رواية حب ليس له مثيل كاملة


إليه 
بلع ماهر ريقه بصعوبة قبل أن يرد بحذر 
الفاعل محترف استخدم عنوان مزيفا وفريق التقنية خاصتنا حاول التتبع منذ الصباح لكن لا أثر له. 
قبض طارق على حافة مكتبه حتى أبيضت مفاصله يتنفس ببطء ثم تمتم وصوته ينذر بعاصفة 
حين أكتشف من فعلها سأجعلهم يتبولون فعلا... لكن هذه المرة من الخۏف. 
ثم ألقى أوامره الأخيرة ببرود قاټل 
لا أريد أن أرى هذا النوع من الأخبار يتصدر مجددا... واضح 
أجابه ماهر بتوجس
أوامرك سيدي. 
وفي مكان آخر استيقظ زكريا على نغمة الإشعارات فمد يده إلى حاسوبه المحمول وحين تفقد الأخبار اكتشف أن كل ما نشر عن طارق قد اختفى كما لو لم يكن قط. 
ابتسم لنفسه يقول بوعيد
صحيح أن الجولة الأولى قد انتهت لكن الحړب... لم تبدأ بعد. 
الفصل 58
مع وجود المال الكافي تصبح الاحتمالات بلا سقف والأبواب التي كانت موصدة بالأمس تفتح على مصراعيها اليوم.
تنهد زكريا وهو يفرك عينيه الناعستين وكأنما يحاول نفض بقايا الأحلام العالقة بجفنيه ثم دفع باب الغرفة بخفة وخرج إلى بهو المنزل.
صباح الخير يا أمي... صباح الخير يا كوثر.
رفعت كوثر حاجبا ماكرا قبل أن تجيب بنبرة يملؤها المزاح
صباح الخير أيها الوغد المدلل.
في المطبخ كانت سيرين تتحرك برشاقة بين أواني الفطور تنثر رائحة الخبز المحمص والقهوة الطازجة في الهواء وكأنها تحيك خيوط صباح دافئ يليق ببداية يوم جديد.
التفتت سيرين نحوه قائلة بنبرة حانية
اسرع واغتسل الفطور جاهز.
ثم أضافت وهي تنظر إلى كوثر بابتسامة جانبية
زاك كوثر وجدت لك روضة أطفال سنسجلك اليوم.
توقف زكريا لبرهة وكأنه يستوعب كلماتها لكنه لم يبد أي اعتراض إذ كان يعلم أن المدارس تغلق أبوابها في الصيف لكن ما لم يكن يعرفه أن تلك الروضة الدولية التي رشحتها كوثر تعمل على مدار العام.
حسنا لقد كان هذا هو الخيار الأمثل بالنسبة لسرين فإن التحق زكريا بتلك الروضة لن يجعلها تشعر بالقلق بشأن بقائه وحيدا طوال النهار والأهم من ذلك أنه سيجد فرصة للاختلاط بأقرانه حيث تنمو الطفولة وتتشكل ملامحها الحقيقية وسط ضحكات الأطفال وأحاديثهم العفوية.
رد زكريا بصوت خاڤت لكنه مطيع
حسنا.
راقبته كوثر وهو يقف على الكرسي الصغير في الحمام ينظف أسنانه بحركة رتيبة أمام المرآة.
كانت تعابير وجهه هادئة بشكل غريب وكأن قرار تسجيله في الروضة لا يعنيه في شيء.
قطبت حاجبيها بفضول وسألته
لماذا أنت مطيع لهذه الدرجة زاك ألا تريد أن تعرف أي شيء عن الروضة لا أسئلة لا اعتراضات
ظلت تحدق فيه وكأنها تحاول فك شيفرة شخصيته الصغيرة التي تبدو أكثر نضجا مما ينبغي. فكيف لا يخشى طفل في عمره الذهاب إلى مكان جديد والأهم كيف لا يبدي أي حماس أو توتر
لكن زكريا لم يتوقف عن تنظيف أسنانه وكأنما لا يرى أي داع للتوقف من أجل إجابة سؤال لا يستحق التوقف عنده ثم مسح فمه بمنديل وألقى نظرة باردة نحوها قبل أن يجيب بلا مبالاة
الأطفال يذهبون إلى المدرسة على أي حال سواء وافقت أم لا سأذهب.
حدقت فيه كوثر بذهول عاجزة عن الرد فزكريا لم يكن يشبه أي طفل عرفته من قبل... لم يكن مشاغبا لم يكن خائڤا لم يكن متحمسا... كان فقط زكريا ذلك الطفل الذي يحمل في ملامحه صمتا يشبه
سرا لم يكشف.
بعد الإفطار اصطحبهم السائق إلى روضة الأطفال حيث تكفلت كوثر بإتمام إجراءات تسجيل زكريا بسلاسة

حتى كاد الأمر يبدو كما لو أن الأوراق قد كتبت مسبقا وفي انتظاره.
لم تمض سوى لحظات حتى وجد الصغير نفسه جالسا بين أقرانه وكأن القدر عجل بخطواته في هذا العالم الجديد.
رفع زكريا وجهه البريء إلى والدته وكوثر وقال بثقة طفولية ممزوجة بحماس خفي
أمي كوثر لا تقلقا سأكون على ما يرام... سأنتبه في الفصل.
ابتسمت كوثر ثم أشارت إلى فتى يجلس على مقربة منه شعره قصير وعيناه تحملان لمحة من النباهة وقالت بنبرة مطمئنة تحاول أن تواري قلقا دفينا
هذا دارين ابن أخي لقد طلبت منه أن يكون درعك فلا تتردد في اللجوء إليه إن ضايقك أحدهم.
أشرق وجه زكريا وكأنه عثر على كنز غير متوقع وهتف بحماسة
حقا حسنا سأفعل!
بينما كانت سيرين وكوثر تنهيان الإجراءات انتهز زكريا الفرصة ليتأمل الروضة بعين تسترق النظر إلى التفاصيل الصغيرة وكأنه يستطلع ساحة معركة قادمة.
لم يكن هذا مجرد يوم دراسي عابر بل بداية مرحلة جديدة تشبه رقعة الشطرنج حيث كل حركة قد تحمل خلفها نية غير معلنة.
سرعان ما التقط زكريا طرف خيط أثار فضوله حين علم أن أحد الطلاب يدعى مالك نصران حفيد عم ظافر الأكبر أي باختصار... قريب والده المتنصل من التزاماته!
الاسم وحده كان كفيلا بإشعال شرارة في رأسه الصغير فمالك ليس مجرد تلميذ آخر بل سليل عائلة اعتادت أن تكون في الجهة المقابلة من الصراع.
ترددت أقاويل بين الممرات عن ذكاء مالك ونباهته وعن كونه محبوبا من الجميع لكنه في نظر زكريا لم يكن سوى حلقة جديدة من تلك السلالة التي عرفت والدته القهر على يديها.
للحظة راح زكريا يتساءل أي نوع من العباقرة قد تنجبهم تلك العائلة وهل الذكاء وحده كاف ليكسر الٹأر القديم
أما سيرين فكانت تجهل تماما خيوط الأفكار التي تداخلت في رأس صغيرها ففي نظرها زكريا لم يكن سوى طفل طيب القلب لم تلوثه الأحقاد بعد كما إنه خلال إقامتهما بالخارج قد أرسلته إلى روضة محلية حيث أحبه المعلمون وزملاؤه لحسن خلقه ولم يكن لديها أي سبب للقلق الآن.
بكل طمأنينة أودعته سيرين في الفصل قبل أن تغادر مع كوثر لكن الأخيرة لم تستطع تجاهل تلك النظرة في عيني زكريا فقد شعرت ولو لوهلة أن وراء حماسه للبقاء سرا لم تفك شفرته.
سيرين! هل لاحظت كيف بدا زاك متحمسا على غير العادة قالتها كوثر بشك.
توقفت سيرين للحظة لكنها هزت كتفيها بلا مبالاة
نعم لكنه دائما ما كان يحب التعلم وتكوين الصداقات.
أطرقت كوثر رأسها قليلا وكأن إحساسها لم يخفت تماما ثم التفتت إليها وقالت بصوت أكثر حذرا
آمل أن يكون الأمر كذلك... لكن لدي شعور بأنه لن يكون مجرد طالب عادي هنا.
ثم ابتسمت كوثر وغمزت لها مازحة وهي تعقد ذراعها بذراع سيرين
على كل حال يبدو أن دارين لن يكون من يحميه بل العكس تماما!
الفصل 59 
حين تركت سيرين صغيرها زكريا في روضة الأطفال شعرت أخيرا بأنها تنفض عن كاهلها بعضا من التوتر الذي صاحبها منذ مجيئهما إلى المدينة. أتاح لها ذلك فرصة نادرة لتتجول برفقة كوثر التي بفضل نادر قررت البقاء لفترة أطول لرعاية زكريا. 
نظرت إليها سيرين بعينين مليئتين بالامتنان وقالت بصدق 
شكرا لك كوثر... لا أعرف ما كنت سأفعله بدونك.
ابتسمت كوثر ابتسامة خفيفة تحمل مزيجا من التواضع والدفء وردت عليها بنبرة مازحة 
متى أصبحت رسمية هكذا لا حاجة لكل هذا الشكر بيننا. 
وفي هذه الأثناء بينما كان زكريا يخطو إلى داخل الفصل الدراسي انطلقت نظرات الدهشة والإعجاب نحوه كأنه نجم أطل فجأة في سماء لم يكن أحد يتوقعه.
وسامته لم تكن عادية بل كانت تحمل شيئا خاصا هالة من الجاذبية جعلت الفتيات يتهامسن فيما بينهن وعيونهن تتابعه وكأنهن وقعن في أسر سحره منذ اللحظة الأولى. 
تقدم المعلم ليعرف الجميع إليه قائلا بصوته الهادئ 
هذا زكريا تلميذ جديد انتقل إلينا مؤخرا من الخارج أرجو أن تعتنوا به جيدا.
في زاوية الفصل كان هناك صبي يدعى دارين الذي تلقى الليلة الماضية مكالمة من كوثر تخبره عن الطالب الجديد وتطلب منه أن يكون صديقا له. 
توقع دارين أن يكون القادم الجديد فتى مفتول العضلات شبيها له ربما حتى أكثر شراسة لكنه لم يكن مستعدا لما رأته عيناه.
زكريا لم يكن مجرد طفل جديد بل كان مختلفا... كان جماله من النوع الذي قد يدفع المرء للحيرة. بل إن دارين وجد نفسه يتمتم في سره بدهشة 
لو كان فتاة لكان أجمل فتاة رأيتها في حياتي! 
لكنه سرعان ما استعاد توازنه ولوح ل زكريا بمرح مشيرا له أن يجلس بجواره وحين استقر زكريا على المقعد مال إليه دارين قائلا بثقة 
إذن أنت زكريا! عمتي كوثر أوصتني بك وهذا يعني أنك الآن تحت حمايتي. 
رفع زكريا حاجبيه ثم ابتسم ابتسامة جانبية تحمل مزيجا من التساؤل والامتنان قبل أن يرد بنبرة هادئة تحمل شيئا من المكر 
يبدو أنني في أيد أمينة إذا.
لم
يكن دارين يتوقع أن يكون صوت زكريا بهذا الدفء وكأنه نغمة موسيقية هادئة وسط ضوضاء النهار فقد راق له ذلك لكنه لم يعلق. 
في الجهة الأخرى من الفصل كان هناك مالك نصران الطفل الذي لم يعتد أن يسرق أحد منه الأضواء.
كان جالسا في ركنه المعتاد مرتديا بدلة صغيرة أنيقة كل زر فيها يبدو وكأنه يساوي ثروة كانت ملامحه تحمل الغطرسة الفطرية لمن اعتاد أن يكون موضع الاهتمام.
وما إن وقعت عينا مالك على زكريا حتى تلاشت ابتسامته المسترخية واستبدلتها بنظرة حادة أشبه بنظرة صياد يتأمل دخيلا في أرضه. 
التقط دارين توتر الأجواء سريعا فاقترب من زكريا وهمس بتحذير خاڤت
هذا هو مالك نصران وريث عائلة نصران العريقة لا تحاول إغضابه فأنا حينها لن أستطيع مساعدتك. 
لم يملك زكريا إلا أن يبتسم في سره إذ كان دارين يشبه كوثر إلى حد مثير للدهشة وكأن الحماية غريزة طبيعية فيهما.
أدار زكريا وجهه إليه وقال بهدوء
لا تقلق لن أرتكب أي حماقة.
في هذه الأثناء ظن دارين أن زكريا من النوع المطيع الذي لا يجلب المشاكل وأعجب أيضا بتلك الميزة فيه.
أخذت أنظار زكريا تتجول المكان باستكشاف فوجد الفصل مليئا بالألعاب والألوان لكن بالنسبة ل زكريا لم يكن أي من هذا جديدا عليه ومع ذلك لم يكن ينوي أن يثير الانتباه أكثر مما حدث بالفعل لذا تصرف وكأنه مجرد طفل آخر بين الجميع لكن محاولته للبقاء بعيدا عن الأضواء قد فشلت تماما إذ سرعان ما بدأت الفتيات بالتجمع حوله يتنافسن في الحديث معه ويقدمن له الحلوى ويتبادلن الضحكات الخجولة حتى أن دارين وجد نفسه مزاحا جانبا ينظر إلى المشهد بإحساس غير مألوف من الإحباط. 
أما مالك فقد شعر بأن شيئا ما داخله يغلي إذ لطالما كان هو نجم هذا الفصل محط الإعجاب والمتلقي الوحيد لاهتمام الفتيات لذا لم يستطع تقبل أن يظهر زكريا فجأة لينتزع منه مكانته.
فكر مالك للحظة ثم ضيق عينيه بتركيز وقرر أن هذا لن يستمر طويلا وحين لاحظ مالك أن زكريا توجه نحو دورة
المياه
انتظر قليلا قبل أن يتبعه بخطوات هادئة فقد كان يعلم أن زكريا لم يدرك وجوده أو على الأقل 
هذا ما افترضه. 
بمهارة متمرسة أغلق مالك الباب خلفه ووضع لافتة تحت الصيانة مستخدما الحيلة التي مارسها من قبل.
نظر مالك إلى الداخل مستعدا لتنفيذ خطته لكن ما لم يكن يعرفه أن زكريا
كان واعيا له منذ البداية وكان ينتظره بابتسامة غير متوقعة...
الفصل 60
عندما دفع مالك باب الحمام كانت عيناه تلمعان بوميض خبيث فهو كان يتوقع أنه سيباغت زكريا في وضع مذل فينقض عليه بركلة غادرة تطيح به أرضا تنثر كرامته كما ينثر الماء على البلاط لكن ما رآه لم يكن في حسبانه.
فقد وقف زكريا هناك في سكون يشبه الليل قبل العاصفة عاقدا ذراعيه أمام صدره ينظر إليه بهدوء مربك وكأنه قرأ أفكاره قبل أن تطأ قدماه المكان.
لم يحاول مالك فتح مجال للحديث بل ألقى كلماته كما تلقى الأحجار في الماء الراكد فجاءت نبرة صوته قاطعة كحد السکين
أنا لا أحبك لذا بعد عودتك إلى المنزل اليوم أخبر والديك أن يعدا أوراق انسحابك من المدرسة.
لم يتغير تعبير زكريا وكأن كلمات محدثه لم تمسه بل اكتفى بأن مد يديه تحت الماء البارد يراقب القطرات تنساب من بين أصابعه قبل أن يرد بصوت هادئ لكنه يحمل في طياته نبرة تحد
ولماذا أفعل ذلك
رفع مالك رأسه في زهو وكأنه ينطق بحقيقة لا تقبل الجدل
لأنني وريث مجموعة نصران والخليفة المستقبلي لإمبراطورية عائلتي!
في هذه المدينة كان اسم آل نصران يرن في الآذان كاسم مقدس لا يمس ولا يعصى له أمر.
أضاف مالك بصوت تحذيري كمن يلقن خصمه درسا أخيرا قبل أن يسقطه في الهاوية
إذا عارضتني لن تعرف أنت ولا والداك كيف ولا متى ستنهار حياتكم عائلتي تمول هذه المدرسة وعندما أقول إنك سترحل فهذا يعني أن خيارك الوحيد... هو الرحيل.
رفع زكريا حاجبيه ببطء وكأن المشهد كله لا يخصه أو كمن تتلاشى في حضرته الكلمات قبل أن تصل إليه.
ابتسم زكريا ابتسامة خفيفة أشبه بابتسامة ساخر يرقب دمية تحاول أن تخيفه وتمتم بتفاجئ مصطنع
أوه.
ظن مالك أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد وأن غروره قد انتصر كعادته لكن تلك الأوهام تهاوت حين أكمل زكريا بنبرة ثابتة كصخرة تتحدى الأمواج
لن أغادر.
كلمات أشعلت في قلب مالك شرارة ڠضب مستعرة لم يستطع كبحها فاندفع پجنون ورفع ساقه ليسقط زكريا أرضا بركلة من قدمه اليمنى ولكن زكريا كان أسرع إذ لمح الھجوم بطرف عينه وانقض بجسده كما ينقض صقر على فريسته يصد الھجوم بمهارة خبير ثم رد الضړبة بواحدة جعلت الهواء يفر من رئتي مالك.
لم يكن يعلم مالك أن هذا الفتى الذي يقف أمامه قد أمضى لياليه الطويلة في التدريب على رياضة الكيك بوكسينغ ليس لحماية نفسه فحسب بل لحماية من أحب وهما سيرين ونوح وذلك عندما يكبر.
بعد دقائق لم يبق في الحمام سوى صوت واحد... أنين مالك وتوسلاته المذعورة.
انحنى زكريا نحوه هامسا كمن يوقع على حكم غير قابل للاستئناف
هل لا تزال تريدني أن أترك المدرسة
اهتز صوت مالك يقول بأنفاس متقطعة
لا...
أضاف زكريا وهو يكور قبضته يرفعها بوجه مالك متخذا وضعية الھجوم
هل ستشي بي
هز مالك رأسه بهلع يجيب پخوف هيستيري
لا...
وقف زكريا مجددا ومن ثم غسل يديه من أثر هذه اللحظة كما يغسل المرء يديه من خطيئة لا يريد أن تلاحقه وبعدها الټفت إليه قائلا
تذكر إن أخبرت أحدا سألقنك درسا جديدا في كل مرة تقع عيني فيها عليك.
لم ينطق مالك بحرف آخر إذ كان يعرف أنه من الأفضل ألا يخبر أحدا بما حدث فالكرامة عند من يدعي الرجولة أهم من الاعتراف بالهزيمة.
ها هي كوثر تتلقى مكالمة هاتفية جعلتها تغادر في عجالة تاركة سيرين وحدها تتجول وسط الحشود.
لوهلة بدت المدينة نابضة بالحياة لكن الغربة تسللت إلى قلب سيرين كما لو أنها لم تخط في شوارعها منذ دهور.
كان الصيف في ذروته والسماء كأنها مرآة تعكس تقلباته المزاجية وفي غمضة عين تبدل صفاؤها إلى كآبة قاتمة وأرسل البرق شظاياه المضيئة تلاه الرعد يجلجل كقلب غاضب.
لم تمهلها الغيوم كثيرا قبل أن ترسل زخاتها الغزيرة كأنها تحاول محو آثار الزمن عن الأرصفة.
لم تفكر لثانية بل احتمت تحت سقف عال بينما تهادت أمامها سيارة بنتلي سوداء ببطء محسوب.
انخفضت النافذة فكشف المطر عن وجه مألوف رجل وسيم بملامح نحتها الزمن فجاء صوته منخفضا لكنه نافذ
اركبي.
ترددت لوهلة كمن يتوجس من فتح صندوق ذكريات مغلق بإحكام لكنها في النهاية فتحت باب السيارة الخلفي لتركب ولكنه تمتم بنفاذ صبر
أنا لست سائقك اجلسي في المقدمة.
تجمدت للحظة ثم جربت الباب الخلفي مجددا لكنه أبى أن ينفتح وكأن القدر يفرض عليها الانصياع لرغبته.
جلست بجواره عيناها تهربان إلى النافذة إلى المدينة التي تتساقط فوقها الأمطار كدموع حبيسة.
ساد صمت ثقيل فقط وحده صوت المطر يطرق زجاج السيارة بإلحاح.
لم يكن الجو باردا بقدر ما كان خانقا كأن الهواء نفسه يختزن كلمات لم تنطق.
قاد ظافر بصمت ملامحه متحجرة نظراته مستقيمة لا تحيد.
بينما كانت سيرين تراقب الطرقات وهي تتبدل كلما خطت إطارات السيارة وإذا بهما في ممر ضيق يبتلعهم بعيدا عن الصخب.
فجأة انكمشت في مقعدها فهي تعرف هذا الطريق... هذا المكان المنسي على أطراف ذاكرتها.
هنا في ليلة مشابهة قبل سنوات كانت مراهقة هائمة تحت المطر ملابسها ملتصقة بجسدها الهزيل قدماها العاريتان تلامسان الأرض الباردة بينما قلوب قاسېة ضحكت على عذاباتها إذ انشقت الأرض تعرب عن وجود بعض من المراهقين المتنمرين الذين قاموا بمضايقتها وكانوا في حالة عدم وعي تام.
لكن في تلك الليلة جاءها هو... ظافر حينها كان مختلفا دفئا وسط العاصفة.
قاد سيارته وأخذ يتجول بالازقة والطرقات حتى وجدها ومن ثم حملها بين ذراعيه وطمأنها بصوت كان أشبه بوعد
لا تخافي سيرين أنا هنا لأجلك...
هزت سيرين رأسها تنفض عنها تلك الذكرى حتى لا تضعف أمامه مجددا فهو يجيد العزف على أوتارها وتسائلت
كيف لهذا الصبي الذي كان ذات يوم منارتها أن يصبح هذا الرجل البارد الصامت الذي يبدو وكأن الزمن قد محا من قلبه كل أثر للرحمة
أدارت رأسها نحوه وأخذت عيناها تتفحصان ملامحه بصمت بينما هو يقود بعيدا عن الماضي والحاضر معا تراقب تفاحة آدم خاصته تتحرك حين ابتلع كأنه يخفي كلمات لا يريد لها أن تقال.
وحين ابتعدت السيارة أكثر لم تستطع كبح السؤال الذي تسلل من بين شفتيها فخرج صوتها هادئا لكنه ينذر بالعاصفة القادمة
إلى أين تأخذني سيد نصران
ترى ما الذي يخطط له ذلك المتجبر! وإلى أين سيأخذها وما هي نواياه!