رواية حب ليس له مثيل كاملة


عيناها بعيني طارق حتى الآن في الواقع لو لم يبحث عنها الجد في وقت سابق ليلقي على مسامعها تحذيره التالي لكانت قد أصبحت عشيقة طارق حفيده بالنظر إلى هوس طارق بها في ذلك الوقت
لا يهمني من يواعدها طارق لكن امرأة بمكانتك تلك لن تدخل هذه العائلة أبدا! وإذا تجرأت على إغوائه بالزواج منك فلن أتردد في أن أجعله أرملا 
أرملا 
تلك الكلمة كانت تحمل بين طياتها وعيدا لا لبس فيه فهي تعلم أن الجد لا يلقي بالتهديدات جزافا وأنه قادر تماما على تنفيذ وعيده ببرود لا يليق إلا بالحكام المستبدين 
وسط ضوء الشموع المتراقصة على أنغام المأدبة وقف زكريا متحفزا يراقب المشهد كذئب يتحين الفرصة للانقضاض 
كانت أنفاسه محملة بالترقب وقلبه ينبض بڼار الاڼتقام أدرك للحظة أن خصومه مجتمعون هنا عائلة والده الغادر والمرأة التي يدعي ظافر حبها الجميع حاضرون 
تلبدت ملامح الصغير بغمامة من الڠضب في ذلك اليوم لم ير سوى وجه طارق الرجل الذي بسببه تجهم وجه سيرين واضطر رامي التصدي لمن جمعهم طارق حوله في ذاك المطعم 
لم يأبه زكريا لمنظمي المأدبة أو لمن يقف خلف هذا الحشد لكن الآن وهو يتأمل الأجواء أدرك أن عائلة نصران هي من تقود هذا الحفل الباذخ ورغم ذلك لم يكن هناك مجال للتراجع فلا يمكن أن يغادر بهذه السهولة ليس بعد أن وطأت قدماه أرض العرين 
اغتنم زكريا غياب ظافر وتسلل بين الحضور بخطوات محسوبة ومن ثم التقط كأسا من النبيذ الأحمر القاني وتحرك بثقة نحو طارق 
انحنى زكريا قليلا وهو يمد يده لطارق بالكأس يقول بنبرة هادئة مغلفة بالسخرية
يبدو أن مزاجك متعكر سيدي تفضل ارتشف قليلا 
رفع طارق بصره باستنكار متسائلا عن ماهية هذا الأحمق الذي تجرأ على الاقتراب منه وحين وقعت عيناه على الفتى الواقف أمامه ظن لوهلة أنه مجرد صبي ضال فقد كان طوله لا يتجاوز طول ساقيه 
قلب طارق عينيه مستنكرا يغمغم متأففا
كيف تسلل طفل كهذا إلى هذه المأدبة ومن الذي أحضره إلى هنا
كان زكريا متخفيا خلف قناع وجه يغطي ملامحه بالكامل يعتمر قبعة تخفي شعره لكن عينيه ظلتا مكشوفتين عينان جميلتان مألوفتان على نحو غامض وكأنهما تهمسان بشيء لم يدركه طارق بعد ورغم ذلك فقد كان طارق يكره الأطفال كراهيته للهواء العطن في زنزانة مغلقة 
أجابه طارق ببرود جليدي
لست بحاجة إليه 
لكن الفتى لم يتراجع بل رفع الكأس أكثر حتى كاد أن يلامس شفتي طارق وعندها قد ضاق الأخير ذرعا عبس وهو يمد يده ليبعده بعيدا عنه يزجره بصوت حانق
قلت لك ابتعد!
وكأن الرياح قد انقلبت ضده إذ فجأة انسكب النبيذ من يد زكريا مندفعا كسيول دموية ليغرق فخذي طارق بلون أحمر داكن وبالطبع هو لا يعلم أن تلك الرياح قد سخرها زكريا لصالحه فما حدث كان عن عمد 
تجمدت ملامح طارق وعيناه تقدحان شررا بينما بدا وجهه ملبدا كسماء عشية عاصفة 
زفر طارق پغضب لكن قبل أن ينبس بحرف تراجع زكريا إلى الخلف واتسعت عيناه ببراءة مصطنعة ورعشة خفيفة اعترت صوته وهو يتلعثم
آسف جدا سيدي لم أقصد ذلك أقسم لك!
حدق طارق في الصبي الماكر مشككا في نواياه لكن قبل أن يقرر كيف يرد ارتفع صوت زكريا فجأة ناثرا كلماته كحجارة في بركة ماء ساكنة
سيدي لن تضربني أليس كذلك
وبلحظة توقفت الأحاديث والتفتت العيون نحوهما في حين أن تسربت الهمسات بين الضيوف كدخان متصاعد من حريق غير مرئي 
حدق طارق في الصبي غير مصدق لما يسمعه متسائلا بدهشة
متى قال ذلك! صحيح أنه ليس رجلا صالحا لكنه لم يمد يده يوما على طفل!
وقف طارق وجهه متجهم كتمثال منحوت في قلب العاصفة وبينما يحاول استعادة زمام الأمور شهق زكريا بأنفاس مرتجفة واندفعت دموعه المصطنعة كشلال صغير قبل أن يهمس بصوت متوسل
سيدي لقد أفسدت بنطالك لا بأس! سأخلع بنطالي وأعطيه لك فقط لا تغضب مني أرجوك لا تضربني كما قلت الآن!
ساد صمت ثقيل توترت فيه الأجواء ولم يتمالك طارق نفسه من الذهول فأخذ يحدق بالفتى لحظة طويلة ثم زفر في إحباط كيف بحق الچحيم انتهى به الأمر في مواجهة طفل مستعد للتضحية بسرواله من أجل ڤضيحة علنية مدعيا أن شخص بالغ مثله قد هدده بالاعتداء!
الفصل 56 
بينما كانت العيون تتقاطر عليه كسهام مسمۏمة شعر طارق وكأنه يقف في ساحة عامة تفتش النظرات ملامحه تزن خطواته وتنبش في تفاصيله كأنه مچرم وقع في قبضة الضوء 
كان طارق على يقين تام بأن بقاءه في هذا المكان ولو للحظة أخرى سيجعله محور الأحاديث وهمسات التأويلات التي تنسج حوله قصصا لم يعشها قط  
كل من لم يدرك كواليس المشهد قد يظنه رجلا ينهال ڠضبا على طفل مسكين أو ربما شخصا فقد أعصابه في غير موضعها لذا لم يكن هناك وقت للتبرير أو الهروب بالكلمات لذا اتجه مباشرة نحو الحمام كأنما يحاول الهروب من فخ استدرجته إليه الصدفة من وجهة نظره  
أما زكريا فقد خلع قناع البراءة في لحظة واحدة وارتسمت على وجهه ابتسامة المنتصر وبحركة محسوبة رفع زكريا معصم يده وأطلق نظرة خاطفة إلى ساعته الذكية قبل أن يلتقط صورة لطارق في تلك الحالة بعد أن نجح في إثارة غضبه إلى أقصى حد
فكانت زاوية اللقطة مثالية تكاد تنطق بحكاية من طرف واحد ولم يكن ذلك كافيا بالنسبة
له فالمتعة الحقيقية لم تبدأ بعد 
تابع زكريا خطوات طارق عن كثب متسللا وراءه إلى الجناح كصياد يدرك أن فريسته لم تستنزف كما يجب 
من بعيد وقع بصر شادية على زكريا فاجتاح قلبها
شعور دافئ يشبه رعشة الحنين التي تسبق العناق 
تسللت نظرتها إليه كنسيم رقيق يلامس الوجوه في صباح هادئ ثم رفعت كوبها برفق إلى شفتيها واحتست منه رشفة كأنها تستطعم الفكرة قبل أن تنطق بها ثم التفتت إلى دينا وقالت بصوت غلفته لمسة من التمني 
يا له من فتى صغير رائع يحمل في ملامحه براءة لم تفسدها الأيام وسکينة تنم عن عقل راجح إنه مهذب ومتزن لو قدر لظافر أن يكون أبا لكان طفله على الأرجح صورة منه  
كان وجه شادية الذي اعتاد الجمود يلين فقط أمام هؤلاء الصغار كأنهم مفاتيح سرية تفتح أبواب مشاعرها الموصدة  
أما دينا فقد فهمت المغزى خلف كلمات شادية فذلك التلميح لم يكن يخفى عليها أبدا إذ كانت تعلم أن شادية تحثها مرة أخرى بلطف متوار خلف الكلمات على الإسراع بمنح ظافر طفلا يحمل ملامحه ويمضي باسمه في دروب الحياة 
لم تجد دينا ردا سوى إيماءة هادئة هزت بها رأسها موافقة وإن كانت أعماقها تضج بالكثير مما لم يقل 
في ذلك الحين ما إن بلغ طارق جناحه حتى التقط هاتفه واتصل بماهر طالبا منه إحضار ملابس جديدة عوضا عن تلك التي غطاها المشروب بالكامل 
لم تمض سوى لحظات حتى أطل ماهر متأبطا حزمة مرتبة من الملابس ووضعها بعناية على الطاولة قائلا بنبرة مهنية جامدة 
لقد وضعت الملابس على الطاولة يا سيدي  
رد طارق بإيماءة مقتضبة ثم قال بصوت خاڤت مشوب بملامح الإرهاق 
حسنا يمكنك الذهاب الآن  
أجاب ماهر بإيجاز
مفهوم يا سيدي  
أدار ماهر المقبض وخرج دون أن يلقي نظرة على زوايا الغرفة غافلا عن ذاك الصبي الصغير المتكوم عند طرف الأريكة كظل كامن في العتمة يراقب بصمت مترصد إذ لم يخطر ببال ماهى للحظة أن أحدا قد يتسلل إلى
غرفة طارق فغادر مطمئنا تاركا الأقدار تعبث بمسرحها كما يحلو لها  
داخل الحمام انهمرت المياه الساخنة على جسد طارق تذيب تعب الليلة الماضية بينما استند بكفيه إلى الجدار يحاول أن يغسل أكثر من مجرد عناء يومه لكنه لم يكن وحده في المشهد  
عند سماع خرير المياه نهض زكريا بخفة لص متمرس يتسلل على أطراف أصابعه كقط بري حتى بلغ الطاولة حيث استقرت ملابس طارق وهاتفه ولم يتردد لحظة بل أمسك بهما واندفع نحو النافذة وفتحها بحذر 
لمعت عينا الصبي بنظرة اڼتقام طفولية ثم همس بسخرية حاقدة قبل أن يلقي بهما نحو المجهول 
هذا ما تجنيه حين تستهين بأمي  
ولم يكتف بهذا بل اقترب من الهاتف المثبت على الجدار وبضغطة ماهرة قطع أسلاكه تاركا طارق محاصرا في عزلته  
وقبل أن يغادر خفض حافة قبعته على وجهه وأسرع خارجا متسللا بين أروقة الفندق المزدحمة  
لكنه في غمرة اندفاعه اصطدم فجأة بأرجل رجل طويل معضل فارتد للخلف ككرة مطاطية ورفع رأسه في اضطراب 
تلاقت نظرات الصبي بعينين باردتين ثابتتين كأنهما تقرآن دواخله في لحظة خاطفة  
أنا آسف تمتم زكريا محاولا تفادي أي اشتباه  
لكن نظرات الرجل اخترقته وسكنه إحساس غريب كأنه يرى انعكاسا غير واضح لنفسه في تلك العيون 
رد الرجل بصوت منخفض كأنه يزن كلماته بميزان العقل 
لا بأس  
ثم أكمل زكريا طريقه راكضا متمنيا أن يكون قناعه وقبعته قد أنقذاه من أي ريبة قد تضج بها رأس ظافر نصران لكن قلبه ظل يتسابق پجنون حتى بعدما غادر الفندق  
وفي تلك اللحظة خرج طارق من الحمام يجفف شعره بمنشفة قبل أن تلمح عيناه الطاولة الفارغة فتوقف لبرهة ثم الټفت بحدة يبحث بعينيه عن ملابسه وهاتفه لكن لا أثر لهما فاندفع نحو الهاتف الأرضي ليجده مقطوعا  
شعر طارق بدمه يغلي كأن أحدا صب الزيت فوق ڼار غضبه المستعرة تأفف بضجر وهو يجز على أنيابه بغيظ فلم يكن أمامه خيار آخر سوى أن يلف المنشفة حول خصره ويفتح الباب ليجد نفسه أمام دهشة نزلاء الفندق وهم يحدقون فيه وكأنه مشهد سينمائي غير متوقع  
بهدوء ساخر اقترب من أحدهم ليستعير هاتفه واتصل بماهر وبعد دقائق من البحث المحموم عثر على ملابسه وهاتفه ملقيين في الطابق السفلي كجثتين باردتين على أرض قاحلة  
تناول طارق الهاتف وقلبه ينبض بالأسئلة لكنه لم يظهر شيئا فقط ضغطه بين يديه بينما ماهر ينظر إليه بقلق قائلا 
هل يعقل أن أحدا يريد الإيقاع بك يا سيد طارق 
نظر إليه طارق نظرة غامضة ثم أجاب ببطء 
لا أظن  
لأن من يريد إيذاءه لن يكتفي بإلقاء ملابسه وهاتفه فقد كان الأمر أشبه بمقلب طفولي لا يشبه إلا عقلية صبي  
توقف عند هذه الفكرة وتجمدت ملامحه وهو يسترجع وجه ذلك الطفل المتنكر المدلل الذي عرض عليه مشروبا متسائلا هل يمكن أن يكون  
ابتلع شكه قبل أن يفلت لسانه بأي اعتراف ثم قطع طارق صمت ماهر بقوله الحازم 
اترك الأمر  
رفع ماهر حاجبيه في دهشة لكنه أطاع وإن كانت