رواية حب ليس له مثيل كاملة


يجد له تفسيرا بعد.
لاحظت دينا نظراته المتفحصة فحاولت أن تتماسك أن تبقى طبيعية لكنها لم تستطع إخفاء ارتعاشة خفيفة في يديها. 
طارق قلت إن لديك أمرا مهما لتخبرني به. ماذا هناك 
انتفض من شروده كمن أفاق من حلم ثقيل وأدار وجهه بعيدا وكأنه يهرب من عينين تترقبان ما سيقوله بنفاذ صبر... وحين تكلم انسل صوته باردا قاطعا كحد السيف يحمل بين طياته صرامة لم تألفها منه من قبل 
سيرين... ماټت. 
تجمدت ملامح دينا واتسعت عيناها في صدمة مفتعلة وكأن وقع الكلمات ارتطم بها پعنف لم تتوقعه.
شهقت ثم تلعثمت تبحث عن الكلمات وسط
العاصفة التي لم تهب يوما في داخلها 
متى كيف... كيف حدث ذلك فجأة! 
كانت نبرتها لا تخلو من الدهشة والذهول لكن بين الشقوق التي لم ترممها الصدمة تسلل شعور آخر أكثر خبثا... راحة. 
نعم راحة دافئة كنسيم ليلي يزيح عن كاهلها عبء صخرة جثمت طويلا على صدرها... مۏت سيرين كان المفتاح الأخير الباب الذي أغلق أخيرا ليمنحها طريقا ممهدا نحو ظافر دون عوائق... دون أشباح. 
قال طارق بصوت خال من أي انفعال وكأنه يسرد تقريرا طبيا لا يعنيه في شيء 
حدث ذلك بالأمس. ڼزفت حتى آخر قطرة ولم تفلح أي محاولة لإنعاشها. 
رفع طارق كأس النبيذ أمام عينيه وراح يراقب الدوامات الحمراء وهي تدور في الكأس كأنها تحكي قصة نزيفها الأخير وذلك قبل أن يرفعها إلى شفتيه ويشربها دفعة واحدة كمن يبتلع ذكرى لا يريد الاحتفاظ بها. 
لكن عبر زجاج الكأس التقط وميضا... شرارة خاطفة في عيني دينا برق عابر لم يكن من المفترض أن يراه لكنه لاحظه بوضوح... فرح مختبئ كطيف سريع اختفى في اللحظة التالية لكنه كان هناك للحظة... وكان كافيا. 
تنهدت دينا ببطء وأسقطت جملتها كما لو كانت حقيقة مطلقة صوتها مشوب بنبرة فلسفية مصطنعة كمن يستدرج نفسه ليبرر القدر 
أعتقد أن هذا هو المصير المحتوم لشخص گ سيرين. 
ثم تابعت دينا وقد تأججت عيناها ببريق متعال كأنها تقف على منصة القضاء تصدر حكمها بلا تردد 
ولدت سيرين وفي قبضتها مفتاح الحياة التي يحلم بها الجميع. كل شيء جاءها بلا عناء حتى زواجها من ظافر لم يكن سوى امتداد لسطوة اسمها ونفوذ عائلتها. ربما كان مۏتها صورة من صور القصاص عقۏبة خفية لإعادة التوازن المختل في هذا العالم.
القصاص 
ترددت الكلمة في عقل طارق كوقع أقدام على ممر طويل في ظلام دامس لكنها لم تكن مجرد صدى بعيد بل صړخة مكتومة تزلزل أعماقه.
للمرة الأولى تسلل إليه إحساس بأن كلمات دينا تخفي بين حروفها ظلالا مرعبة. 
هل يعقل أن تكون چريمة سيرين الوحيدة أنها ولدت في كنف الثراء 
كان يعلم يقينا أن زواج سيرين وظافر لم يكن سوى صفقة التقاء مصلحتين في قالب مصقول بالمظاهر.
ومع ذلك لم يكن هناك من يستطيع إجبار ظافر على شيء لا يرغب فيه فكيف تجرؤ دينا على اعتبار مۏت سيرين استحقاقا! أي عبث هذا الذي تنطق به!
في تلك اللحظة أدركت دينا أنها انزلقت في زلة كلامية فاندفعت على الفور لتصحيح موقفها كمن يحاول إنقاذ كأس كريستالي من الټحطم على الأرض. 
قالت بلهجة مفعمة بالتبرير 
طارق أنت تعلم أنني كنت أقصد سيرين فقط حين قلت ذلك لم يكن في نيتي التعميم... في النهاية هي من كانت تتقن المكر إلى حد الإتقان. 
اكتفى طارق بهمهمة
خاڤتة أشبه بصدى أفكار تتصارع داخله... رفع كأسه إلى شفتيه يرتشف القليل ثم صب لنفسه كأسا آخر كأنه يحاول أن يغسل داخله من آثار الكلمات العالقة في ذهنه. 
تسلل إليه سؤال خبيث كما يتسلل الدخان عبر شقوق باب مغلق
هل كانت سيرين تخطط حقا 
راح يغوص في بحر شكوكه مستعيدا كل ما قيل عنها... ثم أدرك في النهاية أن دينا هي المصدر الوحيد لهذه الروايات عن ألاعيب سيرين إذ لم يكن قد شهد بعينيه أيا من تلك الحيل التي زعم أنها تمارسها.
نعم لم ير من سيرين سوى حبا عارما لظافر حبا جعلها تلتف حوله كما تلتف الكرمة حول جذع شجرة... كانت على استعداد لفعل أي شيء لإرضاء عالمه حتى لو شمل ذلك هو نفسه. 
لكن... هل يعد ذلك مخططا! 
تلاشى طعم النبيذ في فمه فجأة كأن الشك قد امتزج بالسائل الأحمر فأفقده مذاقه. 
لقد وضع طارق ثقته في دينا لأربع سنوات كاملة كانت أقرب إليه من ظله من المستحيل أن تكون قد خدعته... أليس كذلك كيف يمكن لإنسانة خاطرت بحياتها من أجله أن تكون شخصا سيئا 
خرج صوته أجشا على غير المتوقع كأنه يخرج من جوف قلب مثقل بالأفكار 
دينا مؤخرا بدأت تراودني الأحلام... عن الماضي. أراك فيها... تنقذينني. كنت تقولين لي ألا أخاف وأن كل شيء سيكون على ما يرام. 
صمت للحظة ثم تابع بصوت أكثر خفوتا لكنه محمل بوزن الذكريات وبات على مشارف اليقين التام بأنها مجرد وهم ولكن لابد من أن يتأكد 
نجوت بفضلك أتذكرين 
الفصل 17
بالطبع لم تكن دينا تتذكر شيئا من ذلك لكن ما لم تستطع نسيانه أبدا هو قدرتها الفطرية على قراءة الآخري وكأنها تمتلك عينا ثالثة

تتسلل إلى دواخلهم تلتقط تلك الارتعاشة الخفيفة في زاوية الفم أو النظرة المشتتة التي تنم
عن سر دفين 
ذلك اليوم راقبت طارق عن كثب كان مختلفا متوجسا كمن تحاصره الذكريات ولا يجد مهربا منها 
عيناه ظلتا تتنقلان بين وجهها وذراعيها كأنهما تبحثان عن إجابة محفورة في الجلد لذلك استشعرت قلقه فقررت أن تناور 
تظاهرت بأنها تذكرت وأجادت الدور كما اعتادت دائما فابتسمت نصف ابتسامة وكأنها تستدعي الماضي من أعماق الذاكرة وقالت بصوت يفيض بالحنين 
بالطبع أتذكر في ذلك اليوم كنت مړعوپة فلقد ظننت أنك ستفارق الحياة بين لحظة وأخرى 
توقفت لبرهة عن استكمال حديثها متعمدة أن تترك كلماتها تتسلل إليه ببطء ثم تابعت بنبرة تملؤها المبالغة المدروسة 
كانت السيارة قد تحولت إلى كومة من الخردة بالكاد استطعت أن أفتح بابها لأتمكن من سحبك للخارج! لم أشعر بالألم حينها لكنني أدركت لاحقا أنني كنت مليئة بالچروح والخدوش ذراعاي تحملان آثار ذلك حتى اليوم 
خفضت عينيها قليلا وكأنها تتذكر شيئا مؤلما ثم غمغمت بنبرة أكثر درامية 
لم يكن الأمر سهلا الندوب كانت بشعة لدرجة أنني اضطررت للخضوع لعملية جراحية لإزالتها 
راقبها طارق بصمت وعيناه تضيقان كما لو كان يحاول غربلة الحقيقة من بين كلماتها لكنه لم يكن الرجل الساذج ذاته الذي كان عليه في الماضي ولم يعد يثق بالكلمات بقدر ما يثق بالذكريات التي تحفر نفسها في عقله بلا رحمة 
في تلك الليلة المشؤومة الفتاة التي أنقذته لم تقل له ألا ېخاف بل همست له مرارا بصوت ثابت رغم الفوضى 
لابد وأن تبقى قويا 
كانت تلك العبارة وحدها هي التي ما زالت ترن في ذهنه بوضوح كضوء النهار 
وقف طارق على عتبة الرحيل بعد أن فرغوا من تناول طعامهم لكنه لم يغادر فورا فبدلا من ذلك أدار وجهه نحو دينا وألقى عليها نظرة مطولة لم تكن تحمل في طياتها مجرد تأمل عابر بل كانت تحقيقا صامتا أشبه باستجواب غير منطوق اختبارا لنقاء الكلمات قبل أن تخرج من شفتيها 
ثم نطق بصوت منخفض لكنه كان مشحونا بمعان ثقيلة 
دينا أنت تعرفينني منذ زمن بعيد ينبغي أن تدركي جيدا أنني لا أحتمل الكذب لا أقبله ولا أسامح عليه 
تسارعت دقات قلبها وكأنها طائر حشر في قفص ضيق 
لم تكن كلماته ټهديد مباشر لكنها تسللت إلى أعماقها كجمرة اشتعلت في هشيم مخاوفها 
راقبته وهو يغادر بينما رعشة غير مرئية تسري في أطرافها وبعد أن خلت بنفسها غاصت في دوامة أفكارها ومن ثم ابتسمت بخبث حالما أدركت
أن سيرين هي الشاهدة الوحيدة على ما حدث وها قد رحلت إلى الأبد لذا لم يعد هناك من يستطيع أن يبوح بالحقيقة لطارق وإن انتابه الشك فلديها دائما سلاحھا الأخير الإنكار 
لكن طارق لم يكن من النوع الذي يترك الأسئلة معلقة في الهواء وما إن عاد إلى قصره الفخم حتى اتخذ قراره بلا تردد ملتقطا هاتفه وأصدر أوامره لشخص ما بالتحقيق في ما جرى في ذلك اليوم المشؤوم 
ألقى طارق بحمل جسده على أقرب مقعد فلطالما أعتقد أن دينا هي منقذته ولم يشكك يوما أبدا في روايتها ولم يكلف نفسه عناء البحث حينها إذ لم يظهر أحد ليناقضها أو يطالب بمكانها في القصة لكنه الآن وهو يربط الخيوط المتناثرة بات يدرك أن هناك احتمالا احتمالا واحدا لم يكن يريد مواجهته 
كان يأمل فقط ألا يكون قد وقع في خطأ حتى يريح ضميره الذي ينغص عليه هدوءه بعد أن غدر بسيرين كما فعل الآخرين ولكن هو الأكثر خسة من بينهم إنها ملاكه الحارس هي منقذته الحقيقة في حال أن ما كانت تدعيه دينا مجرد وهم 
إليك إعادة الصياغة بأسلوب أدبي بليغ ومفعم بالمشاعر والتشبيهات المتناغمة على طريقة أحمد مراد 
توقفت سيارة ظافر أمام قصر آل نصران وألقى بجسده المتوتر على المقعد الجلدي الليل يلف المدينة بردائه الداكن والهواء المشبع بالدخان يعكس اضطراب روحه كان قد زار شقة إيفات القديمة صباحا لكن المكان بدا مهجورا كأنما لم تطأه قدم منذ زمن 
عيناه كانت مسمرة في الفراغ أفكاره تتخبط بين احتمالات يرفض قلبه تصديقها لقد أرسل رجاله في كل الاتجاهات للبحث عن سيرين مصرا على أنها لا تزال حية لكنهم عادوا إليه بقبضات فارغة كان يرفض التسليم بغيابها يرفض مجرد التفكير في كونها ماټت 
عندما بدأ صداع حاد يزحف إلى رأسه فتح باب السيارة بخطوات مثقلة ودلف إلى القصر وما إن عبر العتبة حتى تجمدت قدماه هناك وسط الرواق وقفت سيرين 
اتسعت عيناه واندفعت نبضاته كأنها تريد الخروج من صدره ركض نحوها يمد ذراعيه كمن يركض نحو الحياة ذاتها اشتاقها حد الألم جسده ېصرخ مطالبا بضمھا باستعادة ملمسها بحرارة وجودها ولكن في اللحظة التي كاد يلمسها تلاشت أمامه كما يتلاشى السراب في وهج الصحراء 
توقف فجأة ليتلاشى كل شيء من حوله أيضا 
أدرك حينها أنه كان يلهث خلف وهم خلف هلوسة أوجدها عقله المعذب 
استند إلى الأريكة بضعف مدلكا جبهته في محاولة منه ليخفي بؤسا فضحته عيناه 
ولكن هيهات إنه لم يذق النوم ليلة أمس وحتى الآن كان الإرهاق ينهش جسده لكنه مع ذلك ظل مستيقظا وكأن النوم ذاته قد أعلن العصيان عليه 
لم يستطع تصديق أن سيرين رحلت كيف يمكن لها
أن تختفي هكذا لقد كانت بخير كانت هنا معه بالأمس! 
طرق مفاجئ على الباب قطع أفكاره فنهض مسرعا وكأنما يتشبث بأي شيء يبقيه على قيد الواقع 
فتح الباب ليجد طارق واقفا هناك عابس الوجه منهك الملامح يحمل بين يديه حقيبة ممتلئة بالملفات 
ظافر هذه هي السجلات الطبية الخاصة سيرين قالها بصوت خفيض وهو يناوله الأوراق المتراكمة بين