رواية حب ليس له مثيل كاملة


يعرف النهاية مسبقا فزفر بعمق وقال 
يبدو أنه ليس لدي خيار سوى الذهاب إلى المدينة لرعايتها  
نعم أغمض نوح عينيه ثم أضاف بصوت مبحوح لو لم تكن صحتي بهذا السوء لذهبت معك وربما قټلت ذلك الوغد  
كانت سيرين بعيدة عن كل هذا تجهل تماما ما يدور في الظلام خلف ظهرها ومخطط توأميها للقصاص من أبيهما بات غولا يتوحش بصدر
الصغيرين 
بعد استحمام دافئ استلقت سيرين على سريرها تعانق دميتين الأرنبيتين كطفلة تبحث عن أمان مفقود لكنها لم تجد راحة هذه الليلة إذ أخذت تقلب جسدها تنام وتستيقظ كأن السرير غريب عليها أو ربما لأن أفكارها تأبى أن تهدأ كابرت وأرجعت السبب كون اليوم كان طويلا أو ربما لأن ظافر قد عاد إلى حياتها تعلم أن كلمة ربما ليس لها محل من الإعراب هنا فالسبب ظافر  
عندما فتحت عينيها أخيرا كان الصباح قد تسلل خلسة إلى غرفتها فنظرت إلى الساعة إنها 510 صباحا 
زفرت بضيق ثم التقطت هاتفها لتجد إشعارا برسالة غير مقروءة  
كان كارم قد رتب لها حارسا شخصيا جديدا رامي حداد  
فتحت الرسالة فكان رامي قد كتب لها 
السيدة تهامي لاحظت أن هناك سيارة تراقب مسكنك منذ عودتك الليلة الماضية ولم تغادر حتى الآن  
تسارعت نبضاتها وهي تحدق في وقت الإرسال 0300 صباحا  
أرسلت سريعا 
هل لا يزال هناك 
جاءها الرد بعد لحظات قصيرة 
نعم  
لم تكن بحاجة للتفكير كثيرا لقد عرفت فورا أن هذا أحد رجال ظافر  
تنفست ببطء قبل أن ترد بهدوء 
لا تقلق دعه يراقب كما يشاء فكلما اقترب كلما كان ذلك أفضل لي  
بعد الإفطار غادرت سيرين منزلها بخطوات ثابتة ترفرف حولها هالة من الغموض الذي التصق بها كظل لا يفارقها 
جلست في المقعد الخلفي للسيارة وألقت بأمرها إلى السائق بصوت ناعم لكنه لا يخلو من الحزم 
خذني إلى مجموعة شركات نصران  
انطلقت السيارة تشق شوارع المدينة حيث كان ضوء الصباح الباكر يتسلل من بين المباني كخيوط ذهبية تنسج يوما جديدا لكن داخلها لم يكن هناك جديد 
كانت كعادتها حبيسة أفكارها مشدودة إلى ماض لم ينته بعد  
في تلك الأثناء كان ظافر جالسا في مكتبه الفخم تتراقص بين أصابعه ورقة تحمل رقما قد يغير مصير حياة بأكملها شيك بقيمة خمسين مليون دولار حررته له سيرين مقابل قلادة الزمرد 
بقى ظافر يرمق الأرقام الضخمة بطرف عينيه لكنه في الحقيقة كان يراها أصفارا خاوية لا تعني له شيئا أمام سؤال واحد ظل يطن في رأسه أين كانت طوال السنوات الأربع الماضية ومن أين لها بكل هذا المال 
التوى ثغره بابتسامة تهكمية فعلى ما يبدو أن سيرين كانت تعيش في بعد حياة مترفة ولا يوجد من يمكنه توفير تلك الرفاهية سوى شخص واحد كارم 
زمجر ظافر بزئير غاضب أظهر مدى مقته لغريمه كارم وود لو كان أمامه توا فحينها لن يتوان ظافر عن تقطيعه إلى أشلاء يحتارون في جمعها 
منذ الليلة الماضية قد كلف ماهر شخصا بمتابعة سيرين خلال الليل وها هو يقف الآن أمام ظافر ملامحه متوترة كما لو كان يحمل في جعبته شيئا يوشك على تفجير
المكان 
قال ماهر بصوت خاڤت لكنه محمل باليقين 
سيدي لدينا أخيرا بعض الأخبار السيدة تهامي شوهدت في أحد
الأحياء العامة الليلة الماضية  
رفع ظافر عينيه نحوه ببطء كمن يزيح الغبار عن ذكرى قديمةيتساءل بإلحاح
وماذا عن سجلات المطار ومحطة القطار هل تم رصد أي حركة دخول أو خروج 
تردد ماهر لحظة قبل أن يجيب 
لا شيء تماما كما حدث من قبل كما لو أن هناك من تعمد طمس أي أثر لها  
زم ظافر شفتيه لقد كانت مختفية لأربع سنوات كاملة والآن تعود فجأة لتظهر في مكان غير متوقع لم يبتلع الأمر بسهولة فلقاء البارحة لم يكن مجرد مصادفة كان أشبه بيد القدر تمتد نحوه لتعبث بأوراقه من جديد  
أخذ ماهر نفسا عميقا ثم أضاف بحذر 
هناك أمر آخر بحسب التقارير المنطقة التي تعيش فيها السيدة تهامي تخضع لمراقبة مشددة  
نظر إليه ظافر بنظرة لم يفهمها لكنها حملت من البرود ما جعل الغرفة تزداد برودة رغم حرارة الجو بالخارج وقال بصوت جاف لكنه قاطع 
استمروا في البحث عنها لا أريد مفاجآت أخرى  
كما تأمر سيدي  
حدق ظافر فيه لثوان ثم ألقى عليه جملة أخيرة بصوت خفيض لكنه كان كافيا ليجعل ماهر يتجمد في مكانه 
إذا أفلتت منا هذه المرة لا داعي لأن تبقى في هذه المدينة بعدها يا ماهر أسمعت  
مفهوم سيدي  
غادر ماهر بخطوات متسارعة تاركا ظافر وحده مع أفكاره قلبه لم يكن مرتاحا عقله يضج بعشرات السيناريوهات كان يريد أن يذهب بنفسه ويقتلعها من حيثما اختبأت ليضعها أمامه ويبحث في عينيها عن الحقيقة التي تخفيها لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة  
فقدان ذاكرة 
لا لم يكن ليبتلع هذا الهراء! 
لم يكد يلتقط أنفاسه حتى عاد ماهر مجددا يطرق الباب بعجلة ليطل برأسه ويقول 
سيدي يبدو أن السيدة سيرين في طريقها إلى هنا  
رفع ظافر رأسه ببطء لم يبتسم لم يتفاجأ فقط تمتم بكلمات لم يسمعها أحد غيره 
أخيرا 
الفصل 29
في قبضة القدر لقاء لا مفر منه
انعقد حلق ظافر وكأن يدا خفية شدت عليه وظهرت في عينيه تلك النظرة التي لا تخطئها عين مزيج غريب من التأهب والارتباك 
لم يكن بحاجة إلى أن ينطق بحرف فالصمت وحده كان كفيلا بأن يفهم ماهر ما يدور في رأسه 
في كواليس مجموعة نصران كانت الأحاديث تتناثر كالهشيم في مهب
الريح 
الجميع يترقب قدوم رجل الأعمال الغامض الذي قيل إنه سيضخ أموالا طائلة لدعم مشروع الأمل ذاك المشروع الخيري الذي أعدت له العدة ليكون بصمة لا تمحى في سجل الإنسانية 
تبادلت الألسن الهمسات والتكهنات
أي نوع من الأعمال التجارية هذا الذي يدفع صاحبه إلى رمي أمواله بهذا السخاء!
هل هو بعيد المنال
ومن يدري ربما يملك من المال ما يثقل كاهله فلا يجد له مصرفا!
سمعت أنه أتى
من خارج البلاد 
وفي هذه اللحظة تحديدا ظهرت سيارة سيرين الفارهة أمام المقر الرئيسي لمجموعة نصران وتوقفت بثبات كأنها سفينة ألقت مرساتها بعد طول إبحار 
رفعت سيرين بصرها إلى ناطحات السحاب التي ارتفعت شامخة كل واحدة منها تروي فصولا من قصة نجاح بدأت بخطوات ثابتة وانتهت بإمبراطورية تحسب لها ألف حساب 
كل ذلك كان بفضل الإدارة الحديدية لظافر ورؤيته الثاقبة التي جعلت الشركة تحلق في سماء النجاح وكأنها طائر جبار لا يعرف الهبوط 
لكن سيرين لم تكن أقل شأنا أربع سنوات مضت لم تهدرها سدى بل حولتها إلى سلاح ماض فبمساعدة كارم أطلقت سيرين شركتها الخاصة وراحت تنسج خيوط نجاحها بصبر ودقة وراكمت ثروة لم تكن تتخيل أنها ستصل إليها يوما 
أما الآن وقد عادت إلى المدينة فقد جاءت محملة بخطط محكمة ولم يكن مشروع الأمل سوى البوابة التي ستعبر من خلالها إلى قلب اللعبة 
كانت تعلم أن مجموعة نصران بصدد إطلاق هذا المشروع الطموح حيث سيتم ضخ رؤوس أموال ضخمة لتنفيذه على مستوى البلاد لذا وجدت الفرصة سانحة لتقديم اقتراح استثماري يفتح لها الباب للعب دور في هذه المعادلة وللاقتراب من ظافر ليس كمتفرجة بل كجزء من المشهد 
لم تترك شيئا للصدفة كانت تدرك أن مجرد تقديمها لعرض شراكة مالية لم يكن ليكفل لها فرصة لقاء ظافر وجها لوجه لذا اختارت أن تسبق خطوتها الأولى بمفاجأة مدوية 
في الليلة الماضية ظهرت في المزاد الخيري حيث الأضواء تتقاطع والعيون تترقب لم تكن بحاجة إلى أن ترفع صوتها أو أن تثير ضجيجا حضورها وحده كان كافيا ليشعل فضول ظافر ويدفعه إلى الاقتراب على ظهر أسده الخاص!
عندما انفتح باب السيارة ببطء نزلت سيرين بخطوات واثقة كأنها ملكة تهبط من عرشها على أرض المعركة 
الهواء النهاري لامس بشرتها برقة بينما تراقص ضوء الشمس على ثوبها الأنيق كأنها شهب تائهة في فضاء مظلم 
كان ماهر ممثل مجموعة نصران يقف عند المدخل ينتظر بترقب يشوبه القلق وبمجرد أن
وقعت عيناه عليها انتفضت ملامحه بدهشة خفية 
لم يكن يتوقع أن يكون صاحب العمل امرأة! بل امرأة تحمل حضورا طاغيا يسبقها بخطوة 
تلعثم لثوان قبل أن ينطق
أنت تهامي
رفعت حاجبها في مزيج من الاستفزاز والمرح وكأنها تراقب رد فعله كصياد يختبر صبر فريسته 
لم تؤكد ولم تنف بل تركت الغموض يتلاعب بفضوله 
لماذا هل يبدو لك أنني لا أستطيع أن أكون تهامي
ارتبك للحظة ثم حاول التراجع عن سوء التقدير
بالطبع لا أنت ملاك جميل من الداخل والخارج 
كانت كلماته تتدحرج بسهولة مبالغ فيها وكأنه ينفث دخان مجاملة زائفة 
ابتسمت سيرين ابتسامة هادئة بينما عقلها يدرك الحقيقة لقد وقع في فخها بسهولة 
قادها ماهر إلى قاعة كبار الزوار ثم انحنى قليلا قبل أن يغادر ليستدعي المسؤول 
بقيت سيرين في الغرفة تتفحص المكان بعيني صقر يدرس أرضه قبل الھجوم 
لم يطل انتظارها فسرعان ما تناهت إلى مسامعها خطوات واثقة يتبعها صوت باب يغلق بإحكام خلف الداخل 
رفعت نظرها فتلاقت عيناها بعينين تعرفهما جيدا عينين كأنهما شفرتان باردتان تستعدان لشق طريقهما إلى أعمق نقطة في عقلها 
إنه ظافر 
لم يكن بحاجة إلى أن ينطق اسمه فقد كانت نظراته تكتب اسمه في الهواء بينها وبينه 
التقت أعينهما في صمت متوتر لكنه كان صمتا صاخبا بالأسئلة غير المنطوقة 
أما سيرين فقد تظاهرت بالدهشة وكأنها ترى وجها غريبا لأول مرة 
أنت
تضييق عينيه الطفيف كشف عن عدم تصديقه لكنها تابعت عرضها ببراعة ممثلة محترفة 
اقترب منها خطوة فبدا كأن الهواء بينهما صار أثقل وكأن الغرفة ضاقت فجأة 
همس بكلمات ذات مغزى كمن يلقي شبكة من الشك حولها
يا لها من مصادفة 
تعمد التوقف عند الكلمة الأخيرة ناطقا إياها وكأنه يكشف خدعة سحرية أمام جمهور مذهول 
لكنها لم تترنح بل أمالت رأسها قليلا وحدقت فيه ببرود متصنع
أنت المسؤول عن هذا المشروع
ابتسم ظافر ابتسامة باهتة لكنها كانت تحمل خلفها ألف معنى ومن ثم أجابها بابتسامة واثقة
أنا مسؤول عن مجموعة نصران 
ثم أضاف ببطء مقصود
اسمي ظافر نصران 
نظر إليها نظرة طويلة وكأنه يعيد رسم ملامحها في ذاكرته يبحث عن الفجوات عن العلامات التي قد تكشف سرها 
في ذلك اليوم اختارت سيرين ارتداء ملابس عمل رسمية بألوان حيادية لا تحمل أي رسائل لكنها رغم ذلك بدت أكثر حضورا مما أراد أكثر قوة مما توقع وكأنها جاءت لتقلب الطاولة لا لتجلس عليها 
قبل أن تطأ قدماها عتبة اللقاء كان ظافر قد فكك اللغز بأكمله 
لم يكن بحاجة