ليس بجديد عليه 
مش بس شاهد. أنا كنت شريك في بعض التفاصيل لكن لما لقيت الموضوع كبر قوي وخرج عن الطبيعي انسحبت بدون ما يشعروا واحتفظت بنسخة من كل حاجة كأمان لنفسي.
تراجعت قليلا في مقعدها وقالت بحذر 
طيب أنت اتصلت بيا أنا بالذات ليه دلوقتي أنا مش جهة حكومية هقدر أحميك منهم.
أجاب
بثقة وكأن ما يقوله هو الحقيقة البسيطة 
علشان أنت مختلفة. كنت بتابع تغطية الحوادث والچرائم بتاعتك قبل كده وعجبني إزاي بطلعي الحقيقة من وسط الركام. والموضوع ده لازم يطلع للنور لأسباب كتير لكن زي ما قولتلك ليه تمن.
نظرت إليه رحيل نظرة طويلة عبارة عن مزيج من التحدي والارتياب 
ولو رفضت
رد بتأكيد 
هتكون فوتي فرصة عمرك وكمان ممكن تلاقي غيرك ياخد القصة ويشوهها أو الأسوأ تتقفل ويطرمخ عليها.
وأضاف وهو يحاول أن يجعلها تدرك حجم وأهمية الموضوع 
دي قضية كبيرة ومفيش وقت تضيعيه.
قالت له رحيل وهي تنظر إليه بعينين مليئتين بالتساؤلات 
طيب وأنت هتستفاد إيه من كل ده وليه دلوقتي عايز تظهر الحقيقة وكمان عن طريق الصحافة مش الجهات الرسمية ده غير أن واضح إنك مش شخص عادي!!
رد عليها بإبتسامة غامضة وكأن لديه خطة واضحة في ذهنه 
أنا مش جاي أطلب منك خدمة كواحد ضعيف إللي عندي ممكن يغير كتير لكن في نفس الوقت ممكن يدخلني في دوامة أكبر من ما أنت متخيلة.
أضاف بجدية وهو ينظر إليها
بتمعن 
أنا مش محتاجك علشان أهرب