رواية حب ليس له مثيل كاملة


إنها لم تكن ترغب في أن يلمح كارم ذلك الألم في عينيها حتى لا يشعر ولو للحظة بأنه ظل في معركتها الداخلية أو أن وجوده مجرد جدار مؤقت تحتمي خلفه لكنها في الحقيقة لم تتجاوز ظافرا بعد...
بين ظلال المطر وأشباح الماضي 
كانت سيرين وحيدة تجلس في غرفتها المتواضعة تحت ضوء خاڤت تتأمل صورة ملف ظافر على واتساب... تراقبها وكأنها تحاول أن تستشف من ثناياها إجابة لسؤال يرهق روحها كيف ستفتح معه الحديث مجددا عن الطلاق كيف ستجد المدخل المناسب دون أن يغلق الباب في وجهها مرة أخرى 
وفي أحد الأيام بعد جولة قصيرة لشراء بعض حاجيات المنزل عادت سيرين بخطوات متثاقلة لكن فجأة اعترض طريقها شخص ما وقف في مواجهتها مباشرة قاطعا عليها مسارها.
رفعت عينيها ببطء لتجد امرأة تضع نظارة شمسية وقناعا يغطي نصف وجهها... كان شعرها الطويل ينساب بحرية على كتفيها أما فستانها المبهرج وكعبها العالي فقد أضافا إلى حضورها هالة من الجاذبية الغامضة.
رفعت المرأة حاجبيها قليلا وسألت عن أحوال من تقاطعت بهما الطرق بصوت بارد وكأن سيرين كانت تتوقع لقاءها.
ترددت سيرين للحظة إذ لم تكن تتوقع أن تجد دينا هنا في هذا المكان تحديدا وكأن القدر رسم لهما هذا اللقاء بعناية. 
دون تبادل كلمات كثيرة توجهتا إلى مقهى هادئ حيث جلستا بجوار النافذة التي كانت تتناثر عليها قطرات المطر الثقيلة تتدحرج ببطء وكأنها تواسي بعضها البعض في صمت.
كان الجو مشحونا بالكثير من الكلام الذي لم يقال بعد. 
بهدوء رفعت دينا يديها ومن ثم سحبت القناع عن وجهها كاشفة عن ملامحها التي ظلت خافية الكثير عم ما بداخلها.
ابتسمت دينا بسخرية خفيفة قبل أن تقول
لا تقلقي سمعت أن تامر أخذ المال من السيد خليل وهرب خارج البلاد مع السيدة سارة هذا يعني أنهما لن يكونا شوكة في طريقك بعد الآن. 
تأملت سيرين كلماتها لكنها لم تظهر أي رد فعل يذكر إذ كانت تعرف هذه المعلومات مسبقا من كارم لكنها لم تعر الأمر اهتماما يذكر... للحقيقة لم يكن يعنيها مصير سارة أو تامر بقدر ما كانت تعنيها حياتها التي علقت بين الماضي والمجهول. 
لطالما كانت عائلة آل تهامي رمزا للنفوذ والقوة فمن كان يتخيل أن تسقط هذه العائلة العريقة في فخ الإفلاس والضياع بسبب ثلاثمائة مليون دولار فقط 
تناهى إلى سمعها صوت المطر وهو يرتطم بزجاج النافذة لكنه لم يكن كافيا لإخماد الضجيج الذي بدأ يعلو بداخلها.
وأخيرا نظرت إلى دينا مباشرة وسألتها بثبات يخلو من أي انفعال 
ما الذي تريدين قوله بالضبط
تسللت نظرة دينا نحو بطن سيرين في خفاء ترمقها بعينين مترقبتين... وبالرغم من أن حمل سيرين لم يكن قد بدأ في الظهور بعد لكنه كان هناك... كامنا يضفي على الموقف ثقلا إضافيا لم تستطع إنكاره. 
قبضت سيرين أصابعها للحظة وكأنها تستميت على أفكارها قبل أن تفلت منها.
لم تتعجل سيرين في الرد بل تركت لحظة صامتة تمتد بينهما كوتر مشدود قبل أن تنطق دينا بصوت بارد يكاد يخلو من الانفعال 
أخبريني ما الذي يتطلبه الأمر لتتركي ظافر حددي ثمنا وسأدفع لك ما تريدين. 
كلماتها سقطت كحجر ثقيل وسط بحيرة من التوتر... لم تكن مجرد اقتراح بل صفقة مغلفة بالغطرسة. 
ضحكت سيرين ضحكة لم تخل من الاستهزاء وبدت على معالم وجهها دهشة مسلية ومن ثم رفعت حاجبها قليلا وكأنها تزن عرض دينا في عقلها قبل أن تجيب بنبرة يشوبها بعض من اللؤم 
لثلاث سنوات بلغت قيمة أصولنا المشتركة عدة مليارات من الدولارات على الأقل... هل يمكنك أن تعرضي علي هذا المبلغ 
كانت الكلمات تحمل يقينا مفرطا ثقة امرأة تعرف تماما أين تقف وتدرك جيدا أن خصمها لا يملك ما يكفي ليزحزحها قيد أنملة. 
في تلك اللحظة
بدا أن الهواء بينهما قد تجمد... جزت دينا على أسنانها وامتلأت عيناها بشرارات ڠضب مكبوت لكنها لم تجد ما ترد به إذ كانت النظرات الساخرة في عيني سيرين كفيلة بإشعال كل نيران القهر داخل غريمتها.
لم يكن المال يوما سوى رقم في نظرها مجرد تفصيلة هامشية في عالمها الفاره... 
سيرين تهامي الحفيدة المدللة لرجل كان يلقب يوما بأغنى رجال رجال الأعمال... وبلا أدنى مبالغة كانت سيرين عما قريب تسير بخطى ثابتة فوق سجادة المجد التي حاكها لها جدها تعيش في كنف الثراء كما تعيش الفراشة في ضوء الشمس لا ترى في الدنيا سوى رفاهية مطلقة ولا تشعر بثقل الأيام كما يفعل البسطاء... 
لكن الآن الآن لم تعد سوى امرأة على شفا الطلاق امرأة لفظها زوجها ولم يعد يرغب بها... فكرة كهذه وحدها كانت كفيلة بأن تمنح دينا شعورا غريبا بالراحة وكأنها ټنتقم دون أن ترفع سيفا. 
ابتسمت دينا بسخرية وهي تخترق صمت المكان كخنجر بارد
ليس لديك أدنى فكرة عمن أرسلني للبحث عنك... السيدة شادية طلبت مني شخصيا أن أخبرك بأن المال ليس مشكلة أبدا... طالما أنك توافقين على الطلاق يمكننا اعتباره مجرد صدقة. 
كلمة صدقة ارتطمت بجدران عقل سيرين كصڤعة مدوية جعلتها تتراجع للحظة إلى الوراء ليس

بجسدها بل بذكرياتها... كيف يمكن أن يكون هذا حقيقيا كيف تحول الأمر هكذا 
لقد كانت شادية نفسها من رتبت زواجها من ظافر وكانت في ذلك الوقت تتحدث عن سيرين كأنها الجوهرة الوحيدة التي تستحق أن تتلألأ في تاج العائلة. كانت
تقولها
دائما...
ظافر لا يليق به إلا فتاة من عائلة تهامي. بل وأقسمت أنها ستعاملها كابنتها! 
والآن الآن ترسل وسيطة لتساومها على حطام زواجها 
في تلك اللحظة أدركت سيرين أن هذه اللعبة يجب أن تنتهي ولكن هذه المرة بشروطها هي... 
رفعت سيرين عينيها ببطء ولم يكن في نبرتها أي تردد حين قالت
إذن... أحضري المال أولا ثم يمكننا الحديث. 
حتى دون أن تنتظر ردة الفعل كانت تعلم جيدا أن شادية لن تدفع قرشا واحدا... لن تبيع لها خروجا مشرفا بل ستتركها ټغرق. 
وعندما أدارت ظهرها لتغادر سمعت صوت دينا يلاحقها كظل ثقيل 
سوف تندمين على هذا. 
لكنها لم تتوقف لم تلتفت فقط ابتسمت بسخرية خفية... كأنها تقول
سأقرر بنفسي متى أندم إن ندمت أصلا.
في عمق الليل حينما كانت الظلمة تلتف حول المدينة كعباءة ثقيلة انقطع صمت الغرفة برنين هاتفها.
تململت سيرين بين طيات الفراش تجاهد وعيها الثقيل قبل أن تمد يدها المرتجفة لالتقاط الهاتف.
أضاءت الشاشة باسم لم تكن تتوقعه أو ربما كانت تخشاه... ظافر. 
بأنامل مرتعشة سحبت زر الرد وما إن وضعت الهاتف على أذنها حتى تسلل إلى مسامعها صوته العميق ذاك الصوت الذي لطالما حمل بين
طبقاته برودة صقيعية لا تقل قسۏة عن صمته حين كان يتعمد الغياب. 
لقد فكرت فيك كثيرا سيرين... جاء صوته واهنا لكن به نبرة خفية كمن يلقي شراكا في ظلمة الليل.
كم مليار دولار تريدين 
حدقت في الفراغ كأنما الكلمات لم تصل عقلها بعد.
لوهلة تخيلت أنها تهذي أو أن هذا الحلم مجرد امتداد لكوابيسها التي طاردتها طوال الأيام الماضية... لكنها لم تكن تحلم... كان الأمر يبدو حقيقيا بشكل كاف ليزيد من آلامها وصوته الرخيم كان أكثر واقعية من الهواء الذي يملأ رئتيها. 
قالها كأنها مزحة أو ربما تحد وكأن وجودها كله يمكن تسعيره برقم يوضع في حساب مصرفي.
ابتلعت ريقها بصعوبة بينما أفلتت منها شهقة لم تستطع كبحها. 
لقد اختفيت لبضعة أيام وهذا كل ما توصلت إليه.. أصبحت الآن طريدة دون مال 
سقطت كلماته عليها كقطرات جليد التي جمدت شيئا ما في أعماقها.
كان يعرف أنها رحلت وكان يعلم أنها لن تعود بسهولة... لكنه لم يكن هنا ليعتذر أو ليسألها عن حالها. كان هنا ليضعها أمام اختباره الأبدي... اختبار لم تكن واثقة إن كانت قادرة على خوضه هذه المرة.
الفصل 12
إدراك الحقيقة.. وصدمة اليقين
وأخيرا اتضحت أمام سيرين الحقيقة التي كانت تجهلها.
الآن فقط أدركت مغزى الكلمات الوداعية التي نطقتها دينا قبل اختفائها تلك الكلمات التي لم تلق لها بالا حينها لكنها الآن تنغرز في عقلها 
لقد لجأت دينا إلى الشكوى منها إلى ظافر بل ورسمت صورة ليست لها والصقت بها تهمة لم ولن تقترفها يوما.
لم تكن الفرصة سانحة لسيرين لتستوعب وقع الصدمة إذ جاء صوت ظافر جافا ك السکين قاطعا كضړبة الفأس
لقد تم الطلاق بيننا.
توقفت أنفاسها للحظة وأخذت بلا وعي لكن ظافر لم يمهلها وقتا للرد بل أكمل بصوت أكثر برودة وكأنما يلفظ حكما نهائيا لا يقبل الاستئناف
كان من المفترض ألا تقتربي منها أبدا وألا تلمسيها... دينا في المستشفى الآن.
شعرت سيرين وكأن الهواء سحب من حولها وأحست بأن جدران المكان تتقلص وقد ضاقت بها الدنيا أكثر فأكثر حتى كادت أن تختنق... أسئلة أنهالت تنهش بعقلها ولا إجابات تتبادر بذهنها حتى الآن
ما الذي حدث كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد
لكن سرعان ما تلاشت دهشتها وحلت محلها موجة ڠضب عارمة إذ لم تكن تتوقع من دينا أن تلجأ إلى مثل هذه الحيل الوضيعة وأن تلعب دور الضحېة ببراعة بل ونسجت خيوط مكيدتها بحرفية قاټلة.
ولكن ما أذهلها أكثر هو أن ظافر... صدقها.... لذا أجابته بلا مبالاة استحضرتها فما من شيء ستقوله سيجعل ظافر يشكك بما أدعته دينا
صدق أو لا تصدق لقد التقيت بها بالصدفة... ولم أفعل لها شيئا.
لم تمنحه فرصة أخرى حتى أنها لم تنتظر ردا منه بل وأغلقت الهاتف في وجهه وكأنها توصد بابا على قصة بأكملها قصة ظنت يوما أنها ستدوم لكنها الآن تتهاوى أمام عينيها كبيت من ورق.
في أروقة المستشفى الباردة وقف ظافر أمام سرير دينا يحدق إليها بعينين متجهمتين تضجان بتوتر مكبوت.
كانت نظراته معلقة بجبهتها التي طوقت بالضمادات البيضاء وكأنما يحاول حل شفرة مشهد لا يزال عالقا بين الحقيقة والافتراض.
تلك المرأة التي لم تكد تلتقي بسيرين حتى اندفعت خارجة من المقهى الذي التقتا به كمن أصابها مس ثم... بطريقة درامية مأساوية صدمت رأسها بشيء ما وكأن القدر أعد السيناريو المثالي لتقف الآن أمامه تدعي أن سيرين هي الجانية.
خرج صوتها ضعيفا متكسرا يحمل في طياته مسحة من المرارة الزائفة وخبثا مقنعا بعناية
كنت فقط أريد التحدث معها بلطف... لكنها...
باغتته بالصمت وتركت الكلمات مبتورة كما لو أن الألم منعها من الاسترسال لكن الحقيقة أنها كانت تمنحه فرصة ليملأ الفراغات بنفسه ليصل إلى النتيجة التي أرادتها هي... أن سيرين مذنبة.
لم تكمل حديثها بل امتدت يدها المرتجفة نحو كومة من الصور ناولتها لظافر بخفة مدروسة كأنها تقدم له دليلا دامغا لا يحتمل الجدل.
كانت الصور حديثة التقطها أحدهم بطلب من دينا بعد أن اكتشفت حمل
سيرين.
ثم همست بصوت متخاذل وكأنها تحمل بين يديها عبئا ثقيلا
لا أريد أن أخفي الحقيقة بعد الآن... ظافر أرجوك لا تغضب عندما ترى هذه الصور.
جذب ظافر الصور ببطء وحالما تلاشت المسافة بين عينيه