رواية حب ليس له مثيل كاملة


على كتفيه لم يكن قد فقد شهيته للمغامرات. 
ارتسمت ابتسامة على شفتي دينا لكنها مصطنعة لم تصل إلى عينيها تقول
بالتأكيد. 
أما ظافر فقد بدا وكأنه في عالم آخر يتناول بضع لقيمات بلا اهتمام ثم دفع كرسيه للخلف ونهض بعزم صامت. 
ظافر إلى أين تذهب سألت شادية محاولة أن تخفي قلقها خلف ستار من البرود. 
البيت. 
كلمة واحدة لكنها إسقاط لمعنى كامل. وعلى إثرها شهقت شادية بدهشة حالما أدركت ما لم يوضحه ظافر بالكلمات.
ظافر كان يقصد القصر الذي جمعه بسيرين ذاك المكان الذي كان يوما عشا جمعهما قبل أن يتحول إلى قوقعة خاوية. كيف لا يزال يعتبره البيت 
حاولت أن تثنيه
ابق هنا الليلة سيعود عدنان غدا ويمكننا مناقشة زواجك من دينا معا. 
توقف للحظة ومن ثم رمقها بنظرة باردة كخنجر مغموس في الجليد مردفا بحزم
لم أطلق بعد... عن أي زواج تتحدثين 
خفق قلب شادية بقوة وابتلعت ريقها بصعوبة أما دينا فلم يتغير تعبير وجهها لكن أصابعها كانت قد الټفت حول
الشوكة بقوة تكاد تكسرها... سنوات... سنوات طويلة مرت على مۏت سيرين فهل يهم حقا إن كانا مطلقين أم لا 
وحين استدار ليغادر لحقت به صدى خطوات يتبع أثره. 
ظافر! 
توقف ظافر لكنه لم يلتفت فاقتربت منه صاحبة الصوت ونبرتها المنخفضة تسرب إليه رجاء يخفي قباحة نفسها
هل أخطأت في شيء لماذا لا تقبلني حتى الآن همست دينا وكأنها تحاول أن تتسلل إلى قلبه المغلق... وعندما لم يأتها رد استكملت باستعطاف مبتزل
لقد انتظرتك لثماني سنوات منذ زواجك بسيرين وحتى الآن كنت أخشى أنني لست جيدة بما يكفي لك لذا عملت على نفسي... استغرقني الأمر وقتا طويلا حتى أصل إلى ما أنا عليه وأقترب منك مجددا. 
تجمدت في مكانها ونظرتها التي كانت تفوح بلهفة كاذبة تحولت إلى صدمة أو شيء آخر أكثر قتامة وقبل أن تتمكن من استجماع نفسها جاءها صوته باردا كريح ليلية تهب فوق الأطلال 
هل سبق أن منعت عنك أي شيء مما طلبته على مدار هذه السنوات اكتفي بما لديك وارض. 
ثم غادر ومن استقل سيارته وانطلق تاركا إياها وحدها في العتمة تقف كتمثال تآكله الزمن تراقب أضواء السيارة وهي تختفي في الظلام.
لكن خلف تلك الملامح المتجمدة كانت نيرانها تشتعل... طمعا غيظا وربما... شيئا آخر لا يزال ينمو في الظل.
في اللحظة ذاتها خرجت شادية من القصر عيناها تنطقان بالبرود كريح شتوية قاسېة ومن ثم وقفت أمام دينا تأملتها بنظرة تخلو من أي تعاطف ثم مالت
برأسها قليلا وكأنها تجهز سهما مسمۏما لإطلاقه دون رحمة. 
قالت بصوت يحمل سخرية لاذعة 
أربع سنوات مضت... يوم جئت إلي تحملين بين يديك تقريرا طبيا متوهمة أنك ستنجبين أول حفيد لعائلة نصران خلال عام! لم أكن لأسمح لممثلة مثلك بالاقتراب من ظافر لولا هذا الوهم الساذج. والآن مرت السنون الأربع ولم تنجبي طفلا بل إن ظافر نفسه لم يعد يطيق حتى لمستك! على الأقل سيرين فعلت ما لم تستطيعي فعله... تزوجته! 
كانت كلماتها كسياط من ڼار لسعت صدر دينا لكن شادية لم تمنحها حتى فرصة الرد... واستدارت ببساطة كأنها تلفظ شيئا تافها من حياتها تاركة إياها وحيدة وسط العراء. 
وقفت دينا في مكانها تكافح دموع الذل التي تجمعت في عينيها رغما عنها ولم تجد أمامها سوى هاتفها تتشبث به كطوق نجاة قبل أن تتصل بصديقتها تطلب منها أن تأتي وتأخذها بعيدا عن هذا المكان الذي لم يخلف لها سوى المهانة. 
بعد قليل كانت السيارة تتنقل بهما بين الطرقات وصوت المدينة ينبض من حولهما لكن عقل دينا كان في مكان آخر. وحين مرت السيارة بمطعم Golden Moon التفتت نحوه بلا وعي كأنما تبحث عن شيء مفقود بين أضوائه الخاڤتة. 
دينا ماذا هناك سألتها صديقتها باستغراب
وهي تراقبها بطرف عينها. 
لكن دينا لم تجب فقد كانت الأفكار تتدافع في رأسها كأنما تعيد مشاهد يومها في قصر نصران بكل تفاصيلها القاسېة.
شعرت بيدها تنقبض وكأنها تحاول كبح ڠضب يشتعل في أعماقها. وأخيرا نطقت بصوت منخفض لكنه مصمم 
أعلني أنني زرت قصر نصران اليوم... مع ظافر. 
نظرت إليها صديقتها بتمعن ثم أومأت برأسها. 
فهمتك. 
في تلك الأثناء في فيلا كوثر الفاخرة كان الليل قد أرخى سدوله وسكون ثقيل خيم على المكان.
في الداخل وقف زكريا عند باب غرفته يلقى نظرة خاطفة على أرجاء الفيلا ثم زفر بضجر قبل أن يدعي الإرهاق ويغلق الباب خلفه بهدوء. 
وما إن انفرد بنفسه حتى تحولت ملامحه وأسرع يجلس أمام مكتبه ثم فتح حاسوبه المحمول وأخذت أصابعه تنقر على لوحة المفاتيح بسرعة ودقة.
وفي لحظات كانت الشاشة تومض بسيل من المعلومات سطور متشابكة وكلمات متراقصة كلها تدور حول رجل واحد... ظافر.
الفصل 43
في بهو السلطة والنفوذ حيث تحاك الخيوط الخفية للمصائر وقف اسم يلمع كالذهب في سجل الأعمال 
ظافر نصرانالرئيس التنفيذي لشركة آل نصران كوربوريشن الوريث الأكثر بريقا وسط عائلة نصران العريقة حيث المال ليس مجرد وسيلة بل هوية تتوارثها الأجيال. 
على شاشة الهاتف أجرى زكريا بحثه السريع فلم يستغرق الأمر سوى لحظات حتى وجد الموقع الإلكتروني لمجموعة آل نصران والمقر الرئيسي للإمبراطورية خزن زكريا الموقع في ذاكرة الهاتف وبينما كانت أصابع القدر تعزف لحنا جديدا تسربت أغنية شهيرة أخرى إلى مسامعه وكأنها تؤرخ لحظة اكتشافه التالي. 
عنوان يتصدر وسائل التواصل الاجتماعي يزأر كإعلان حرب 
عودة دينا إلى المنزل برفقة الرئيس التنفيذي لشركة آل نصران كوربوريشن.. والتقت رسميا مع والديه.. هل سيكون زفافها على وريث العائلة وشيكا 
تجمدت ملامح زكريا بينما التوت شفتاه في سخرية قاتمة واندلعت نيران خفية في عينيه وهو يحدق في الشاشة بحثا عن كل ما يمكن أن يقوده إلى حقيقتها. 
غاص في أعماق الشبكة المظلمة حيث القصص ليست مجرد أخبار بل ظلال تسكن العتمة تتراقص على حافة الحقيقة والخيال.
كل معلومة وجدها عن دينا كانت أكثر إثارة من

سابقتها كأنها ألغاز متشابكة كل خيط فيها يقوده إلى متاهة أخرى أكثر تعقيدا. 
عبس الصبي الصغير يتمتم بحدة 
ظافر! ذلك الحقېر الذي لا يعرف معنى المبادئ ولا شيء عن الأبوة! إنه عار على اسمه! 
في البداية فكر زكريا في ڤضح كل تلك الأسرار على الملأ لكنه تراجع بعد لحظة تأمل فقد كان ذلك بمثابة تساهل لا يستحقه ظافر لكن .. إذا كان لا بد أن يدفع ثمن قراراته فليكن العقاپ أعنف وأقسىوذلك لن يتحقق إلا بوجود دينا في حياته. 
في صباح اليوم التالي وبينما الشمس ترسم خيوطها الذهبية على المدينة كانت كوثر تستعد ليوم حافل فكونها ابنة لعائلة مرموقة كان والدها يرى أن عليها خوض معترك الإدارة واكتساب الخبرة لذا قرر أن تعود إلى المنزل وتتولى إدارة إحدى الشركات الفرعية لذا لم يكن بوسعها البقاء في الفيلا كثيرا لكنها لم تكن قلقة فالمنزل عامر بالمدبرات وزكريا رغم حداثة سنه إلا أنه كان يتصرف بوعي يسبق عمره مما جعل العناية به أمرا في غاية السهولة. 
وقفت كوثر أمام المرآة تمسك فرشاة أسنانها وهي تتحدث إلى سيرين عبر الهاتف وجاء صوتها مفعم بالنشاط رغم تعب الصباح 
ساسو زاك طفل رائع لا يزال نائما في غرفته. 
على الطرف الآخر أومأت سيرين ثم أضافت بعد لحظة تفكير 
كنت أخطط لإلحاقه بروضة أطفال عندما كنا في أثينا لكن تأخرت الأمور بسبب حالة نوح لذا أريد أن أجد له مكانا مناسبا الآن. 
توقفت كوثر عما تفعله ورفعت حاجبا متفاجئة 
زاك روضة أطفال 
الطفل الذي يتعامل
مع الحياة بذكاء يفوق سنه ذاك الذي يمتلك نظرة تخترق الأرواح كيف سيندمج وسط الأطفال 
لكنها فكرت للحظة أخرى.. صحيح أنه يملك شخصية قوية قد تجعله مهيمنا بين أقرانه لكنه أيضا يمتلك جانبا لطيفا يجعله محبوبا ومع ذلك بوجهه الوسيم وثقته الطاغية لن يكون للأولاد في الروضة أي فرصة أمامه! 
هل هناك مشكلة سألت سيرين بحيرة. 
لا شيء.. سأهتم بالأمر. أعرف روضة دولية ممتازة تناسبه. تذكرت كوثر أن ابن أخيها كان يرتاد نفس المكان.
اعتبريه منتهيا. 
أجابتها سيرين بإمتنان
شكرا لك. 
ابتسمت كوثر برحابة وكأن الأخرى تراها وقالت بود
لا داعي للشكر ساسو. 
أما زكريا فقد كان لا يزال غارقا في نومه بعد أن ظل مستيقظا حتى وقت متأخر ليلة البارحة غافلا عن أن مصيره قد رسم بالفعل وأن خطة جديدة لحياته بدأت تحبك في الخفاء. 
وعلى الجانب الآخر أغلقت سيرين الهاتف على مضض وهي تستعد للخطوة التالية في لعبتها.. لذا عليها التوجه إلى مجموعة آل نصران حيث ستبدأ معركة أخرى وسيكون للقدر كلمته الأخيرة.
استفاقت سيرين ذلك الصباح على خبر لم تكن تتوقعه قط.
مررت أصابعها فوق شاشة هاتفها وعيناها تضيقان شيئا فشيئا مع كل عنوان يتراقص أمامها ظافر أخذ دينا إلى منزله.
زفرت بتوتر فهي تعلم أن عليها التحرك بسرعة... أن تسبق الزمن قبل أن يحكم قبضته عليها أجل إذ يجب أن تكون هي أول من يحمل بذرته قبل أن يثبت زواجه من دينا وإلا سيصبح كل شيء أكثر تعقيدا بل وأكثر ألما. 
وقفت أمام المرآة ومررت أناملها بخفة فوق ملامحها كأنها تنحت تمثالا لامرأة يجب أن تكون مثالية الليلة.
اختارت فستانا أسودا أنيقا لونه يغزل الليل في تفاصيله وأضفت على عينيها قليلا من السحر المتقن بمستحضراتها.
حين انتهت سيرين من إتمام زينتها رمقت انعكاس صورتها في المرآة بنظرة جديدة...
اليوم هي ليست سيرين المعتادة بل امرأة تحارب من أجل صغيرها. 
وما إن استقر جسدها الممشوق داخل السيارة حتى اهتز هاتفها برسالة من رامي حارسها الشخصي.
طارق ينتظر عند البوابة. 
قطبت سيرين حاجبيها في انزعاج وانفرجت شفتاها عن تنهيدة ساخطة إلى أي مدى يمكن أن تصل به دينا للسيطرة عليه كيف أصبح طارق ظلا يتبع خطواتها أينما ذهبت 
بلا تردد التفتت سيرين نحو السائق وأمرته
قد بسرعة... لا أريد أي إزعاج اليوم. 
تحركت السيارة بسلاسة ولكن عند بوابة القصر كانت هناك سيارة مايباخ تقف بثبات كأنها صخرة تتحدى التيار.
لم تكترث سيرين لأمر من بالخارج أمرت السائق بتجاوزه واندفعت سيارتها كالسهم. 
في المقابل كان طارق يتابع المشهد بعينين تضيقان كصقر أدرك أن فريسته تحاول الفرار. وبجانبه وقف حارسه الخاص مترددا في كسر الصمت المتوتر
سيد طارق... هل نتحرك 
كان صوت طارق حادا كحد السيف
اتبعها. 
أومأ السائق يقول بطاعة
أوامرك
سيد طارق. 
استند طارق إلى المقعد ونظراته ظلت معلقتان بالمركبة التي تتلاشى في الأفق لكن داخله كان الطوفان يجرفه بعيدا عن يقينه نظرة واحدة في المرآة العاكسة لروحه كشفت ما يحاول إنكاره... ذلك الشعور الغريب بالذنب الذي تسلل إلى ملامحه. 
حين بدأت السيارة التي تقل سيرين تتجه نحو شركة فرعية تابعة لمجموعة نصران ازداد فضوله.
لماذا تأتي إلى هنا كانت هذه الشركة تحت إشرافه مباشرة وتشترك في نفس المبنى مع المقر الرئيسي للمجموعة. 
لم ينتظر طويلا التقط هاتفه وأصدر أوامره بصرامة 
ماهر... انزل الآن. 
وبعد دقائق كان ماهر أمامه حاجباه معقودان