رواية حب ليس له مثيل كاملة


أطلقت ضحكة ساخرة باردة كأنها نسمة شتاء تتسلل من نافذة مفتوحة على مصراعيها ثم استدارت وغادرت تاركة خلفها صمتا أثقل من الړصاص. 
تابعت دينا خطوات سيرين وهي تختفي لتستحضر صورة قديمة في ذاكرتها... ابنة عائلة تهامي المتغطرسة تلك التي كان الجميع يسعى لنيل رضاها والآن الآن لا شيء سوى أطلال عائلة كانت يوما في القمة. 
انقبض قلب دينا وهي تستعيد كيف كانت تجبر على التودد إلى سيرين لمجرد أن تقترب من عائلة تهامي وكيف كانت تهبط بكرامتها درجة تلو الأخرى لأجل ذلك لكن الزمن دار والسقوط كان قاسېا تمتمت دينا بذهول
لم تعد سيرين شيئا الآن فلماذا لا تزال تحمل كل هذا الكبرياء
أخذت دينا نفسا عميقا تبتلع غصة في حلقها ثم قطع صوت الهاتف أفكارها. 
رفعت دينا الهاتف إلى أذنها لتستمع إلى صوت صديقتها تقول بشيء من الحماسة المضطربة 
دينا الأغنية التي أردتها أصبحت متاحة أخيرا.
ارتفع حاجبا دينا بدهشة تقول
حقا 
لكن الصديقة ترددت قليلا قبل أن تضيف 
ولكن...
ما الأمر أخبرني سألتها دينا.
فأجابتها من على الطرف الآخر
السيدة ساسو لديها أغنية تم إصدارها على منصة في الخارج لكنها لم تتقدم بطلب للحصول على حقوق الطبع والنشر بعد. لقد سمعت الأغنية. من المؤكد أنها ستصبح ناجحة. يمكننا إجراء بعض التعديلات ...
كان ذلك انتحال ودينا تفهم ذلك جيدا لكنها لم تتردد لحظة عندما قالت
بما أنه لا يوجد حقوق نشر فهذا ليس عملها أنت تعرفين ذلك. 
بمجرد الاستماع إلى هذا التصريح تنفست صديقتها براحة والآن أصبحت واثقة من قدرتها على تنفيذ الأمر. 
أغلقت دينا الهاتف لكن عقلها لم يكن مع الأغنية بل كان يتجه
نحو شيء آخر... سيرين. 
كيف ستتعامل معها بعد الآن 
لم تتجه سيرين نحو منزلها الحالي مباشرة بل ساقتها قدماها إلى القصر... قصر تهامي الإرث الذي حمل عبق ذكريات طفولتها وأحلام مراهقتها لكنه الآن لم يعد كما كان. 
فحينما عبثت يد الخېانة بأموال العائلة ونهبت الثروة على يد سارة وتامر كان القصر هو الثمن الذي قدم قربانا للضياع وها هو
الآن محجوز في قبضة غرباء لا يمتون إليها بصلة ولا تعرف من هم.
جل ما تعرفه أن غرباء يسكنون حيث كانت ضحكاتها تتردد بين الجدران حيث كانت خطوات أبيها تتهادى في الممرات الرخامية حيث

كانت الشمس ترسل خيوطها الدافئة عبر نوافذ الطابق العلوي لتوقظها كل صباح على أحلام لم يكتب لها أن تكتمل. 
لم تكن سيرين تعلم شيئا عن مصير سارة أو تامر بعد أن قررت الانسحاب من المشهد كأنها شبح قرر أن يتلاشى بلا أثر وظلت أخبارهم سرابا بالنسبة لها ولم تشأ أن تمد يدها لتلمسه خشية أن تصطدم بحقيقة أكثر إيلاما مما تخيلت. 
ترجلت من السيارة على مهل كأن روحها تزن أضعاف جسدها ووقفت هناك على مسافة كافية لتتأمل المبنى المألوف لكنه بدا لها غريبا...
نظرت سيرين بحزن إلى نوافذ القصر العتيقة التي كانت تطل منها ليالي الصيف والآن لم تعد تحمل دفء الذكريات وكذلك أبوابه الفخمة التي لطالما فتحت لاستقبال الأحباب بدت موصدة في وجهها وحدها. 
تسلل القهر إلى مقلتيها فارتعشت نظراتها وهي تبحر بين تفاصيل القصر الذي كان بالأمس مملكتها.
تخللها إحساس بالضيق الشديد إذ شعرت وكأن حجارة المبنى تشاركها مأساتها وتهمس لها كل قطعة في القصر وكأن جدرانه تشتكي من صمتها الطويل.
ظلت سيرين واقفة هناك ټحرقها الذكريات كما تلتهم الڼار أطراف ورقة يابسة حتى لم يعد في قلبها متسع لمزيد من الألم. 
عاودت سيرين أدراجها أخيرا ثم صعدت إلى السيارة وأغلقت الباب بهدوء لكن بداخلها كانت العاصفة لم تهدأ بعد.
كان اليوم التالي عطلة رسمية فبادرت كوثر بالاتصال بسيرين منذ الصباح الباكر تخبرها بأن تأتي لتقضيا اليوم معا ربما تهربان قليلا من عبء الأيام وثقلها المستمر.
حل المساء وأطلت سيرين على عتبة منزل كوثر حيث وجدت مشهدا غريبا ينكشف أمامها
كان زكريا واقف أمام طاولة المطبخ يشرح لكوثر طريقة خبز بسكويت الشوفان وكأنه طاه محترف بينما ظلت كوثر تحدق فيه كمن يسمع لغة لم تكتشف بعد. 
هل تستطيع فعلا صنع بسكويت الشوفان سألت كوثر زكريا بدهشة وكأن الأمر فوق قدرات الرجال! عن رجال تتحدث! إنه لا زال طفل صغير.
تنهد زكريا بصبر نافد وعيناه تلمعان بوهج ساخر متمتما بأعين مستنكرة
يمكنك ببساطة مشاهدة مقطع فيديو عنه... هل كل النساء جاهلات إلى هذا الحد ثم سرح للحظة وهواجسه بدأت تتلاعب به هل ستكون زوجته
المستقبلية من هذا النوع أيضا مجرد الشرود في فكرة كتلك جعلت القلق يتمدد في صدره كظل ثقيل. 
حين دخلت سيرين توقفت عند العتبة للحظات تتأمل المشهد وكأنه لقطة سينمائية دافئة تنتمي لفيلم قديم عن العائلة والمودة غير المشروطة. 
أمي تعالي وتذوقي بعض الكوكيز! قال زكريا بحماس طفولي وهو يرفع طبقا مليئا بالبسكويت الذهبي. 
استدارت كوثر إلى سيرين بابتسامة ارتياح
أنا سعيدة لأنك هنا مدبرة المنزل عادت إلى أهلها للعطلة لذا لم يبق في البيت إلا أنا وزاك. 
ثم خفضت صوتها فجأة وعيناها تتفحصان الأركان بقلق متوجس
رجال ظافر... لم يتبعوك أليس كذلك 
نظرت سيرين نحو النافذة بإدراك بارد وقالت بصوت خاڤت لكنه واثق
إنهم بالخارج. 
وماذا سنفعل همست كوثر وكأن الأسئلة قد تحولت إلى سكاكين تقطع سكون المكان. 
هزت سيرين كتفيها بلا مبالاة مصطنعة
لا تقلقي في أسوأ الأحوال سيخبرونه فقط أنني جئت لرؤية صديقة. 
تنهدت كوثر بارتياح وكأنها وجدت منطقا وسط فوضى الشكوك
هذا صحيح. 
في تلك اللحظة كان زكريا قد انتهى من ترتيب الطبق ودفعه نحو سيرين بابتسامة متفاخرة
أمي صنعنا لك بسكويت الشوفان المفضل لديك. 
تناولت سيرين قطعة وابتسمت بحنان دافئ
أحبك زاك! 
احمر وجه زكريا قليلا لكنه تمالك نفسه سريعا وقال
وأنا أحبك أيضا أمي. 
راقبته كوثر بنظرة متفحصة قبل أن تعقد ذراعيها بتحد ساخر
كنت على وشك صنع بسكويت الشوكولاتة لكنك أقنعتني أن الشوفان أكثر صحة والآن اكتشفت أنه النوع المفضل ل سيرين أليس كذلك! . كيف تجرؤ على خداعي 
رفع زكريا حاجبيه بمكر يجيب بعفوية مصطنعة
لم أخدعك... فقط أرشدتك إلى الخيار الأفضل! 
وهكذا تحول الحديث إلى مشادة مرحة بين كوثر وزكريا تتطاير منها الكلمات كشرارات صغيرة تنثر الحياة في زوايا الغرفة وتغمرها بطاقة من الضحكات والمشاكسات اللطيفة. 
أما سيرين فقد جلست تراقب كل ذلك بصمت بينما فكرها كان يجوب أماكن أخرى... إلى حيث نوح وفاطمة البعيدين عن هذا المنزل.
كم كانت سيرين تتمنى أن يعودا قريبا ليكتمل دفء العائلة من جديد.
كما فكرت في رامي أيضا ذاك الذي لم يفارق ظلها يوما والذي غالبا ما يقف وحيدا في الخلفية يحرسها دون أن تطلب يحميها دون أن تشعر.
لماذا لم تدعه هو الآخر إلى هذه الجلسة 
انتبهت سيرين إلى نظرة كوثر المتفحصة نحوها وكأنها التقطت شرودها من الهواء.
سألت كوثر بفضول مبطن بشيء من الحذر عندما استمعت إلى اسم رامي يتردد من بين شفاه صديقتها رامي... هل هو الحارس الشخصي الذي استأجره كارم من أجلك هل جاء إلى هنا معك 
انعكست في عيني سيرين آلاف من الأفكار لكنها اكتفت بابتسامة غامضة تاركة السؤال معلقا في الهواء بلا إجابة كأسرار كثيرة لا تزال تنتظر موعد كشفها...
الفصل 48 
لماذا لم أر له مثيلا من قبل سؤال تردد بعقل كوثر وتمتمت به شفاهها وهي تراقب القادم من الظل كأن العتمة نفسها أنجبت رجلا من صلبها رجلا يتنفس الغموض كما يتنفس الهواء. 
بصوت هادئ لكنه مشحون بيقين لا يقبل التشكيك قال زكريا 
السيد رامي... لا يظهر إلا حين يكون الخطړ محدقا بأمي.
نظرت إليه كوثر بعينين تضيقان قليلا كأنها تزن كلماته في ميزان المنطق ثم عقبت بصوت منخفض لكنه ثابت 
لم يكن الأمر مفاجئا حين كنا بالخارج سمعت أن لديك حارسا شخصيا لكنني لم أره قط.
كانت تعرف كيف يبدو الحراس الشخصيون عاشرت وجودهم كما ېعاشر الإنسان ظله.
لكن هذا الرجل... لم يكن ظلا بل كان أشبه بسراب يتجلى حينما تستدعيه الضرورة ثم يتلاشى كما لو أنه لم يكن. 
أما كارم بمكانته التي تشبه صخرة تلقى في بحيرة راكدة فتثير الأمواج حولها فقد فرض على عائلة سيرين حماية غير مرئية لكنها قوية كإيمان راسخ لا يتزعزع. 
مرت عشر دقائق ثم انشق الصمت كما تنشق السماء عند البرق وانفتح الباب على مصراعيه.
دخل رامي كأن الهواء نفسه انحنى احتراما لوصوله.
مشى بخطوات محسوبة صلبة لكن بلا صخب هادئة لكن بلا ضعف كالنصل حين يسحب من غمده في سكون الليل. 
شعرت كوثر بأنفاسها تتعثر كأن الهواء قد اختنق برئتيها فجأة واتسعت عيناها بانبهار لم تستطع إخفاءه 
يا له من رجل... 
رمقها زكريا بنظرة جانبية قبل أن يمد لها منديلا بابتسامة خفيفة ذات مغزى 
امسحي فمك يا أميرة الروايات الرومانسية.
حاولت كوثر أن تبدو متماسكة لكن سيرين التي تعرفها كما تعرف كف يدها لم تنخدع بالمظاهر فكوثر لم تكن من النوع الذي ينجرف خلف رجل لمجرد وسامته فهي تعرف جيداظ كيف تحمي قلبها ربما أكثر مما ينبغي... 
ذات يوم أعطت كوثر قلبها لرجل لم يقدرها وحين انكسرت أقسمت أن تغلق عليه وأن تضعه في صندوق لا مفتاح له رافضة الحب رافضة الزواج حتى وهي تقترب من عامها السابع والعشرين. 
ادخل يا رامي هذه صديقتي كوكي ولا يوجد أحد هنا غيرنا. قالتها سيرين وهي تشير إلى الداخل. 
لم يجب رامي لكنه ألقى نظرة سريعة نظرة رجل لا يرى المكان كغرفة عادية بل كمساحة ينبغي تحليلها كخشبة مسرح لمسرحية غير مرئية. 
تكلم زكريا بلطف متعمد 
سيد رامي غدا عطلة... ما رأيك أن تتناول معنا

بعض البسكويت 
لم تتغير ملامح رامي لكنها بدت وكأنها تراخت قليلا ثم أجاب بصوت رتيب لكنه مغموس بالحزم 
لا شكرا لك.
بينما سيرين التي اعتادت على حدود رامي التي لا يسمح لأحد بتجاوزها لم تلح لكنها التقطت بضعة قطع من البسكويت وناولتها له بابتسامة هادئة 
عطلة سعيدة.
تردد لبرهة كأنه يقيس ما وراء الابتسامة ثم مد يده وأخذ
الحزمة وقال بصوت خاڤت لكنه عميق 
شكرا لك.
ثم استدار ورحل تاركا خلفه موجة من الصمت المشوب بالتساؤلات صمت لم يكن عاديا بل كأن المكان نفسه كان يستمع إلى وقع خطواته. 
تأملت كوثر الفراغ الذي كان يملأه قبل لحظات ثم علقت ببطء كأنها تكشف شيئا خفيا 
لا يبدو كحارس شخصي. 
سألتها سيرين بفضول مدروس 
لماذا تقولين ذلك
أجابت كوثر وعيناها لا تزالان معلقتين بالباب الذي غادر منه
مجرد شعور... لا أعرف كيف أفسره.
لكن سيرين التي عاشت تحت حمايته لسنوات لم تكن غافلة عن ذلك الشعور فلطالما تساءلت إن كان مجرد حارس أم أنه شيء آخر... شيء لم يكشف عنه بعد كفصل لم يكتب في رواية لم تكتمل.
اهتز هاتف كوثر فجأة قاطعا خيوط الأفكار التي كانت تتشابك في عقلها كعناقيد عنب نضجت قبل أوانها.
ألقى ضوء الشاشة وهج بارد على ملامحها المتوترة وحين رأت الاسم الذي ظهر أمامها زفرت كأنما تحاول