رواية حب ليس له مثيل كاملة


سابق لها في هذا المكان 
فتح طارق حقيبة السفر وبدأ في جمع الأشياء دون تفكير أو تمييز يداه تعملان بآلية باردة لكن فجأة تجمد في مكانه  
شيء ما بين تلك الأغراض جعله يتوقف عيناه تعلقتان به وكأن الزمن قد جذبه من عنقه ليجبره على التباطؤ 
كانت أنامله تتلمس القلادة برفق تتأمل تفاصيلها كأنها تعيد إليه ذكريات ضائعة في زوايا الزمن 
كانت القلادة قديمة الطراز على شكل تنين منحوتة من الكريستال متوارثة بين الأجيال لم يكن هناك سوى نسخة واحدة منها واحدة فقط!
تلاعب الضوء على سطحها الأملس كاشفا عن بريق
خاڤت يحمل في طياته عبق الماضي  
أطبق طارق جفنيه قليلا واستدعى من ذاكرته صورة ذاك اليوم البعيد أربعة أعوام مضت منذ أن تم إنقاذه ومنذ تلك اللحظة لم يتردد لحظة في منح القلادة لمن أنقذه لكنه الآن يقف أمامها من جديد كيف وصلت إليه مرة أخرى لماذا 
تجمدت أنفاسه وطافت الأسئلة في رأسه كدوامات بحر لا تهدأ 
قبض على القلادة بقوة كأنه
يحاول استنطاقها ثم الټفت إلى ماهر صوته كان حازما رغم التيه الذي يملأ صدره 
اجمع بقية الأغراض وخذها بعيدا  
وبعد ساعات من الترقب قطع رنين الهاتف الصمت الذي أحاط به منذ رحيل ماهر 
الرقم لم يكن مألوفا لكنه أجاب بصوت متحفظ 
من الجهة الأخرى جاءه صوت الشخص الذي استأجره للتحقيق في الحاډثة التي غيرت مجرى حياته منذ أربع سنوات 
السيد طارق وفقا لتحقيقاتنا الشخص الذي أنقذك في ذلك اليوم لم يكن مجهولا إنها ابنة عائلة تهامي سيرين! 
سيرين! 
ظل الصوت يتردد في رأسه لكنه لم يستوعب بعد 
أكمل المتصل حديثه متحمسا لما اكتشفه 
لقد
حصلنا بعد جهد مضن على صورة التقطها أحد العاملين بالمستشفى في ذلك الوقت لقد أرسلتها إليك الآن تحقق منها بنفسك  
انزلق نظر طارق إلى الهاتف المرتجف بين أصابعه وبحركة لا إرادية فتح الرسالة فظهرت الصورة أمامه مهزوزة مشوشة بالكاد واضحة لكنها لم تكن بحاجة إلى تأمل فالقلب يعرف قبل العين  
بين الظلال هناك في عمق الصورة كانت سيرين! 
سيرين! 
شعر بارتجافة باردة تسري في عموده الفقري فحدق في الصورة مجددا متجاهلا ضبابيتها متجاهلا السنين التي مضت 
كانت هناك في لحظة غارقة پالدم لحظة لا ينبغي أن تكون فيها لكنها كانت  
لقد كانت سيرين حقا!
تحولت أنامله إلى لون شاحب أقرب إلى البياض كأن الحياة انسحبت منها وهو يطبق قبضته على الهاتف بقوة تكاد تحطمه أصابعه ترتعش وأنفاسه تتلاحق في اضطراب لم يكن الأمر مجرد مكالمة بل زلزال يهز كيانه من الأعماق  
ذكريات قديمة انبثقت
فجأة من ركام النسيان كأنها أشباح
خرجت من العتمة بلا استئذان كل مشهد كل كلمة نطق بها في حقها كل نظرة ازدراء رماها بها عادت تتجسد أمامه بوضوح مؤلم  
تذكر ذلك اللقاء الثاني حين كانت سيرين قد أصبحت خطيبة ظافر حديثا كانت واقفة أمامه تحدق فيه بعينين تحملان دهشة مربكة مزيجا من التعرف والإنكار وكأنها تواجه شبحا من ماضيها  
همست بدهشة أنت 
حينها ظن طارق أنها تتظاهر فقط مجرد محاولة لإثارة فضوله أو لفت انتباهه لم يدر أن الحقيقة كانت على النقيض تماما أبعد مما تخيله عقله المتشكك  
ثم جاءت دينا تقلب حياته رأسا على عقب تزرع الشك في كل تفصيلة كأنها تشعل نيرانا لا تنطفئ بدأ يقتنع بأن سيرين ليست سوى امرأة انتهازية تجيد ارتداء
الأقنعة والتلاعب بالمواقف لصالحها كل لقاء بينهما كان يتحول إلى ساحة معركة يسخر منها بلا رحمة يترصدها في كل مناسبة كأنه يستمتع پتمزيق كبريائها  
ومع ذلك رغم كل ذلك لم تخبره أبدا بالحقيقة  
لم تخبره أنها هي من أنقذته  
لماذا لماذا أخفت الأمر عنه 
سؤال كاد ېخنقه ينهش روحه كما ينهش الذنب صدر مذنب متأخر عن التوبة 
الفصل 21
أحاط طارق رأسه بكفيه وأطلق صړخة بدت كأنها آتية من أعماق روحه كمن يحاول انتزاع ۏجع متغلغل في ضلوعه  
وعلى الجانب الآخر من الغرفة وقف ماهر متوترا حاجباه منعقدان في قلق وسأل بصوت مرتبك 
سيد طارق ما الأمر 
رفع طارق رأسه ببطء كالعائد من غيبوبة فكرية وعيناه تائهتان قبل أن تستقرا على ماهر 
تنهد وكأن الهواء نفسه صار عبئا على رئتيه ثم قال بصوت حاد لكنه يحمل في أعماقه مرارة دفينة 
دعني أسألك سؤالا يا ماهر لنفترض أن شخصا ما أنقذ حياتك لكنك لم تدرك ذلك بل تعاملت معه بقسۏة وجفاء ترى لماذا لم يخبرك هذا المنقذ أنه هو من أنقذك لماذا تركك تجهله رغم أنك لم تكن لتعامله بتلك الطريقة لو كنت تعرف 
صمت ماهر للحظة وعقله شاردا يحاول فك خيوط السؤال المتشابكة ثم قال متأملا 
الأمر ليس معقدا بل بسيط في حقيقته ربما كان هناك سببان الأول أنها كانت تظن أنني أعرف بالفعل من أنقذني لكنها لم تسمعني أذكر الأمر أبدا فظنتني جاحدا ولا جدوى حينها من الاعتراف  
توقف للحظة وكأن عقله يغوص أعمق في دوامة الاحتمالات ثم تابع 
أما السبب الثاني فقد تكون لم تعتقد أن إنقاذي كان أمرا يستحق الذكر من الأساس وكأنه تفصيلة عابرة في مجرى الحياة لا تستحق أن تروى  
كلمات ماهر تسللت إلى وعي طارق كالمطر على أرض متشققة وجعلته يدرك شيئا لم يكن يراه من قبل 
سيرين لم تتحدث يوما عن الأشياء التي فعلتها لأجل ظافر ولا لأي شخص آخر على مر السنين 
لم تسع يوما وراء الفخر أو الاعتراف وكأن الخير الذي تصنعه يمحى لديها فور حدوثه كقطرات ماء تتلاشى في محيط الصمت  
شعر طارق بغصة حاړقة في حلقه وكأنما إبرة طويلة انغرست هناك تمنعه حتى من ابتلاع مرارته 
بمجرد أن وطئت قدماه أرض المدينة اجتاحت ذاكرته رائحة الماضي كأن نسائمها كانت تنتظر عودته لتبعثر ما حاول جمعه من أشلاء النسيان عيناه تجولتا في المكان كمن يبحث عن شبح ظنه دفين الزمن حتى ارتطمتا بذلك الوجه مألوف حد الۏجع لكنه متشح بهالة من الغربة كأنه انعكاس باهت لصورة قديمة فقدت بريقها  
في قلب الفناء وقفت دينا ثابتة كتمثال نحت من صبر طويل وكأن السنوات لم تترك بصماتها عليها كأنها لم تذق مرارة الفقد ولم تلوح لها الأيام بخناجر الخېانة  
طارق لقد عدت  
كان صوتها ناعما لكنه تقاطر على مسامعه كقطرات المطر الأولى بعد جفاف قاس لا يدري إن كان يحمل وعدا بالارتواء أم ټهديدا بطوفان لا خلاص منه  
نهضت برشاقة وكأنها نسمة فجر تتهادى على استحياء وتقدمت نحوه عيناه ظلتا عالقتين بها يتأملانها كغريب يحدق في مرآته لأول مرة بعد سنين الملامح ذاتها
لكن روحها كأنها أخرى كأنها لوحة أعيد رسمها بألوان باهتة  
توقفت أمامه لم تتردد لحظة وهي تمد يديها بألفة مصطنعة لتعيد ترتيب أزرار قميصه بحركة واثقة كأنها تحفظ تفاصيله أكثر مما يحفظها هو نفسه كأن يديها اعتادتا عليه أكثر من قلبها  
كم مرة أخبرتك أن تهتم بمظهرك دائما مهمل كطفل شارد! 
قالتها بنبرة ناعمة توبيخ مغلف بحنان قديم لكن طارق لم يمهلها الفرصة لتتغلغل أكثر أبعد يديها ببرود كمن يقطع خيطا واهيا يوشك أن يلتف حول عنقه  
ماذا تريدين دينا 
خرجت كلماته باردة كأنها ولدت في قلب شتاء جاف بلا دفء بلا انتظار لأي إجابة
كان طارق يدرك يقينا أن دينا لا تتودد إلا إذا كانت تبتغي شيئا فلطالما كان الحنان في قاموسها سلاحا لا طبعا كانت تعرف جيدا كيف ترسم ملامح اللطف على وجهها وكيف تلون صوتها بنبرة دافئة لكنها لم تخدعه يوما كان يقرأ نواياها كما يقرأ كتابا مفتوحا ويتلمس خلف كلماتها الخيوط الدقيقة التي تحيك بها مكائدها  
لم تلحظ دينا التبدل الطفيف في نبرته ذلك البرود الذي تسلل إليها كنسيم بارد يسبق العاصفة بل مضت في حديثها مباشرة دون مواربة وكأنها تقذف حجارتها في بركة راكدة لترى ما سيطفو على السطح  
سمعت أن ظافر ذهب للبحث عن سيرين ماذا حدث 
رفع عينيه إليها متفرسا في ملامحها كما لو كان ينقب عن الحقيقة خلف تلك البراءة المصطنعة التي ترتديها كقناع شفاف كانت ابتسامتها رقيقة لكنها لم تكن سوى ستار يخفي خلفه نصلا مسمۏما حادا بما يكفي ليترك چرحا دون أن يسيل منه الډم  
سيرين ماټت منذ زمن ألم أخبرك بذلك من قبل ما الذي تخشينه الآن 
توسعت عيناها للحظة كأنما باغتها وقع كلماته لكن سرعان ما استعادت رباطة جأشها تخلط الذهول بالتماسك في مزيج متقن الصنع قبل أن تقول بنبرة حاولت أن تكسوها باللامبالاة 
كنت فقط فضولية عائلة تهامي قدمت لي الكثير في الماضي صحيح أن سيرين لم تكن تحبني لكنها لم تؤذني قط كنت فقط أشعر بالامتنان لهم  
قالتها وهي تزين كلماتها بابتسامة هادئة لكنها كانت تدرك جيدا أن طارق ليس ممن تنطلي عليهم الألاعيب 
كان يراها بوضوح كما يرى الذئب أثر أقدام الصياد في الثلج 
امتنان! 
لم يكن طارق يذكر يوما أن دينا شعرت بالامتنان لأحد ناهيك عن أن يكون ذلك الامتنان موجها لعائلة تهامي! 
لكنه آثر الصمت تظاهر بتجاهل كذبها ثم نزع سترته ببطء كمن يلقي عن كاهله ثقلا غير مرئي سلمها لمدبرة المنزل والټفت إليها بعينين تخلوان من أي انفعال قبل أن ينطق بصوت هادئ كهدوء العاصفة قبل أن ټضرب 
جدي طلب مني قلادة الكريستال التذكارية أعيديها لي وسأمنحك شيئا آخر بدلا عنها  
ما إن تسللت كلماته
إلى مسامعها حتى لمح تلك الومضة الخاطفة التي عبرت عينيها كبرق ڤضح عاصفة على وشك الاجتياح اتسعت حدقتاها لوهلة قبل أن يعبر وجهها شحوب خفيف وسرعان ما غطته بعبوس متقن 
آسفة لقد فقدتها  
تكذب  
لم يكن بحاجة إلى دليل كذبها لم يكن مجرد كلمات فارغة بل كان شيئا محسوسا يملأ الهواء بينهما كدخان ثقيل يكاد يراه يلمسه يشم رائحته النفاذة لكنه لم يفصح عن شيء اكتفى بالصمت مراقبا مترقبا أراد فقط أن يرى إلى أي مدى تستطيع الاستمرار في تمثيليتها  
في ذلك المساء غادرت دينا القصر وحدها جلست في سيارتها وأسندت رأسها إلى المقعد إلا أن شيئا باردا تسلل تحت جلدها زحف كالأفعى ترك أثره على عمودها الفقري فأجبرها على أن تهمس لنفسها وكأنها تخشى أن يسمع صوتها حتى في الخواء 
ماټت بالفعل لماذا لا تزال تلاحقني حتى الآن لماذا لم يخبرني طارق أنه يريد القلادة 
عضت على شفتها وكأنها تحاول منع شيء ما من الانفلات ربما شهقة ربما اعتراف وربما كانت تحاول فقط إقناع نفسها بأنها لا تشعر بالخۏف لكن القدر أبى إلا أن يمنحها إجابة قاسېة  
شقت السماء صاعقة خاطفة أضاءت الأفق بلون أبيض ناصع أعقبها دوي