رواية لولا التتيم بقلم ناهد خالد


ما يتجاوز الثلاث لقيمات بعد.. ولكن ما جعل معدتها تتقلص برفض تام للطعام حين وضعت شادية أمامها قرصا من الفلافل التي فاحت رائحتها مخترقة أنفها بشدة وحثتها على تناوله قائلة
_كلي يا لليان طعمية سخنة هتعجبك.
رائحتها لم تكن سيئة لكن لا تعلم لم أثارت غياثنها تمالكت ذاتها وهي تنهض بحرص من فوق الأرضية مغمغمة بشكر
_ ثانكس يا طنط أنا حقيقي مش قادرة أكل.
وبشكل تلقائي كانت تمسد على بطنها البارزة لتهدأ من انقلابها وعيناه كانت تتابعها بسخرية في أول الأمر وهو يرى تحقق توقعاته بأنها لم تستطع التخلي عن إنفتها وتناول طعامهم البسيط الذي بالطبع لم تراه يوما سوى في التلفاز.. ولكن انتابه القلق حين رأى امتعاض ملامحها وتمسيدها على بطنها بعدم راحة لينهض واقفا وهو يقول بلهفة لم تخفى عن الجميع
_ أنت تعبانة
حولت بصرها فورا لزينب التي تتابع الأمر بهدوء لتعود بنظرها له وهي تردد بملامح أكثر امتعاضا
_ مش حاسة إني مرتاحة يمكن محتاج ارتاح.
نظرتها ل زينب نبهته وأشعرته أنها فقط تتصنع التعب لتثير حنق التي تظنها زوجته فعاد الجمود يحتل وجهه وهو يقول
_ خلاص اطلعي ارتاحي.
اشټعل الغيظ في حدقتيها وهي تسمع جملته ألن يرافقها للأعلى ليطمئن عليها حتى!
_تعالي يا لليان هطلع معاك.
والعرض الذي كان من المفترض أن يأتي منه آتى من شقيقته فضغطت على أسنانها كابحه ڠضبها
_ ثانكس يا علياء أنا هطلع لوحدي متتعبيش نفسك.
اتجهت لباب الشقة خارجة ومغلقة الباب خلفها لكنها وقبل أن تصعد شعرت أنها لم تشفي غليلها وأت بخاطرها فعل ما فابتسمت بخبث قبل أن تعود للباب ورنت جرسه متوقعة أنه من سيفتح فقد كان الوحيد الذي نهض عن الطعام.. وبالفعل صدق حدسها حين فتح الباب يقول
_ نسيت حاجة
كادت تعنفه لطريقته الباردة معها لولا أنها رأت زينب تقف على مسافة خلفه بعدما كان من الواضح أنها أقبلت لترى الطارق.. 
استندت على باب الشقة بدلال وهي تتمهل في حديثها بصوت قصدت إيصاله للأخرى
_هتيجي معايا بكره للدكتور عشان تشوف البيبي
ورغم لهفته لفعل هذا إلا أنه رد ببرود كي يثير غيظها
_هشوف ظروفي.
حاولت التحكم في ڠضبها من رده وهي تسأله بهدوء
_ يعني ايه هتشوف ظروفك أنت مش عاوز تشوف ابنك مش كفاية مجتش معايا ولا مرة عند الدكتور..
كاد يجيبها بأنها السبب في هذا ويندلع شجارا لن ينتهي الآن لكنه انتبه لنظراتها التي تتركز على شئ خلفه فنظر بجانب عيناه لمن يقف خلفه فأبصر زينب والآن فهم الأمر إذا هي لا يهمها أن يأتي أم لا كل ما في الأمر أنها تحاول مرة أخرى إثارة غيظ الواقفة خلفه عاد ببصره لها قبل أن يقول بأنفاس مخټنقة
_ هشوف ظروفي قولت..
ألقت نظره عابرة على زينب قبل أن تقول بدلال متقن
_ براحتك يا حبيبي.. هروح أنام أنا بقى.. تصبح على خير.
أنهت جملتها بقبلة عميقة على وجنته قبل أن تبتعد صاعدة للأعلى وتابعتها نظراته التي إن تعمق بها أحد لهاله ما يرى! لم تدرك تلك الحمقاء ما فعلته بقبلتها العابرة تلك فلقد أشعلت بداخله بركان مشاعره الخامدة منذ أشهر والتي يحاول تجنبها منذ أتت كي لا يفسد انتقامه منها..
_ياريت تخلص الموضوع ده بقى يا بدر عشان أنا مش متحملة الوضع ده ولا نظرات مراتك لي.
هذا ما هتفت به زينب ليلتفت لها بعد أن أغلق الباب وهو يقول بحرج
_ انا بجد آسف إني وضعتك في موقف محرج زي ده بس..
قاطعته بهدوء
_ أنا شايلة هم مراتك وابنك من القهرة والزعل أكتر من حرجي.. ياريت تخلص المسلسل البايخ ده بسرعة.
حك مؤخرة رأسه بتوتر قبل أن يسألها
_ أنت ناوية ترجعي أسيوط امتى!
_ أنا قايلة لمصطفى إني هقعد هنا الأسبوع الي هيغيبه في شغله.. أنت عارف معرفش حد في أسيوط وبخاف أفضل هناك لوحدي.
_هو مؤمريته فين
_ اسكندرية بس حاجة سريعة يعني وأنا استأذنته أجي هنا المرة دي بدل ما ارجع عند ماما تاني وأنا لسه مروحه من عندها مبقاليش يومين.
ضحك بخفة قائلا
_ أحسن.. حد قالك تتجوزي ضابط!
ابتسمت بخبث وهي تصحح
_ضابط في الأمن الوطني ها.. متنساش بس عشان لو عرف الي بتقوله ده ولا حاجة.
حمحم بتوتر مصطنع وهو يشير لباب الشقة
_ تقريبا لليان بتناديلي هطلع اشوفها.
ضحكت بخفة عليه ما إن خرج مهرولا من الشقة. 
_______________________
بعد عدة أيام..
لا تشعر أنها بخير أبدا.. هناك أعراض غريبه تشعر بها منذ وقفت لتعد طعام الغداء قبل عودته من العمل وهي تشعر بهبوط حاد حتى أن أنفاسها ثقلت عليها وعرقا غزيرا يتصبب منها رغم دوران المبرد والآن دوارن طفيف ألم بها حتى كادت تفقد توازنها.. استندت على طاولة المطبخ ذو الطابع الأمريكي وهي تلتقط أنفاسها بثقل تشعر بنيران حاړقة ټضرب جسدها بالكاد أطفأت المقود وبخطى مترنحة كانت تصل لهاتفها الموضوع قريبا من المطبخ التقطته بعدما جلست على كرسي ما وطلبت رقمه.. أتاها الرنين مرة واثنان وثلاثة ولم يجيب ومع كل مرة كانت تسوء حالتها بسرعة لا تستوعبها حتى بدأت تأن ۏجعا لا تدرك تحديدا من أين يأتي لكنه قوي وانسدلت دموعها بعجز.. تريد من يسعفها حالا وعاصم لا يجيب كالعادة منذ اتخذ موقفه منها وهو لا يجيبها حين تهاتفه لتعلم متى سيأتي كنوع من انواع التجاهل ولكن الآن الوضع اختلف وياليته يعلم..
لا تعلم كيف وصلت لباب الشقة ولم تهتم حتى بملابسها البيتية المكونة من بنطال أسفل الركبة بقليل وكنزة بالكاد تتعدى خصرها.. هدفها هو الشقة التي أمامها التي لا تعلم من يسكنها حتى هذا لأنها سكنت من عدة أيام فقط تسمع غلق وفتح بابها أصوات عادية تأتي من الداخل لكنها لا تعلم عن قاطنيها شيئا...
دقت فوق الباب وهي تشعر بذاتها تنزلق لأسفل لكنها تتماسك قدر المستطاع لا تعلم بعد متى فتح الباب أخيرا لترى الشخص الذي أمامها بصورة متضاعفة لكنه تبين لها أنه رجل!! وهل يهم الآن !! 
كل ما استطاعت قوله هو تمتمه ضعيفة كزقزقة عصفور مريض
_ ااا.. الحقني.
وبعدها كانت تسقط بين يده!
___________________
زفرت بيأس على حالة ابنتها التي لم تكف عن البكاء كلما شردت مع ذاتها قليلا جلست أمامها وهي تقول بنزق
_ وبعدين يا صفية مش كدة يا بنتي! بقالك كام يوم على الحال ده من آخر مرة يوسف كان هنا!
كفكفت دموعها بظهر كفها وهي تقول بتعب
_ أنا كويسة.
لوت والدتها فمها بعدم رضا
_ كده وكويسه!
ابتلعت غصة مريرة انتابتها وهي تقول
_ أنا بس.. أنا بس صعبان علي نفسي ده حتى مش ملتمسلي العذر.. ده شايفني أوفر و..
صمتت بعدما لم تستطع التحكم في تلك الغصة التي كادت ټخنقها لتستمع لوالدتها تقول
_ تعرفي أنا ولا لحظة زعلت منه ولا خدت موقف ده كفاية أنه حافظلي على حياة بنتي.
حولت بصرها لها بدهشة وهي تقول
_ واللي عمله في أنت بجد امتى هتحسي بي حرام عليك بقى أنا تعبت.
صړخت بالاخيرة وهي تنهض ملتقطة حقيبتها پعنف تتجه لباب الشقة لتذهب للروضة لاصطحاب طفلها وصوت والدتها يتبعها
_ لما ابنك يكبر وتشوفيه بيأذي نفسه من غير ما يحس وحد اتدخل ينقذه هتشكري الحد ده ألف مرة أنه حافظلك على حياة ابنك حتى لو كان المقابل أذى تاني.. بس اهو قضى أخف من قضى.
أمسكت بمقبض الباب وهي تلتفت لوالدتها وقالت بنظرة معاتبة
_ لما ابني يكبر دايما هحسسه إن لو الدنيا كلها ضده أنا الوحيدة الي هبقى في صفه لو العالم كله مفهمهوش أنا الوحيدة الي فهماه هحسسه دايما إني حاسة بيه وبمشاكله.
فتحت الباب وخرجت مغلقة إياه خلفها لتتمتم والدتها وهي تنظر لأثرها
_ لسه مفهمتيش معنى الضنى الإبن يا بنتي.
___________
لم يتخيل أن يدق قلبه هكذا لرؤية طفله في هذا الجهاز الصغير وسماع نبضاته فقد أتى معها للطبيب اليوم بعدما أخبرته منذ عدة أيام أن الطبيب برحلة عمل ولن يعود في الموعد المحدد لها لذا تم تأجيلها للأسبوع القادم.. ويعلم أنها كاذبة فالأمر كان مجرد كڈبة منها لتثير ڠضب زينب حين وقفت على باب الشقة تتغنج له وهي تخبره بضرورة ذهابه معها للطبيب..
_ ها يا دكتور باين نوعه
أستفاق على سؤالها المتلهف إذا هي لم تعلم نوعه بعد حقا ليتلهف قلبه للإجابة رغم أنه سيسعد به أيا كان نوعه ابتسم الطبيب وهو يحرك الجهاز فوق بطنها متابعا الشاشة الصغيرة
_ عذبنا الباشا على ما عرفنا نوعه.. شكله كان عاوز يعملها مفاجأة
عشان
كده كان لافف على نفسه.
ابتسم ثغر بدر تلقائيا مرددا
_ هو ولد
أومئ الطبيب موافقا لتبتسم لليان هي الأخرى فكم رغبت أن يكون مولودها الأول صبي ليصبح سندا جديدا لها وسندا لمن سيأتي بعده خاصة وإن كانت فتاة فيكن لها ظهرا..
خرجا من عند الطبيب ولليان مبتسمة بسعادة فهذه أول مرة يأت معها للطبيب لكن ماټت ابتسامتها حين سمعته يقول
_ هسميه حسين على اسم بابا الله يرحمه.
شهقت بقوة وهي تقف محلها ليلتف لها باستغراب لملامحها المتحفزة
_ مالك
رفعت إصبعها تهتف بحسرة
_ حسين.. حسين يا بدر حرام عليك.. بقى أبوه يبقى اسمه بدر وأمه لليان وهو نسميه حسين!
تجاهل حديثها ليتجه للمصعد الكهربائي لاستقلاله للهبوط من الطابق السابع في تلك المستشفى الخاصة الضخمة والتي تنتمي لأصحاب الطبقة المخملية اتبعته وهي تهتف لذاتها
_ والله أبدا على چثتي اسميه حسين..أنا ابني يبقى اسمه..
_ حسين.
رددها حين وصلت لجواره وانغلق باب المصعد عليهما لتحتد ملامحها وهي تنظر له مرددة
_ انسى يا بدر مش هسميه حسين.
وببرود كان يردد
_ هنشوف.
ارتفع صوتها وهي تهتف بعصبية
_ ايه الي هنشوف.. ده ابني ومن حقي اختار اسمه معاك وأصلا بقى لو صممت مش والدة ايه رأيك
التف بجسده لها لېعنفها على ارتفاع صوتها وحدتها في الحديث لكن ما أوقفه هو توقف المصعد فجأة في نفس اللحظة التي أغلقت فيها أنواره ورن في أذنهما صوت مرتفع يعلموه جيدا..
لصقت نفسها به وهي تتمسك بذراعه بشدة مرددة بوجه شاحب وشفاه مرتجفة
_ بدر..ده...دي سرينة الحريق.. صح
ابتلع ريقه پخوف مماثل لها وإن كان خوفه الأغلب عليها وعلى طفله
_ قطعوا الكهربا.. أكيد فصلوها عشان الحريق.
حاولت دعم ذاتها لتقول برفض
_ لا.. لا أكيد مش هيقطعوها كتير.. دي مستشفى يعني غرف عناية وأجهزة.
تذكر آخر رقم ظهر على لوحة المصعد ليسألها بقلق
_ أنت تعرفي أدوار المستشفى دي
ردت بخفوت
_ايوه.. أنت عارف دي أكتر مستشفى بثق في الدكاترة بتوعها.
طرد أنفاسه بثقل وهو يسألها بقلق أشد
_ الدور الرابع في ايه
رفعت أنظارها له پذعر لتهتف برفض
واحنا مالنا ومال الرابع!
نظر لعيناها المړتعبة ليهدأ ذاته وهو يهتف بتروي كي لا يثير الذعر بها أكثر
_ أو الخامس.. مش عارف أحنا في أنهي.. قوليلي فيهم ايه
التقطت أنفاسها