رواية حب ليس له مثيل كاملة


هي وتوأمها. 
الآن وهي تعود إلى هذه المدينة لم تكن تعلم ما الذي ينتظرها... لكن ما تعرفه يقينا أن يد القدر لم ترفع قلمها بعد. 
في مقعدها بجوار النافذة راحت سيرين تحدق عبر الزجاج في المشاهد التي تتبدل أمامها كلوحات فنية تتحرك بانسياب وكأن الأرض تسرد عليها قصصا صامتة عن الزمن الذي مضى.
المدينة لم تتغير كثيرا خلال السنوات الأربع الماضية لكنها بدت كأنها ترتدي قناعا جديدا قناعا يحمل بصمة دينا التي غزت شوارعها بصورها المعلقة على كل
جدار وكأنها باتت جزءا من نسيج المكان نفسه. 
خلال هذه السنوات لم تكن دينا مجرد مغنية أو ممثلة فحسب بل تحولت إلى أيقونة ترفيهية نجمة يتسابق الجميع ليحظوا بلمحة منها كانت شهرتها أشبه بضوء ساطع يخطف الأبصار لكن سيرين تجنبت النظر إليها وگأنما بريقها قد يحمل معها ظلالا لا ترغب في استحضارها. 
بعد ساعة من السير في طرقات المدينة توقفت السيارة أمام حي هادئ بدا كأن الليل قد ضمھ إلى أحضانه فارتدى سكونا مذهلا شوارعه تهمس للأرواح التائهة بقصص لم ترو بعد. 
ما إن وصلت سيرين إلى مكان إقامتها حتى سارعت بإبلاغ فاطمة التي سبقتها إلى مكان آخر بأنها وصلت بسلام.
كان وجود كل منهما على متن طائرة مختلفة خطة مدروسة لتجنب وقوع التوأمين في قبضة ظافر فهو لم يكن يعلم من الأساس أنهما موجودان في هذا العالم. 
أخذت سيرين نفسا عميقا قبل أن تسأل عبر الهاتف بقلق خاڤت تسرب إلى نبرتها 
فاطمة أين زاك 
ارتسمت على شفتي فاطمة ابتسامة خفيفة قبل أن ترد بمرح 
إنه في غرفته يقرأ كعادته. 
لم يكن الأطفال في مثل سن زكريا قد ألفوا القراءة بعد لكن عقله كان أشبه بصندوق كنوز يفيض بالأسرار.
لم يكن مجرد طفل يقرأ بل كان يحلل يستنتج ويتجاوز حدود عمره الصغيرة بذكاء حاد.
في بعض الأحيان حين يتحدث زكريا عن موضوع ما يخال المرء أنه أمام رجل ناضج حبيس في جسد صغير. 
وفي تلك اللحظة عبرت ذاكرة سيرين كلمح البصر لتستحضر ما سمعته ذات مرة من شادية أن ظافر كان تماما هكذا وهو صغير طفل تفتحت عيناه على العالم بذكاء استثنائي حتى بات فخر عائلته المدلل الابن الذي لم ينافسه أحد في مكانته. 
لهذا السبب وضعت سيرين كل طاقتها في صقل مهارات زكريا الذي كان بدوره طفلا استثنائيا كأبيه طفلا ذهبيا منذ نعومة
أظافره وكأن النجوم نفسها قد باركت ميلاده وأهدته لمسة من بريقها الأبدي.
تقدمت فاطمة بخطوات وئيدة نحو غرفة زكريا تمسك بهاتفها كما لو كان مفتاحا سحريا يحمل لها رسالة من عالم آخر وقبل أن تدير مقبض الباب كانت

أذناها تلتقطان صوت حركة خاڤتة بالداخل وكأن الصغير كان يخفي شيئا على عجل.
ما إن دفعت الباب برفق حتى استدار نحوها بوجه طفولي يقطر عتبا ورسم عبوسا ظريفا في محاولة منه كي يبدو جادا رغم طفولته. 
جدتي لقد نسيتي أن تطرقي الباب مرة أخرى! هذا تصرف غير لائق أبدا! قالها زكريا بنبرة يكسوها وقار غريب على طفل في عمره كعجوز حكيم يحمل فوق كتفيه هموم الحياة بأكملها. 
شعرت فاطمة بوخزة خفيفة من الإحراج كمن ضبط متلبسا بچريمة غير مقصودة.
ابتسمت فاطمة بلطف وحاولت أن تسترضيه بصوت دافئ 
يا إلهي أظنني أحتاج إلى
منبه يذكرني كل مرة! سامحني يا زاك لم أقصد إزعاجك. 
لم يبد على الصغير أنه غاضب حقا بل لمح في نظرتها شيئا جعله يلين فترك ما كان يخفيه جانبا ورفع عينيه اللامعتين نحوها وكأنهما مرآتان تعكسان ضوء القمر.
ومن ثم قال بصوت هادئ كمن يمنح عفوه بسخاء ملكي 
لن أفعل ذلك. 
ثم امتدت يداه الصغيرتان نحو الهاتف وأمسكه بحرص طفولي كما لو كان يحمل بين راحتيه كنزا ثمينا.
حدق زكريا إلى الشاشة بشغف وفي عينيه بريق لا تخطئه عين...
هناك على الطرف الآخر كان وجه سيرين يتلألأ كنجمة بعيدة تضيء عالمه الصغير بنور لا يدركه سوى قلبه.
الفصل 25
الليلة التي غفت فيها الأرواح على وسادة الحنين 
جاءها صوت زكريا متوهجا بالشغف كأنما يحمل قلبه بين كلماته ويسلمه إليها بكل طمأنينة 
أمي هل وصلت حتى حين لا أكون بجوارك تذكري أن تشربي كوبا من الحليب الدافئ قبل أن يزورك النعاس ولا تنسي الفيتامينات أيضا لا أريدك أن تهملي صحتك. 
ابتسمت سيرين ورفعت صوتها بحنان يقطر رعاية 
وأنت لا تدع الغطاء ينزلق عنك أثناء النوم فقد يهاجمك البرد ليلا دون رحمة! 
ضحك زكريا ضحكة قصيرة لكن صوته كان مشبعا بفخر طفولي لذيذ 
وضعت لعبتي المفضلة ولعبة نوح أيضا في حقيبتك حتى إذا هرب النوم من عينيك فليكن لهما شرف تسليتك حتى يعود. 
كان زكريا طفلا لا يعرف الوسط إما أن يلتزم الصمت التام أو ينهال بالكلام بلا هوادة كعجوز استوطنته الحكمة المبكرة.
لم تفهم سيرين أبدا كيف تشكل فيه هذا الطبع لكنها في بعض اللحظات كانت تشعر وكأنها تتحدث إلى والدها لا إلى ابنها الصغير. 
حسنا سأتذكر. 
أنهت المكالمة أخيرا وإن كان قلبها لا يزال معلقا بصوته كأنها أغلقت الهاتف على مضض وأبقت روحها على الطرف الآخر. 
تنهدت سيرين بأسى وهي تتذكر عندما غادرت المدينة في ذلك الزمن كانت الروح تثقلها الكآبة والحواس يغلفها الخدر وكأن العالم كله صار ضبابيا وأذناها لم تعودا تستجيبان لصخب الحياة كما كانتا.
وفوق ذلك كان بداخلها حياة أخرى تنمو حياة لم يكن جسدها مستعدا لاحتضانها بعد. 
ظلت سيرين لليال طوال تقتات على الأرق وعلى الغياب وعلى جوع لم يكن للطعام وحده أن يشبعه ثم جاء أطفالها جاءوا كضوء تسلل من تحت الأبواب الموصدة حقا لم يعيدوها تماما كما كانت لكنها استعادت معهم لونا من العافية. 
وعندما كبروا وخطوا خطواتهم الأولى ونطقوا كلماتهم الأولى وحين تعلموا الاعتناء بها... أصبحوا منقذيها. 
شربت سيرين كوب الحليب الدافئ كما أوصاها زكريا ثم تناولت الفيتامينات وعندما فتحت حقيبتها وجدت الأرنبين الصغيرين يرقبانها بعيون زجاجية تفوح منهما رائحة الحليب الخفيفة كأنهما امتداد لدفء طفليها. 
في تلك الليلة لم تكتف فقط بالنوم بل غفت بروح مطمئنة تعانق الأرنبين كما لو كانا ذراعي زكريا الصغيرتين تحيطان بها... ولم تر في أحلامها سوى وجهه.
عندما يقرع القدر أبوابه المغلقة... 
في صباح بارد تلفح نسماته ستائر الغرفة برقة اهتز هاتف سيرين معلنا عن رسالة كتبت بحروف تحمل صدى المفاجأة 
ظافر سيعود اليوم... سيكون في فندق كونتننتال لحضور مزاد خيري في تمام التاسعة مساء. 
توقفت أنفاسها للحظة كأن الزمن قرر أن يأخذ استراحة قصيرة قبل أن يعود ليجري من جديد.
ظلت سيرين تحدق في الشاشة وكأنها تبحث بين الكلمات عن تفصيل غائب عن تفسير لهذا اللقاء المفاجئ الذي لم تحسب له حسابا حتى وإن
كانت هي من تسعى لذلك. 
قبل أن تعود إلى حياتها المعتادة كانت قد أوكلت إلى بعض المعارف مهمة البحث عن أثره.
في تلك الأثناء كانت سيرين تعرف أنه في الخارج يتنقل بين المدن والعواصم يتولى مشاريعه بشغف لا يعرف التوقف.
لكنها لم تتوقع أن يكون موعد عودته قريبا إلى هذا الحد... قريبا كأنفاسها المرتبكة الآن. 
أربع سنوات مضت كأنها صفحات رواية ثقيلة تتقلبها رياح الزمن على مهل خلالها كانت سيرين تشق طريقها ببطء تمضي قدما وهي تجمع شتات نفسها من بعده تبني عالما لا يحتاج إلى ظله.
لكنها الآن... الآن فقط وهي تقرأ هذه الرسالة شعرت أن خطواتها التي كانت ثابتة بدأت تتردد أن قلبها الذي تعلم الصمود عاد يخفق كأنه لم يتعلم شيئا. 
هنا أيقنت أن الاقتراب منه بإرادتها مرة أخرى كمن يمد يده إلى ڼار يعرف يقينا أنها ستحرقه ومع ذلك لا يستطيع أن يقاوم دفئها المغري.
دقت الساعة التاسعة مساء إيذانا ببداية المزاد الخيري حيث اصطفت الأنفاس على حواف الترقب وتراقصت الأضواء على أوجه الحضور كأنها تقتنص ومضات الشغف المختبئ في الأعين.
في مثل هذه الفعاليات لم يكن لكبار الشخصيات أن يختلطوا بالسواد الأعظم بل خصصت لهم غرف خاصة تطل على الساحة مثل الطغاة الذين يشاهدون مصائر الآخرين تباع وتشترى دون أن يلوثوا أيديهم بالمساومة. 
كان ظافر أحد هؤلاء لا حاجة له حتى لأن يرفع يده أو أن يعلن عن رغبته فهناك دائما من ينفذ نيابة عنه بأمر لا يرد ونظرة لا تناقش.
وقف ظافر في شرفته بالطابق الثاني مرتديا بذلة سوداء صممت لتناسب هيبته عيناه الزرقاوان لم تتزحزحا عن المشهد في الأسفل كأنهما مرقاب يحصي الأنفاس يرصد حركة الأموال التي تتطاير كما تتطاير أوراق الخريف في مهب الريح. 
لكنه لم يكن هناك من أجل مجرد مزاد بل من أجل قطعة بعينها... قلادة زمردية كانت يوما ما تطوق عنق سيرين مثلما كانت أياما تطوق قلبه دون أن يدري. 
القلادة لم تصل إلى هنا صدفة لقد باعها سارة وتامر بثمن بخس كأنها لا تعني شيئا لكنها كانت بالنسبة له كنزا ضائعا أثرا من زمن لم يدفن بعد.
طوال السنوات الماضية كلما لاحت له أخبار سيرين كان يطاردها كصياد يرفض أن يفلت فريسته وكأن ماضيه معها لم يكن مجرد ذكريات بل ندبة لم تلتئم تلسعه كلما حاول نسيانها. 
دارت عجلة المزاد وحين جاء دور القلادة أعلن المنادي بصوت رنان 
عشرة ملايين دولار السعر الافتتاحي! 
لم يحتج ظافر إلى التردد إذ أومأ برأسه ليرفع المجداف على الفور 
عشرون مليون دولار! 
انحبست أنفاس الحاضرين كما لو أن السعر لم يتضاعف بل أن الأرض قد انشقت عن رقم لا يمكن مجاراته.
في الحقيقة لم يكن سر الصدمة في المال بل
في الشخص الذي ألقى به بهذه السهولة فالجميع يعرف من هو ظافر والجميع يعلم أن من ينافسه في شيء ينتهي به الحال خاسرا... أو مفقودا. 
لذا كان الاعتقاد السائد أن المزاد قد حسم حتى انقلبت الطاولة على حين غرة... 
في الصفوف الأمامية وقفت امرأة تشع أنوثة وثقة رفعت مجدافها في الهواء ثم صدح صوتها مفعما بالتحدي محملا بيقين لا يتزعزع 
ثلاثون مليون دولار! 
كأن الزمن قد توقف كأن الضوضاء ابتلعتها العدم ليس لهول الرقم بل لجرأة من تفوهت به جرأة لم يشهدها المكان من قبل جرأة نادرة... وخطېرة. 
من ذا الذي يجرؤ على الوقوف في وجه ظافر نصران 
هو ليس مجرد رجل أعمال بل إنه إعصار يبتلع من يقترب فمن ظن نفسه ندا له خرج مدمراإما شركته التي اڼهارت كبرج من ورق أو سمعته التي احټرقت كڼار في هشيم أو حياته التي أعيدت صياغتها بطريقة لم يكن يتخيلها حتى في أسوأ كوابيسه. 
والآن ها هي امرأة تخرج لسانها له أمام الجميع تعلن التحدي بصوت ناصع كالخڼجر المسلول... 
من تكون 
استدار ظافر نحو الصوت ببطء وكأن الهواء أصبح أسمك كأن الكون نفسه يتباطأ ليفسح مجالا لهذه اللحظة.
وعندما وقعت عيناه عليها... اڼفجر داخله بركان صامت. 
كانت هي... سيرين! 
لكنها لم تكن سيرين التي عرفها لم تكن الفتاة الهادئة التي تفضل