رواية حب ليس له مثيل كاملة


اعترافا مذنبا 
ساسو كنت أريد أن أفاجئك لكن 
تجعد جبين سيرين بقلق 
ما الأمر 
بلعت كوثر ريقها ثم قالت على عجالة كأنها تحاول التخلص من الجملة قبل أن تزنها سيرين بعقلها 
أنا في المدينة وصلت الآن إلى المطار لكن زكريا تبعني إلى هنا 
في اللحظة التالية شعرت سيرين بأن قلبها قد تخطى نبضه وبدأ في القرع بشكل غير منتظم فوضعت الكوب على الطاولة وانتصبت في جلستها كأن صاعقة قد ضړبتها 
كوثر لم تضف كلمة أخرى فقط دفعت الهاتف إلى زكريا تاركة له مسؤولية شرح ما حدث 
أخذ زكريا الهاتف وبصوت يحمل خليطا من الجد والرجاء قال 
أمي لا تلومي كوكي أنا من اشتريت التذكرة سرا وتبعتها لم أستطع تركك وحدك في المدينة لقد كنت قلقا عليك 
وفي الجهة الأخرى كانت سيرين تحاول
أن تستوعب أن تفهم كيف تجرأ ابنها على شيء كهذا لكن وسط كل ذلك لم تستطع أن تمنع قلبها من الشعور بوخزة دافئة مزيج غريب بين الحب والقلق والڠضب كأن المشاعر الثلاثة اشتبكت في معركة لا رابح فيها 
لقد عرفت سيرين دائما أن زكريا ذكي لكنها لم تتوقع أبدا أن يكون جريئا بما يكفي للذهاب إلى المطار بمفرده 
زاك! هل نسيت ما قلته لك
لم يجب زكريا بل سأل بدلا من ذلك
لكن يا أمي لقد افتقدتك وكنت قلقا عليك هل كنت مخطئا كوني أحبك لهذه الدرجة!
على الجانب الآخر كانت كوثر تتابع المشهد بصمت إلى أن قررت أن تتدخل قبل أن يتفاقم الأمر فجلست القرفصاء ملتقطة الهاتف من يد زكريا بحذر ثم قالت بنبرة مطمئنة 
سيرين لا تقلقي فكرت في الأمر جيدا زاك سيبقى معي الآن ولن أدع ظافر يعرف بوجوده 
في تلك اللحظة كان هذا هو الحل الوحيد إذ لم يكن هناك متسع للرفض ولا بديل للجدال وقبل أن تغلق سيرين الهاتف اتفقتا على اللقاء في أحد المطاعم 
تنفست كوثر الصعداء ثم نظرت إلى زكريا بنظرة لم تخل من العجز 
هيا بنا 
خرج الاثنان من المطار وكان السائق بانتظارهما عند المدخل بسيارة سوداء لامعة كأنها قطعة من الليل انزلقت على الأرض وحالما استقر زكريا في المقعد حتى انطلقت نظراته الفضولية تراقب الطريق من النافذة يتابع بشغف كل تفصيلة تمر أمامه وكأن المدينة كتاب مفتوح لم يقرأه من قبل 
لم يتوقف عن الأسئلة وكانت كوثر تجيبه بصبر وكأنها تعيد رسم خرائط الذكريات بكلماتها 
هذه الساحة المركزية كانت ملكا لعائلة نصران أما هذا الشارع التجاري فكان لعائلة تهامي جدك من جهة والدتك لكن في النهاية استحوذ عليه ظافر ورغم كل شيء لا يزال مزدهرا كما كان 
فجأة توقفت عن الكلام كأنها استيقظت من حلم ومن ثم عقدت حاجبيها في شرود تتمتم لنفسها 
يا لي من حمقاء! لماذا أخبر طفلا صغيرا بكل هذا! من المؤكد أنه لن يفهم حرفا مما قلته توا 
وقبل أن تلتقط أنفاسها جاءها صوت زكريا جادا وحاسما وهو يحدق فيها بعينيه البراقتين 
كوكي سأتم الرابعة في سبتمبر المقبل لم أعد طفلا في الثالثة 
ارتبكت كوثر وهي تبحث عن كلمات مناسبة لكنها لم تجد 
مرة أخرى وجدت نفسها عاجزة أمام هذا الطفل الصغير الذي يتحدث بحكمة تتجاوز عمره 
تحركت السيارة ببطء والأضواء تتراقص على زجاجها كأنها نثرات ضوء هاربة من مجرة بعيدة وبعد وقت لم يدرك زكريا كم مر منه توقفت السيارة أمام المطعم المتفق عليه 
كان اللقاء على بعد خطوات قليلة لكن ما لم يعرفه أحد أن هذه الخطوات ستحمل معها بداية جديدة تسبقها عاصفة لن تهدأ 
غادر ظافر الشركة بخطوات ثابتة كأن الأرض
لم تعد تثير اهتمامه بينما تبعته دينا كظل لا يفارقه تراقب كل حركة تبحث في صمته عن إجابة لمطمع كان في نفسها 
صعدا إلى سيارة كاديلاك سوداء فاخرة كأنها امتداد لهيبته المتعالية بينما جلس ظافر بالمقعد الخلفي دون أن يعبأ بوجودها وأمسك بعقد يتفحصه بلا تركيز وكأن الكلمات تتراقص أمام عينيه بلا معنى 
أخذت دينا نفسا عميقا تحاول أن تلتقط شتات نفسها أمام هذا الجدار البارد الجالس بجوارها ثم همست بصوت ناعم يحمل خبث أفعى تطارد فريستها باستماتة 
ظافر خذ قسطا من الراحة تبدو متعبا 
لم يرفع عينيه عن الورقة ولم تهتز ملامحه قيد أنملة فقط جاء رده جافا كصوت الريح التي تعصف بأوراق الخريف 
ليس هناك حاجة لذلك 
كلماته سقطت كحجر في بئر صمتها فلم تجد بدا من التراجع إلى زاويتها المعتادة الصمت لكنها كانت تعرف جيدا أن هذا الصمت لم يكن إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة 
ظافر لم يكرهها لكنها لم تر منه دفئا يوما أربع سنوات مرت كان خلالها أشبه بظل متحرك لا يقترب ولا يبتعد فقط موجود كحقيقة ثابتة لا تقبل التأويل لكنها لم تستطع التسلل إلى أعماقه وأبدا لم تفهم ما يدور في رأسه وأكثر ما كان يحيرها ولم تجد له تفسيرا
هل يمكن لرجل مثله أن يعيش بلا انجذاب أم أن قلبه مقپرة ډفن فيها مشاعرا لم تشأ أن ترى النور 
لكنها اليوم كانت عازمة على كسر هذا الحاجز عازمة على أن تجعله يراها كما لم يرها من قبل أن تقتنص حقا لم يكن أبدا لها 
وسط هذه الأفكار اهتز هاتف ظافر فجأة كأن القدر يرفض أن يمنحها الفرصة التي تنتظرها 
التقطه ظافر ببرود ومن ثم وضعه على أذنه فجاءه صوت الحارس الشخصي يقول بنبرة ثابتة تحمل خبرا طال انتظاره 
السيد ظافر السيدة تهامي خرجت الآن إنها في مطعم جولدن مون 
ارتفع حاجباه قليلا كأنه لم يكن يتوقع هذا الخبر لكنه لم يظهر دهشة واضحة 
أغلق ظافر الهاتف ببطء بينما كانت دينا تراقب عينيه تحاول أن تلتقط أي لمحة من المشاعر المختبئة خلف هذا الوجه الذي طالما كان كلوحة بلا ألوان 
الفصل 40
أجاب ظافر حارسه الشخصي الذي أخبره بمكان تواجد سيرين بصوت منخفض كمن يعلن انتصاره بصمت
لقد حصلت عليه 
في اللحظة التي رأت فيها دينا يديه تترك أوراق العمل أخيرا كأنهما تحررتا من قيد غير مرئي لم تستطع أن تمنع نفسها من السؤال وعيناها تلمعان بفضول فظ 
هل تذكرنا السيدة شادية بالعودة مجددا 
رمقها ظافر بنظرة مقتضبة كمن يريد اختصار الحديث ثم أجاب بنبرة قصيرة تحمل في طياتها يقينا لا يقبل الجدل
لا 
في تلك الأثناء راودتها رغبة في استكشاف ما يدور في رأسه أن تتسلل بين أفكاره كما يتسلل البرق بين ستائر ليلة رعدية لكنها لم تجد الفرصة لذلك 
ظلت عينا ظافر معلقتين بشيء خارج النافذة يمشط الأرجاء بنظرة جامدة كأن مقلتيه تبحرا في مشهد غامض لا يراه سواهما 
وها هو هدفه المنشود إذ كانت السيارة التي أملى عليه حارسه مواصفاتها عبر الهاتف تتقدم بهدوء في الشارع حين مرت بجانب مطعم القمر الذهبي 
هناك على حافة الرصيف توقفت السيارة ال بنتلي السوداء وخرج منها شخصان بخطوات ثقيلة استقرت عينا ظافر على أحدهما كأن روحه تعرفه قبل أن يراه عقله تأمل ظافر صاحب الجسد الصغير الذي كان يرتدي قبعة تخفي ملامحه
وقناعا يغطي أكثر مما يكشف لكن رغم كل ذلك تسلل إلى صدر ظافر إحساس غريب إحساس لا يفهم ولا يفسر إحساس يشبه ذلك الشعور المباغت حين تلمس چرحا قديما كنت تعتقد أنك نسيته 
ظل يتابع خطواته حتى ابتلعه باب المطعم ثم قال لسائق السيارة خاصته بصوت منخفض لكنه نافذ كالسهم 
أوقف السيارة 
رمقته دينا باستغراب وحاجبيها التقيا في تساؤل مرتبك 
ما الأمر 
لكن ظافر لم يرد فقط فتح باب السيارة وترجل منها بخطوات ثابتة وكأن قلبه قد قرر وجهته قبل أن يدركها عقله 
ما إن وطئت قدما كوثر أرض المطعم حتى شعرت بحاجة ملحة إلى الذهاب إلى الحمام وكأن جسدها يستجيب بلا وعي لموجة من القلق تسري فيها 
تناولت هاتفها بسرعة واتصلت بسيرين تطلب منها أن تأتي لاصطحاب زكريا ابنها 
لم تتأخر سيرين وما إن خطت خارجا حتى صدمت بمشهد لم يكن في الحسبان 
كان ظافر هناك ماثلا أمامها يقترب بخطوات واثقة يلفه وقار البدلة الرسمية التي تعكس أضواء المطعم الخاڤتة 
لوهلة اجتاحتها موجة من الاضطراب وشعرت براحتي يديها تتصببان عرقا كانت كل خلية في جسدها تصرخ بها وكأنها تحثها على أن تدير ظهرها وتهرب لكن صوته سبق رد فعلها 
يا لها من مصادفة قالها بنبرة لا يمكن تجاهلها 
لم يكن هناك مفر لذا علقت نظراتها بين الواقع والهروب وبينما كانت تبحث عن أي ذريعة للنجاة من هذا الموقف تمتمت بصوت حاولت أن تجعله ثابتا كي تكسب بعض الوقت لتجد منفذا 
هل أتيت لتناول العشاء
أيضا سيد ظافر 
أومأ ظافر برأسه كتأكيد على حديثها ولكنها لم تنتظر إجابة بل دفعت ساقيها تحاول إجبار جسدها المتصلب على المغادرة وهي تجاهد لتجاوز العاصفة التي اندلعت في أعماقها غير أن صوتا حاصرها فجأة من الخلف 
سيرين! 
تجمدت أطرافها للحظة واضطربت نبضات قلبها وكأنها وقعت في فراغ 
التفتت سيرين ببطء متوجسة مما قد تواجهه 
ولسوء الحظ
على الدرج كانت كوثر تصعد برفقة زكريا ولم يكن في مجال رؤيتهما سوى سيرين تنفست الأخيرة الصعداء إذ لم يلحظ ظافر وجودهما بعد ولكن القدر كعادته له تدابيره الخاصة 
الټفت ظافر تلقائيا نحو مصدر الصوت وعندما وقعت عيناه على الطفل شعر بشيء غريب للمرة الثانية على التوالي وكأن ذاكرته حاولت استعادة صورة من زمن بعيد شيء ما في عيني زكريا بعث داخله رجفة غير مفهومة وكأنما ظلال الماضي تتراقص أمامه للحظة ساد الصمت وكأن الكون كله قد توقف عن الحركة 
أما عن سيرين اجتاحها شعور بارد قد سرى عبر عمودها الفقري وفي لحظة تلاشى الزمن حولها ولم يبق سوى هذا المشهد المعلق بين الحقيقة والهاوية 
حبست سيرين أنفاسها تخشى أن يناديها زكريا بلقب أمي اللقب الذي لا يجب أن يقال الآن لكن ما خشيت منه هل سيقع
ركض الطفل نحوها وابتسامته البريئة لا تعلم شيئا عن فوضى القلوب حوله هتف بوقار 
السيدة سيرين! 
وللعجب ارتد بصره إلى كوثر ثم سحب يدها يقول متوسلا
أمي أنا جائع جدا دعينا نتناول الطعام مع السيدة تهامي 
استفاقت كوثر من ذهولها على وقع كلماته فأجابت بسرعة محاولة أن تخفي ارتباكها 
حسنا لنأكل بني 
سرعان ما أمسكت كوثر بيد زكريا بينما نظرت إلى سيرين وكأنها تتوسل إليها أن تتحرك أن تنهي هذا الموقف بأسرع ما يمكن 
أما سيرين فقد تماسكت بقايا شجاعتها والتفتت إلى ظافر قائلة بحزم هادئ 
سأتناول العشاء مع صديقتي أعتذر عن عدم تمكني من البقاء 
لم تنتظر رده بل قادت كوثر وزكريا بسرعة نحو الغرفة الخاصة حيث تستطيع أخيرا أن تتنفس بعيدا عن أعين العالم 
بمجرد أن أغلقوا الباب خلفهم