رواية حب ليس له مثيل كاملة


بسرعة واتصلت بسيرين تطلب منها أن تأتي لاصطحاب زكريا ابنها 
لم تتأخر سيرين وما إن خطت خارجا حتى صدمت بمشهد لم يكن في الحسبان 
كان ظافر هناك ماثلا أمامها يقترب بخطوات واثقة يلفه وقار البدلة الرسمية التي تعكس أضواء المطعم الخاڤتة 
لوهلة اجتاحتها موجة من الاضطراب وشعرت براحتي يديها تتصببان عرقا كانت كل خلية في جسدها تصرخ بها وكأنها تحثها على أن تدير ظهرها وتهرب لكن صوته سبق رد فعلها 
يا لها من مصادفة قالها بنبرة لا يمكن تجاهلها 
لم يكن هناك مفر لذا علقت نظراتها بين الواقع والهروب وبينما كانت تبحث عن أي ذريعة للنجاة من هذا الموقف تمتمت بصوت حاولت أن تجعله ثابتا كي تكسب بعض الوقت لتجد منفذا 
هل أتيت لتناول العشاء
أيضا سيد ظافر 
أومأ ظافر برأسه كتأكيد على حديثها ولكنها لم تنتظر إجابة بل دفعت ساقيها تحاول إجبار جسدها المتصلب على المغادرة وهي تجاهد لتجاوز العاصفة التي اندلعت في أعماقها غير أن صوتا حاصرها فجأة من الخلف 
سيرين! 
تجمدت أطرافها للحظة واضطربت نبضات قلبها وكأنها وقعت في فراغ 
التفتت سيرين ببطء متوجسة مما قد تواجهه 
ولسوء الحظ
على الدرج كانت كوثر تصعد برفقة زكريا ولم يكن في مجال رؤيتهما سوى سيرين تنفست الأخيرة الصعداء إذ لم يلحظ ظافر وجودهما بعد ولكن القدر كعادته له تدابيره الخاصة 
الټفت ظافر تلقائيا نحو مصدر الصوت وعندما وقعت عيناه على الطفل شعر بشيء غريب للمرة الثانية على التوالي وكأن ذاكرته حاولت استعادة صورة من زمن بعيد شيء ما في عيني زكريا بعث داخله رجفة غير مفهومة وكأنما ظلال الماضي تتراقص أمامه للحظة ساد الصمت وكأن الكون كله قد توقف عن الحركة 
أما عن سيرين اجتاحها شعور بارد قد سرى عبر عمودها الفقري وفي لحظة تلاشى الزمن حولها ولم يبق سوى هذا المشهد المعلق بين الحقيقة والهاوية 
حبست سيرين أنفاسها تخشى أن يناديها زكريا بلقب أمي اللقب الذي لا يجب أن يقال الآن لكن ما خشيت منه هل سيقع
ركض الطفل نحوها وابتسامته البريئة لا تعلم شيئا عن فوضى القلوب حوله هتف بوقار 
السيدة سيرين! 
وللعجب ارتد بصره إلى كوثر ثم سحب يدها يقول متوسلا
أمي أنا جائع جدا دعينا نتناول الطعام مع السيدة تهامي 
استفاقت كوثر من ذهولها على وقع كلماته فأجابت بسرعة محاولة أن تخفي ارتباكها 
حسنا لنأكل بني 
سرعان ما أمسكت كوثر بيد زكريا بينما نظرت إلى سيرين وكأنها تتوسل إليها أن تتحرك أن تنهي هذا الموقف بأسرع ما يمكن 
أما سيرين فقد تماسكت بقايا شجاعتها والتفتت إلى ظافر قائلة بحزم هادئ 
سأتناول العشاء مع صديقتي أعتذر عن عدم تمكني من البقاء 
لم تنتظر رده بل قادت كوثر وزكريا بسرعة نحو الغرفة الخاصة حيث تستطيع أخيرا أن تتنفس بعيدا عن أعين العالم 
بمجرد أن أغلقوا الباب خلفهم
شعرت سيرين بأن الهواء قد عاد أخيرا إلى رئتيها أما ظافر فقد ظل في مكانه للحظات مشدوها كأن عقله يحاول فك شفرة الشعور الذي باغته لكنه سرعان ما استفاق والټفت بهدوء ومن ثم نزل الدرج بخطوات ثابتة وترك مبلغا تقديريا للنادل كتسوية لفاتورتهم قبل أن يغادر تاركا خلفه سحابة من التساؤلات 
في الداخل لم تنتظر كوثر لحظة واحدة بل اندفعت إلى سيرين واحتضنتها بقوة وكأنها تحاول أن تمحو أثر هذه اللحظات العصيبة من ذاكرتهما 
سيرين! أنا آسفة لم أكن أعلم أنه سيكون هنا 
ربتت سيرين على كتفها محاولة أن تبعث الطمأنينة في قلبها وإن كانت هي نفسها لم تستوعب
بعد وقع الموقف فغمغمت تقول بتيه
لا بأس لم أكن أتوقع ذلك أيضا 
لكن كوثر لم تستطع تجاهل الخۏف الذي لا يزال يتلبسها فتمتمت بصوت مرتجف 
الحمد لله أن زاك استجاب بسرعة وإلا تلاشت كلماتها لكن عينيها حملتا كل المخاۏف التي لم ينطق بها 
نظر إليهما زكريا بنضج فاق سنه وقال ببراءة جادة 
أمي كوثر لا تقلقا أعلم أن أمي يجب أن تظل عزباء في الأماكن العامة حتى تجد لي ولنوح أبا 
اهتز قلب سيرين جراء ما تفوه به الصبي فحملته بين ذراعيها تعانقه بقوة كأنها تخشى أن تفقده 
كان صوتها مملوءا بالعاطفة وهي تهمس 
حبيبي أنا آسفة لأنك مضطر لتحمل هذا! 
لكنها لم تكن آسفة فقط على هذه اللحظة بل على كل شيء أخفته عنه على الأسرار التي وضعتها بينهما وبين العالم على خۏفها الذي جعلها تبتعد أكثر مما يجب 
أحمر وجه زكريا وهو يشعر بدفء عناقها ثم همس بخجل طفولي 
أمي لا تبكي! 
كان نادرا أن يطلب منها زكريا عناقا كما يفعل شقيقه نوح لكنه الآن أدرك كم هو مريح أن يشعر بحضنها أو بالأدق كم هو مطمئن أن يجد الدفء في قلبها 
مسحت سيرين دموعها سريعا وربتت على رأسه بحنان ثم حذرته برفق وفي عينيها بريق من العاطفة والجدية 
لا يمكنك التصرف بمفردك بعد الآن وإلا فسوف أعاقبك! 
ابتسم زكريا وكأن قلبه الصغير قد امتلأ بالطمأنينة من جديد بينما بقيت نظرات سيرين معلقة في الفراغ حيث تساءلت في صمت كيف سينظر إليها زكريا ونوح إن علما الحقيقة
الفصل 41
أسوأ عقاپ ممكن تعاقب بيه شخص ليس الإهانة ولا الكره لا ليس ذلك إطلاقا العقاپ الأسوء فعلا هو إنك ترجعه لنقطة البداية يعني يرجع شخص غريب مع عدم وجود أي فرصة أنه يرجع يتقرب منك يعني استنفذ فرصته معك 
كان وجه زكريا يزداد احمرارا كقرص الشمس ساعة المغيب وكأن حرارة الموقف قد تسللت تحت جلده لتشعل وجنتيه 
سعل بخفوت محاولا التماسك ثم قال بصوت خفيض يكاد يلامس الهمس 
أمي لم أعد طفلا صغيرا كما أن كوثر لا تزال هنا  
كانت كلماته كحجر صغير ألقي في بركة هادئة فأحيت الأجواء من جديد وكأن الحياة دبت في المكان بعد لحظة خجل عابرة  
أما كوثر فقد كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها زكريا في موقف كهذا يتلعثم وتفضحه وجنتاه فلم تفوت الفرصة لتزيد من إحراجه إذ مالت نحوه تقول بغمزة مشاكسة 
إذن هل تعرض شخص ما للضړب من قبل أليس كذلك 
سارع زكريا يبادر بالاحتجاج وصوته يعلو رغم محاولته لضبطه 
لا! لم يحدث ذلك من قبل! 
كان زكريا في تلك اللحظة أشبه بطفل أوقعته براءته في فخ لم يدركه إلا بعد فوات الأوان  
راقبته سيرين بصمت وعيناها تتأملان تفاعله العفوي وشيئا فشيئا تسلل الڠضب من قلبها كما تتلاشى الظلال عند بزوغ الفجر فكيف لها أن تغضب منه أو من نوح 
إنهما بالنسبة لها هدية من السماء حبا لا يمسه الشك ودفئا لا يذوب أمام أي ريح  
ثم عادت أفكارها تدور حول قرارها فشردت تفكر بعمق ففي استطاعتها أن تواصل الهروب من ظافر لكن هل سيستطيع زكريا ونوح أن يفعلا الأمر نفسه 
زفرت پاختناق وقلبها يتآكله الإحساس بالتقصير فطفليها لم يرتكبا أي ذنب فلماذا يحرمان من حرية الذهاب حيث يشاءان لماذا لا يكون لهما بيت يحتضنهما 
والأهم أن هذا اللقاء غير المتوقع اليوم كان كمنارة أضاءت لها طريق القرار الآن باتت أكثر يقينا فيما ينبغي عليها فعله 
وفي أثناء العشاء حين اقترحت كوثر أن يقوم أحدهم بإعادة زكريا رفعت سيرين نظرها إليها وقالت بحزم هادئ 
كوكي لقد فكرت في الأمر جيدا ووجدت أن الهروب ليس حلا لذا قررت أن أدعه يبقى فظافر قد رأى زاك بالفعل وأعتقد أنه ابنك فلا داعي للقلق سأهاتف فاطمة لاحقا وأطلب منها الاعتناء بنوح هناك بينما يبقى زاك معي في المدينة وعندما تهدأ الأمور سنعود  
كانت كلماتها واثقة كأنها وضعت حجر الأساس لحياة جديدة لا مجال فيها للتردد  
استمعت كوثر إليها بصمت ثم أومأت برأسها موافقة تقول بإشادة
على الرغم من أن فاطمة لديها من يساعدها إلا أنه من الصعب على امرأة مسنة مثلها أن تعتني بطفلين وبما أن زاك سيقيم هنا فسيكون بجوارك أيضا وحتى لو اكتشف ظافر الأمر فلا داعي للخوف أنا وكارم سنكون بجانبك  
قبل أن تتم عبارتها اندفع زكريا مقاطعا بحماس طفولي يحمل في طياته رجولة تنضج على مهل 
وأنا أيضا يا أمي سأحميك أنت ونوح  
تبادلت سيرين وكوثر نظرة طويلة نظرة قرأت فيها كل منهما قرار الأخرى دون الحاجة للكلمات ثم ابتسمتا معا وكأن هذه الابتسامة كانت الخاتمة الطبيعية لكل ما قيل 
داعبت سيرين خصلات شعر زكريا وهي تتمتم بحنان 
حسنا صغيري ابقى هنا لتقوم بحمايتي يا رجلي الصغير 
بعد أن فرغوا من تناول العشاء وضعت كوثر كأسها برفق على الطاولة ثم التفتت نحو سيرين بنظرة تحمل
مزيجا من الحزم والهدوء وقالت بصوت ينساب كالماء على الحجر الأملس يطيب الچروح فكانت خير داعم لصديقتها 
سأصطحب زكريا معي الآن قبل أن تنغرس بذور الحياة في رحمك من ذلك الأحمق ظافر وحتى هذا الحين سيبقى في مسكني الخاص حيث يمكنه الاستقرار بعيدا عن كل هذا الاضطراب حتى تنجحين في تنفيذ خطتك كي ننجوا بنوح أيضا وبالطبع يمكنك زيارته متى شئت لكن الأهم أن يحظى بالهدوء والاستقرار  
كان الأمر يبدو وكأنه قدر محتوم طريق وحيد مضاء بضوء خاڤت لا يبشر بكثير من الخيارات  
استدارت سيرين نحو زكريا وعيناها تلمعان بمزيج غريب من القلق والحنان ثم انحنت قليلا لتكون على مستوى نظره وقالت بنبرة دافئة يشوبها شيء من الصارمة 
يجب أن تستمع إلى كوثر جيدا ولا تخرج وحدك ولا تجازف بالابتعاد هل تفهمني 
أومأ زكريا برأسه ولم يكن في عينيه سوى الاستسلام الراضي صحيح لم يكن هذا الوضع مثاليا بالنسبة إليه لكنه على الأقل لن ينتزع من حضڼ المدينة التي تحتوي على أنفاس والدته حتى وإن لم يكن في كنفها فمجرد كونه تحت سمائها كان كفيلا بزرع الطمأنينة في قلبه الصغير 
في فيلا كوثر الفاخرة حيث تتدفق أنفاس البحر عبر نوافذها الواسعة جلس زكريا على طرف السرير يفتح حقيبته السوداء وكأنها صندوق أسرار محكم الإغلاق 
لم تكن الحقيبة مجرد مستودع لملابسه ومستلزماته بل احتوت بين جنباتها جهاز كمبيوتر محمول وبعض الأغراض الأخرى التي بدت وكأنها تحمل قصصا شغبية لطفل خارق 
راقبت كوثر حركته بعينين متقدتين بالفضول ومن ثم عقدت حاجبيها قليلا قبل أن تسأله بنبرة تجمع بين المزاح والتعجب 
زاك هذه الحقيبة تبدو وكأنها تحتوي على نصف مقتنياتك في الحياة! لابد أن وزنها يتراوح بين عشرين وثلاثين رطلا على الأقل كيف تمكنت من حملها إلى الطائرة والأدهى أنك تحمل معك جهاز كمبيوتر محمول! هل ما زلت تلعب ألعاب الفيديو في مثل هذا العمر 
رفع زكريا عينيه نحوها بنظرة هادئة وهناك شبح ابتسامة غامضة يتراقص على شفتيه يجيب بصوت خاڤت
هذا سر  
لم يمنحها فرصة لمزيد من الأسئلة إذ التقط بعض من ملابسه وتوجه مباشرة إلى الحمام وكأن الماء هو الملاذ الوحيد القادر على انتزاعه