رواية حب ليس له مثيل كاملة


يقف في نهاية الطريق 
تمتمت بخفوت 
طارق 
كان طارق واقفا هناك يرتدي بدلة مصممة بعناية ممسكا بباقة كبيرة من الزهور يداه تحيطان بها كأنها أثمن ما يملك وعيناه عيناه كانتا غارقتين في صمت مريب 
نظر إليها مطولا وكأنما الزمن عاد به إلى لحظة فقدانها وكأن روحه تتهشم من جديد 
ارتجفت أنفاسه حاول أن يقاوم لكن الدموع تسللت إلى عينيه رغما عنه 
في الجهة الأخرى لمع بريق خاطف في عيني سيرين قبل أن تخبو ملامحها إلى حيادها المعتاد وارتفع صوت كعب حذائها في المكان يعلن اقترابها بخطوات راسخة غير مترددة 
أما طارق فشعر وكأن الأرض تشده إلى باطنها تثبته في مكانه وكأن الزهور بين يديه ثقلت فجأة كجبال رواسي حتى أنه لم يقو على حملها 
مرت لحظات بدت وكأنها دهور قبل أن يستعيد طارق وعيه وراح يرمش بعينين متسعتين كأنه يحاول تصديق ما يراه 
لم تكن شبحا لم تكن ذكرى 
سيرين لم تكن مېتة 
ها هي أمامه حية تتنفس وتركل كل ما ظنه حقيقة 
الفصل 31
قد تكون مشكلتي الأبدية هي حساسيتي الزائدة رزقت بعقل مفرط التفكير لا يتجاوز المواقف بسهولة لا يكف عن تحليل جميع الكلمات عقل يعمل لا يكل
كان قلب طارق أشبه بساعة معطوبة تترنح عقاربها بين الماضي والحاضر دون أن تجد لها مسارا مستقيما 
أصبحت مشاعره كعاصفة هوجاء لا تهدأ ولا تستقر تحاول عبثا أن تجد ميناء ترسو فيه 
في تلك اللحظة أراد أن يتحدث إلى سيرين لكن الكلمات فرت من بين شفتيه كحبات الرمل بين الأصابع ظل مترددا هل يعتذر أولا أم يسألها أين كانت كل هذه السنوات أم يكتفي فقط بوجودها أمامه وهو يحاول استيعاب حقيقة أنها لم تعد ذكرى 
لكن قبل أن تكتمل أفكاره مرت سيرين بجواره باردة كنسمة فجر عابرة لم تلتفت لم تمنحه حتى رفة رمش كأن وجوده لم يكن سوى سراب 
وقف مذهولا كمن تلقى صڤعة من الزمن الټفت سريعا لكن الوقت كان أسرع منه كانت قد ركبت السيارة بالفعل واستندت إلى المقعد الجلدي الفاخر وهي تقول للسائق بهدوء قاټل 
انطلق 
نظر إليها وهي تختفي خلف زجاج النافذة الداكن تاركة خلفها ألف سؤال بلا إجابة 
استغرق طارق وقتا طويلا ليستوعب ما حدث كالحالم الذي لم يملك رفاهية فهم ما رآه بعد 
وبينما امتدت يده إلى هاتفه للاتصال بظافر ضربه شريط الذكرياتإذ تبادر إلى ذهنه كيف كان ظافر يعامل سيرين طيلة تلك السنوات وكيف كان هو مجرد متفرج في الخلفية!!
لكنه الآن لم يعد متفرجا لم يكن ليتركها تختفي مجددا أنانيته عندما يتعلق الأمر بها لم تكن تحتمل المراوغة ولهذا دون أن يرف له جفن سجل رقم لوحة سيارتها وأرسل شخصا يتعقبها فهو يريد أن يعرف أين تعيش بل يتطلع كي يعرف كل شيء عنها وبأدق التفاصيل 
على الطريق السريع انطلقت سيارة البنتلي السوداء كطيف هارب من ماض مؤلم 
جلست سيرين صامتة تطالع الأروقة من خلف زجاج النافذة وعيناها تائهتان بين الظلال والأضواء كان بداخلها سلام غريب كأنها سقطت في فراغ بلا نهاية 
لكن وجود طارق في المقپرة لم يكن مجرد مصادفة 
ذكرياته وهو يتنمر عليها لم تبهت كانت لا تزال محفورة في زوايا عقلها في جسدها الذي حمل ندوبا لا ترى في أذنيها اللتين كانتا ضعيفتي السمع منذ البداية وزادت حالتهما سوءا بسبب نوبات الڼزيف التي كانت تصيبها كلما غمرتها العواطف وكل هذا بسببه 
كيف يمكن ألا تكرهه 
أحيانا كانت تتساءل ماذا لو لم تنقذه في ذلك اليوم هل كانت ستعيش حياة طبيعية الآن بلا آلام بلا عواقب ذلك القرار الطائش 
لكن الندم لم يكن رفاهية متاحة كان هناك شيء أهم شيء أقوى من كل الچروح القديمة 
نوح 
كان عليها إنقاذ نوح بأي ثمن 
ولهذا تظاهرت بأنها لم تعرف طارق وكأنه مجرد وجه آخر
في زحام المدينة فلا حاجة لإثارة المتاعب ولا حاجة لتوريط نفسها في حرب جديدة خاصة
وهي تعلم يقينا أنه سيفعل أي شيء من أجل دينا 
في طريق العودة حيث كان الليل قد أسدل أستاره الثقيلة على المدينة تلقت سيرين اتصالا مفاجئا من وكالة Carnival Central Media 
كان الهاتف يرن بنغمة مألوفة تسربت إلى أذنيها كهمس القدر فأجابت بصوت محايد لكنها كانت تعلم أن المكالمة تحمل في طياتها أكثر من مجرد عرض عابر 
جاءها صوت واثق من الطرف الآخر يحمل نغمة رسمية تموج بالحماس 
هل هذه السيدة ساسو نحن من أشد المعجبين بأعمالك وقد بلغنا أنك أصدرت مقطوعة موسيقية جديدة ونحن نود الحصول على حقوقها فلا تقلقي بشأن المال فهو آخر ما قد يشغل بالك 
كان هذا العرض قادما من أكبر وكالة مواهب تابعة لمجموعة نصران حيث تعمل دينا المغنية الشهيرة وأحد أنجح الأسماء في صناعتهم 
أما عن سيرين التي لم تكن مجرد مديرة لشركة تجارية بل أيضا مؤلفة موسيقية مرموقة تتخفى تحت الاسم المستعار ساسو كانت قد خططت لكل شيء بدقة إذ تعمدت نشر أخبار عن مقطوعتها الجديدة قبل عودتها إلى الوطن لكن ليس طمعا في البيع بل طمعا في اقترابها من ظافر 
الآن وبعد أن صار ظافر في متناول أنظارها لم تعد هناك حاجة لبيع موسيقاها على الإطلاق 
بهدوء محسوب أجابت 
آسفة لا أفكر في التعاون حاليا 
لكن المديرة على الطرف الآخر لم تستسلم بسهولة فتابعت بإصرار 
سيدة ساسو نحن مستعدون لجعل نجمتنا اللامعة السيدة دينا تؤدي الأغنية تخيلي مدى النجاح الذي ستحققه حينها 
قاطعها صوت سيرين الذي جاءها جافا كسيف يشهر في وجه العروض الفارغة 
لو كان المغني شخصا آخر ربما كنا سنكمل هذه المحادثة 
ثم بكل هدوء أنهت المكالمة 
في المقر الرئيسي ل Central Media كانت سيمون مديرة أعمال دينا تحدق في هاتفها غير مصدقة 
للحظات ظلت صامتة كمن يحاول استيعاب الصڤعة التي تلقتها للتو ثم استدارت نحو دينا التي كانت تجلس مسترخية تتأمل أظافرها المصقولة بملل وقالت 
ديدا السيدة ساسو رفضت العرض 
رفعت دينا حاجبا في دهشة خفيفة قبل أن تميل برأسها قليلا وتقول بنبرة بطيئة وكأنها تحاول استيعاب الأمر 
ألم تخبريها أنها تستطيع تحديد السعر الذي تريده 
فعلت ردت سيمون وهي تهز رأسها لكنها رفضت رغم ذلك 
كانت سيرين أو ساسو كما يعرفها العالم ظاهرة فنية خارج الحدود كل مقطوعة موسيقية تصدرها تتحول إلى نجاح ساحق حتى أن أغنيتها الشهيرة فتاة مشټعلة تمت ترجمتها إلى عدة لغات وحققت جميع إصداراتها انتشارا غير مسبوق 
أما دينا فقد توقفت مسيرتها عند مفترق طرق فكانت بحاجة إلى أغنية تضخ الحياة في شهرتها المتراجعة 
حدقت في سيمون للحظة ثم سألتها بصوت منخفض لكنه مشحون بالڠضب
المكتوم 
هل كانت تعلم أنني سأغنيها 
أومأت سيمون برأسها ثم أعادت على مسامعها الكلمات القاطعة التي ألقتها سيرين قبل أن تغلق الهاتف 
في تلك اللحظة تغير وجه دينا حيث كانت نظرتها تحمل مزيجا من الدهشة والإهانة والڠضب الممزوج بكبرياء جريح ثم بعد لحظات تكلمت بصوت بارد 
من تظن نفسها عليها أن تكون ممتنة لأنني فكرت حتى في الغناء لها! 
لكن سيمون التي تعرف تماما كيف تسير الأمور في هذه الصناعة اقتربت منها وقالت بنبرة خبيثة 
دينا أليس السيد طارق صديقك وكذلك السيد نصران أراهن أنه لن يكون من الصعب الحصول على الأغنية إذا قررا التدخل 
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي دينا لم تكن سوى شرارة أولى لشيء أكبر يحاك في الخفاء 
الفصل 32 
كانت ملامح دينا شاحبة وكأن ظلا ثقيلا من الحيرة والضيق قد ألقى بنفسه فوق قسماتها لم تفهم بعد ما الذي يجري لكن شيئا ما في طارق تغير جذريا خلال السنوات الأربع الماضية وكأنه لم يعد ذلك الرجل الذي عرفته إذ كان دوما ما يشيح بوجهه عن كل مطالبها يتجاهلها بصمت قاټل كأن بينهما جدارا شفافا تراه ولا تستطيع اختراقه 
أما عن ظافر فلم تكن دينا واثقة من أنه سيكون عونا لها لكنه كان من أولئك الرجال الذين لا يعجزون عن ترويض المستحيل 
لكن دينا لم تكن ممن يطلبون شيئا ولا يحصلون عليه 
قالت بلهجة قاطعة تحادث ظافر وعيناها تضيقان كما لو كانت تحاصر الهدف في ذهنها 
ابحث عن طريقة يا ظافر أي طريقة لا يهم كيف المهم أن أحصل على أغنيتها 
عندما أنهت سيرين المكالمة مع سيمون كانت عيناها كبحرين متجمدين لا أثر للدفء فيهما 
لم يكن في هذا العالم من يعرف دينا أكثر منها فقد تشاركتا ذات الطرق واصطدمتا بذات الأقدار 
في عالم الترفيه والموسيقى لم تكن دينا إلا ذئبا في ثوب فنانة تعرف جيدا كيف تتسلل إلى عقول الآخرين وتقتنص جهدهم 
ولولا ظافر وطارق اللذان قدما لها دعمهما المطلق دون قيد لما استطاعت أن تصل إلى ما وصلت إليه لكنها كانت بارعة في استغلال الفرص تتغذى على طيبة الآخرين كما يتغذى الطفيلي على عائله لكن سيرين فكانت مختلفة مختلفة جدا 
كيف لا وهي التي عرفت معنى العزلة في قلب الضوضاء كانت تعيش في عالم الصوت لكنها لم تسمعه كما يسمعه الآخرون 
ضعف سمعها كان حاجزا جدارا يعزلها عن كثير مما يمر به الآخرون دون أن يدركوه لكن رغم كل هذا إنها أبدا لم تستسلم فقد خلقت موسيقاها من قلب الصمت نحتت ألحانها كما ينحت فنان بارع تمثالا من صخر بضربات من الإرادة لا تعرف اللين 
لسنوات كرست نفسها لرعاية زكريا ونوح وفاطمة كانت لهم جميعا بمثابة الأم والأخت والسند الذي لم يتزعزع يوما إذ صنعت من تعبها حياة كريمة لهم فكيف يمكنها أن تبيع موسيقاها لدينا مقابل المال المال وحده لم يكن يوما كافيا ليملأ الفراغات التي يعرفها قلبها جيدا 
عادت سيرين إلى مسكنها الجديد وبمجرد دخولها وضعت هاتفها جانبا وولجت إلى الحمام تاركة الماء الساخن ينساب فوقها يغسل تعب الأيام من روحها لكن الإرهاق كان أثقل من أن يغسله الماء وحده وما إن أغلقت عينيها للحظة حتى سقطت في سبات عميق هناك في حضڼ الماء 
استيقظت على رنين هاتفها الأرضي اللاسلكي المتواجد بغرفة الاستحمام ففتحت عينيها ببطء وكأنها تحاول استيعاب أين هي ومن ثم رفعت سماعة الهاتف برفق جاءت المكالمة من كوثر 
ساسو
سأعود خلال بضعة أيام 
ارتدت سيرين رداء الاستحمام وخرجت إلى غرفتها تبتسم وهي تقول 
سأستقبلك بأجمل ترحيب حين تعودين 
سمعت سيرين
صوت كوثر الذي يفيض بالقلق من الطرف الآخر وهي تتساءل باهتمام بالغ 
أخبريني كيف حالك مؤخرا هل لا زال ظافر يعاملك بفظاظة وتلك الحية دينا هل علمت أنك عدت 
لم تحتج سيرين إلى التفكير طويلا قبل أن ترد وكأن كلماتها ولدت من يقين لا يتزعزع 
تقدمت نحو النافذة وفتحتها قليلا فاندفع نسيم الهواء يداعب وجنتيها فأغمضت عينيها للحظة ثم قالت بصوت هادئ لكنه يحمل بين طياته شيئا من الصلابة 
دينا لم تعلم بعد لكنها ستعرف قريبا 
أما ظافر فابتسمت بخفة وهي تتنفس بعمق وكأنها تذيب في داخلها أي أثر للخوف ثم أردفت كمن