رواية حب ليس له مثيل كاملة


شعور دافئ يشبه رعشة الحنين التي تسبق العناق.
تسللت نظرتها إليه كنسيم رقيق يلامس الوجوه في صباح هادئ ثم رفعت كوبها برفق إلى شفتيها واحتست منه رشفة كأنها تستطعم الفكرة قبل أن تنطق بها ثم التفتت إلى دينا وقالت بصوت غلفته لمسة من التمني 
يا له من فتى صغير رائع يحمل في ملامحه براءة لم تفسدها الأيام وسکينة تنم عن عقل راجح. إنه مهذب ومتزن لو قدر لظافر أن يكون أبا لكان طفله على الأرجح صورة منه. 
كان وجه شادية الذي اعتاد الجمود يلين فقط أمام هؤلاء الصغار كأنهم مفاتيح سرية تفتح أبواب مشاعرها الموصدة. 
أما دينا فقد فهمت المغزى خلف كلمات شادية فذلك التلميح لم يكن يخفى عليها أبدا إذ كانت تعلم أن شادية تحثها مرة أخرى بلطف متوار خلف الكلمات على الإسراع بمنح ظافر طفلا يحمل ملامحه ويمضي باسمه في دروب الحياة.
لم تجد دينا ردا سوى إيماءة هادئة هزت بها رأسها موافقة وإن كانت أعماقها تضج بالكثير مما لم يقل.
في ذلك الحين ما إن بلغ طارق جناحه حتى التقط هاتفه واتصل بماهر طالبا منه إحضار ملابس جديدة عوضا عن تلك التي غطاها المشروب بالكامل.
لم تمض سوى لحظات حتى أطل ماهر متأبطا حزمة مرتبة من الملابس ووضعها بعناية على الطاولة قائلا بنبرة مهنية جامدة 
لقد وضعت الملابس على الطاولة يا سيدي. 
رد طارق بإيماءة مقتضبة ثم قال بصوت خاڤت مشوب بملامح الإرهاق 
حسنا يمكنك الذهاب الآن. 
أجاب ماهر بإيجاز
مفهوم يا سيدي. 
أدار ماهر المقبض وخرج دون أن يلقي نظرة على زوايا الغرفة غافلا عن ذاك الصبي الصغير المتكوم عند طرف الأريكة كظل كامن في العتمة يراقب بصمت مترصد إذ لم يخطر ببال ماهى للحظة أن أحدا قد يتسلل إلى
غرفة طارق فغادر مطمئنا تاركا الأقدار تعبث بمسرحها كما يحلو لها. 
داخل الحمام انهمرت المياه الساخنة على جسد طارق تذيب تعب الليلة الماضية بينما استند بكفيه إلى الجدار يحاول أن يغسل أكثر من مجرد عناء يومه لكنه لم يكن وحده في المشهد... 
عند سماع خرير المياه نهض زكريا بخفة لص متمرس يتسلل على أطراف أصابعه كقط بري حتى بلغ الطاولة حيث استقرت ملابس طارق وهاتفه ولم يتردد لحظة بل أمسك بهما واندفع نحو النافذة وفتحها بحذر.
لمعت عينا الصبي بنظرة اڼتقام طفولية ثم همس بسخرية حاقدة قبل أن يلقي بهما نحو المجهول 
هذا ما تجنيه حين تستهين بأمي... 
ولم يكتف بهذا بل اقترب من الهاتف المثبت على الجدار وبضغطة ماهرة قطع أسلاكه تاركا طارق محاصرا في عزلته. 
وقبل أن يغادر خفض حافة قبعته على وجهه وأسرع خارجا متسللا بين أروقة الفندق المزدحمة. 
لكنه في غمرة اندفاعه اصطدم فجأة بأرجل رجل طويل معضل فارتد للخلف ككرة مطاطية ورفع رأسه في اضطراب.
تلاقت نظرات الصبي بعينين باردتين ثابتتين كأنهما تقرآن دواخله في لحظة خاطفة. 
أنا آسف... تمتم زكريا محاولا تفادي أي اشتباه. 
لكن نظرات الرجل اخترقته وسكنه إحساس غريب... كأنه يرى انعكاسا غير واضح لنفسه في تلك العيون.
رد الرجل بصوت منخفض كأنه يزن كلماته بميزان العقل 
لا بأس. 
ثم أكمل زكريا طريقه راكضا متمنيا أن يكون قناعه وقبعته قد أنقذاه من أي ريبة قد تضج بها رأس ظافر نصران لكن قلبه ظل يتسابق پجنون حتى بعدما غادر الفندق. 
وفي تلك اللحظة خرج طارق من الحمام يجفف شعره بمنشفة قبل أن تلمح عيناه الطاولة الفارغة فتوقف لبرهة ثم الټفت بحدة يبحث بعينيه عن ملابسه وهاتفه لكن لا أثر لهما فاندفع نحو الهاتف الأرضي ليجده مقطوعا. 
شعر طارق بدمه يغلي كأن أحدا صب الزيت فوق ڼار غضبه المستعرة تأفف بضجر وهو يجز على أنيابه بغيظ فلم يكن أمامه خيار آخر سوى أن يلف المنشفة حول خصره ويفتح الباب ليجد نفسه أمام دهشة نزلاء الفندق وهم يحدقون فيه وكأنه مشهد سينمائي غير متوقع. 
بهدوء ساخر اقترب من أحدهم ليستعير هاتفه واتصل بماهر وبعد دقائق من البحث المحموم عثر على ملابسه وهاتفه ملقيين في الطابق السفلي كجثتين باردتين على أرض قاحلة. 
تناول طارق الهاتف وقلبه ينبض بالأسئلة لكنه لم يظهر شيئا فقط ضغطه بين يديه بينما ماهر ينظر إليه بقلق قائلا 
هل يعقل أن أحدا يريد الإيقاع بك يا سيد طارق 
نظر إليه طارق نظرة غامضة ثم أجاب ببطء 
لا أظن... 
لأن من يريد إيذاءه لن يكتفي بإلقاء ملابسه وهاتفه فقد كان الأمر أشبه بمقلب طفولي لا يشبه إلا عقلية صبي... 
توقف عند هذه الفكرة وتجمدت ملامحه وهو يسترجع وجه ذلك الطفل المتنكر المدلل الذي عرض عليه مشروبا متسائلا هل يمكن أن يكون... 
ابتلع شكه قبل أن يفلت لسانه بأي اعتراف ثم قطع طارق صمت ماهر بقوله الحازم 
اترك الأمر. 
رفع ماهر حاجبيه في دهشة لكنه أطاع وإن كانت في رأسه ألف علامة استفهام. 
وما إن بدأ ماهر
في الحديث عن نتائج التحقيق الذي طلب منه حتى كان عقل طارق في مكان آخر تماما حيث أسئلة لم يكن مستعدا لمواجهتها...
الفصل 57 
نقل ماهر كل ما اكتشفه إلى طارق بصوت منخفض كأنه يهمس بأسرار الكون في أذنه 
كوثر وريثة العائلة العريقة تلك التي خط اسمها على جدران المجالس المخملية والسيدة تهامي كانتا زميلتان في الجامعة نفسها حسنا... اسمع السيدة كوثر قد غادرت البلاد فور تخرجها ثم عادت بعد فترة وجيزة من عودة السيدة تهامي... لكن ما كشفتهوهنا تكمن المفاجأةأن كوثر لم يكن قلبها جامدا كما يظن الجميع. لقد انشغل فكرها بشاب كان يشاركهم مقاعد الدرس يدعى نادر وأظن بل أكاد أجزم أن سبب إقحامها للسيدة تهامي في هذا الموعد الأعمى بدلا عنها لم يكن سوى حبها للسيد نادر. 
تسللت هذه الكلمات إلى أذن طارق كأنها سم حلو المذاق لم يعلق ولم ينبس بكلمة فقط تمادى في صمته بينما عيناه تأرجحتا بين الظلال إذ كان ذهنه يكتب سيناريوهات ويربط الخيوط ويعيد ترتيب الأوراق المحترقة. 
ارتدى طارق ملابسه الجديدة بحركة رتيبة كمن يرتدي قناعا إضافيا يخفي وراءه أفكاره ثم نزل إلى الطابق السفلي.
وهناك على مرمى نظره وقف ظافر ودينا... كان مشهد متقن كلوحة زيتية هو بوقفته الواثقة وهي بنظراتها الناعمة التي لا تخلو من الخبث يبدوان كزوجين خرجا لتوهما من قصة حب خطت بمداد رومانسي متقن. 
توقف طارق لثوان وكأن قدميه التصقتا بالأرض يتأمل المشهد قبل أن يقرر بصمت مطبق ألا يخبر ظافر بما حدث ذلك اليوم فببساطة بعض الحقائق تظل أكثر أمانا حين تبقى طي الكتمان.
في تلك الأثناء ارتجف هاتف سيرين بين يديها معلنا عن اتصال من كوثر كان صوتها على الطرف الآخر مشوبا بالشجن كأنها تحاول إخفاء حزن يفيض من بين كلماتها رغما عنها وتمتمت تقول بخفوت
سأعود إلى المنزل الليلة يا سيرين.
ترددت سيرين للحظة ثم سألت بصوت حذر وكأنها تخشى الإجابة 
كيف كان
الأمر هل وجدته
ارتجفت أنفاس كوثر للحظة كأنها تبتلع غصة مريرة عالقة في حلقها ثم همست بصوت

خاڤت كنسمة باردة تسللت عبر نافذة مواربة 
أجل... وجدته.
صمتت كوثر للحظات كأنها تجمع شتات نفسها قبل أن تضيف بصوت أكثر وهنا 
لكنه الآن يواعد أخرى انتهى الأمر.
لم تجد سيرين ما تقوله فكيف يمكن للكلمات أن تضمد چرحا لا يرى لكنه ينهش القلب كحيوان مفترس 
أحست كوثر بالصمت المربك فحاولت الهروب منه بتغيير الموضوع لتقول بمرح مصطنع 
دعك مني أخبريني... كيف كان موعدك الأعمى أتمنى أن ذلك الرجل لم يزعجك. 
أطلقت سيرين زفرة خانقة ثم نظرت عبر النافذة إلى الشمس التي كانت تلقي بآخر خيوطها على الأفق وكأنها تودع يوما كان ثقيلا على القلب. 
إنها قصة طويلة... قالتها وكأنها تؤجل البوح ثم أضافت 
سآتي الليلة لرؤيتك أنت وزاك ويمكننا التحدث حينها. 
حسنا... سأنتظرك. تلك كانت عبارة كوثر الأخيرة قبل إنهاء المكالمة
حين عادت
كوثر إلى المنزل مساء ارتدت قناع الصمود بإتقان ولم تأت على ذكر نادر كأنه لم يكن أو كأنها قد محته من دفتر ذاكرتها بيد مرتجفة. 
أما سيرين وزكريا لم يسألا إذ لم يرد أحد أن ينبش الچرح قبل أن يلتئم أو بالأحرى قبل أن تتقن كوثر خداع نفسها بأنه قد التأم. 
وبدلا من ذلك حدثتهم سيرين عن لقائها المرتقب ذلك اليوم. 
عندما نطقت سيرين باسم طارق اتسعت عينا كوثر دهشة ثم زفرت ببطء 
طارق لم أكن أعلم أنه سيكون هو العريس المنتظر كان علي أن أسأل والدي قبل أن أطلب منك الذهاب بدلا مني. 
ثم هزت رأسها بأسف كأنها تلوم نفسها على هذا المصادفة غير السعيدة. 
لكن سيرين بعينين يملؤهما الحيرة قالت 
أنا فقط قلقة من أنه قد ينتقم منك.
قهقهت كوثر بسخرية محاولة أن تبدو غير مكترثة 
اڼتقام إنه رجل ناضج هل تعتقدين حقا أنه قد ينحدر إلى هذه الدرجة ليهاجمنا نحن الاثنين
لكن سيرين لم تشاركها الاستهانة بل تمتمت بشيء من التوجس 
كنت أظن ذلك أيضا لكن طارق كان مستعدا لفعل أي شيء من أجل دينا.
كان في صوت سيرين لجلجة خفيفة كمن يتذكر مشهدا لم يكن يتمنى رؤيته.
بينما كان زكريا غارقا في صفحات كتابه تجاذبت أذناه أطراف الحديث من حوله لكنه ظل صامتا متظاهرا بعدم الاكتراث.
في تلك الأثناء لم تكن عيناه على الكلمات بقدر ما كانت يده تتحرك بخفة كأنها عازف بيانو يضغط على مفاتيح غير مرئية يرفع الصورة التي التقطها لطارق في الليلة الماضية ويلقي بها في بحر الإنترنت المترامي حيث لا يعود للسر مكان. 
وبينما تسلل الليل مودعا المدينة حمل الصباح مفاجأة مدوية إذ تفجرت مواقع الأخبار بعناوين جريئة أبرزها واحد ېصرخ 
السيد طارق الثري العريق يتبول على نفسه بعد ليلة حمراء من السكر! 
وتحته صورة مهينة لطارق وهو يتهادى في ردهات الفندق وسرواله مخضب بالنبيذ الأحمر وكأنه سفينة غارقة وسط محيط من الضحك الساخر. 
في شقتها استيقظت كوثر على همسات الإشعارات التي غمرت هاتفها وبينما لم تكد تزيح الغطاء عن جسدها حتى وقعت عيناها على الخبر.
لحظة صمت أعقبتها انفجار ضحكة مجلجلة أيقظت سيرين من شرودها فدفعت كوثر الشاشة أمامها قائلة 
سيرين أنظري لهذا!
ضحكت كوثر وهي تتأمل الصورة بذهول قبل أن تهتف بتهكم
أهذه عدالة كونية أم مجرد مصادفة ساخرة 
بينما علقت سيرين وهي تهز رأسها بعدم تصديق
من تجرأ على هذا صاحب قلب من حديد! 
أما في مكتب طارق فقد كان المشهد أشبه بعاصفة قبل أن تهطل الأمطار.
إذ وقف أمام النافذة وعيناه مسمرتان على الأفق كأنما يبحث فيه عن ثغرة يهرب من خلالها من هذا العاړ الفادح.
كان وجهه متحجرا داكنا كأنه سحب كثيفة تتوعد بعاصفة وبجواره وقف ماهر متوترا
يبحث عن الكلمات المناسبة ليمتص الڠضب المتفجر أمامه 
لقد أزلنا المنشور سيدي ولكن...
استدار طارق نحوه ببطء وعيناه كجمرتين تتراقصان تحت رماد الڠضب وقال بصوت حمل من الوعيد ما يكفي لإشعال المدينة 
من فعل هذا بحق الچحيم هل توصلتم