رواية حب ليس له مثيل كاملة


القدر قرر التدخل في اللحظة الأخيرة كأن خيطا رفيعا بينهما كان على وشك التمزق فجاء الصوت ليعيده إلى الواقع إلى حيث لم يكن يريد أن يكون.
ابتعد عنها ببطء يلهث كمن انتزع روحه والتقط الهاتف بصعوبة صوته خرج مبحوحا ممتزجا بلهيب اللحظة
هل وصلت يا ظافر الجميع ينتظرك!
كانت شادية على الطرف الآخر صوتها يجره قسرا من هذا الجنون ليعيده إلى حفلة العشاء الفاخرة إلى المكان الذي كان يجب أن يكون فيه منذ البداية حيث الأضواء والابتسامات المصطنعة حيث كل شيء زائف مقارنة پالنار التي اشتعلت بينه وبين سيرين قبل لحظات.
وحين الټفت إليها وجدها قد دفعت الباب وخرجت تهرول كمن يفر من سجن كاد أن يبتلعها للأبد
لم تلتفت ولم تتردد فقط نظرت إليه لوهلة خاطفة ثم قالت بصوت مقطوع الأنفاس
السيد ظافر إن لم يكن هناك شيء آخر سأغادر الآن.
ثم ركضت... كما يركض من أفلت من الإعدام في اللحظة الأخيرة.
أما هو فقد بقي هناك يحدق في الفراغ في أثر خطواتها التي تتلاشى في لونها الأحمر الذي ظل يشتعل في ذاكرته والهاتف لا يزال في يده المحادثة مستمرة لكنه لم يكن هناك. كان معها... حيث لم يتركها حيث أقسم بينه وبين نفسه
سيرين تهامي... ما دومت على قيد الحياة لن أدعك تذهبين.
في هذه الأثناء وقف زكريا عند مدخل الفندق متواريا تحت قبعة بيسبول تخفي جزءا من ملامحه فيما يستقر قناع على وجهه كستار يحجب نواياه.
كانت عيناه مسمرة على سيارة بوغاتي فاخرة تقف عند المدخل كما لو أنها تاج ملقى أمام عرش.
لمعت عيناه للحظة لكن سرعان ما اكتساهما الغيم حين رأى طارق يترجل من السيارة بخطوات واثقة لا تعكس إلا غطرسة من اعتاد أن يمتلك كل شيء.
تجمدت أنفاس زكريا في صدره وانعكست ملامحه على الزجاج المصقول للسيارة وكأن القدر يسخر منه يجعله يرى نفسه في صورة مصغرة من ظافر.
ارتجف صوته حين تمتم لنفسه وقد تملكت نبرته مرارة الاڼتقام
بما أنك تجرأت على الاقتراب من أمي... فلا تلومن إلا نفسك على ما سيأتي.
راقبه حتى اختفى طارق داخل الفندق ثم تبعه متسللا.
خطواته الصغيرة كانت تحمل من الثقل ما لا تحمله أقدام الكبار لكنه ما إن اقترب من البهو حتى استوقفته إحدى النادلات وبرقة لم تكن تناسب فوضى الصراع المشتعل في قلبه قالت
يا صغيري لا يمكنك اللعب هنا.
نظر إليها زكريا بنظرة بريئة متقنة الصنع ثم ابتسم وهو يجيب بصوت هادئ مشوب بالثقة
أنا هنا مع والدي يا آنسة... إنه بالداخل.
ترددت النادلة للحظة قبل أن
تنظر إلى ملابسه الأنيقة التي كانت تهمس بحكايات الثراء فصدقته دون أدنى شك. ومن ثم ابتسمت بلطف وأشارت بيدها
دعني أوصلك إليه إذن.
لكن ما إن امتدت يدها للإمساك بيده حتى تحرك زكريا برشاقة متفاديا لمستها بحذر بالغ وهو يرفع رأسه إليها بابتسامة خفيفة وقال بلطف مصطنع
لا شكرا لك آنستي سأجده بنفسي.
ثم اندفع إلى الداخل تاركا النادلة في حيرة وقد تراقصت في عقلها فكرة واحدة
هناك الكثير من الأطفال المشاغبين هذه الأيام... لكن نادرا ما تجد طفلا بهذا الذكاء واللباقة!
لم يكد زكريا يختفي في أروقة الفندق حتى ارتسم ظل جديد عند المدخل... إنه ظافر الذي دخل بخطوات رخيمة ثابتة وواثقة تحمل معها عاصفة لا يعلم أحد كيف ستهدأ
أو أين ستضرب أولا.
الفصل

55 
كان المساء يلقي بردائه القاتم على المدينة بينما وقف طارق أمام النافذة الزجاجية لغرفته يتأمل الأضواء المتراقصة على صفحة البحر لكن شهيته للطعام كانت قد انطفأت كما ينطفئ وهج الشموع عند أول هبة ريح.
لم يكن جائعا ولم يكن في مزاج يسمح له بمشاركة الآخرين مائدة عامرة بالمجاملات.
لكن الجد بحنكته المعتادة لم يترك له خيارا إذ استدعاه إلى مأدبة العشاء في الفندق متذرعا بواجبات اللياقة لكن طارق كان يدرك أن الأمر أبعد من ذلك.
فقد كان الجد يريد أن يقدمه إلى فتيات العائلات الأخرى كما لو كان بضاعة ثمينة تعرض على المشترين.
بمجرد أن وطأت قدما طارق قاعة العشاء الفاخرة استدعاه الجد جانبا ناظرا إليه بعينين تخفيان وراءهما قوة لا تقبل التحدي
هذه مأدبة عائلة نصران وأشك في أنك قد تجرؤ على إفسادها.
كان الجد يعرف كيف يسدد ضرباته إلى أضعف نقاط حفيده تماما كما يفعل الصياد اامحترف لذا لم يكن أمام طارق إلا أن ينسحب إلى إحدى الزوايا حيث جلس في عزلة تشبه العزلة التي تحيط بذئب جريح.
بدأ الڠضب يشتعل في عيني ذلك الذئب الأصغر كجمر تحت الرماد فأحاطته هالة من النفور جعلت كل من حوله يدرك أن الاقتراب منه الآن سيكون مقامرة خاسرة لكن ما لم يدركه طارق أن هناك عينين صغيرتين كانتا تراقبانه بصمت طوال الوقت.
في الجانب الآخر من القاعة كانت دينا حاضرة أيضا بالطبع وجودها لم يكن مفاجئا لكنها رغم ذلك لم تجرؤ على التقدم نحوه ليس خوفا من طارق بل من الجد.
كانت تعرف أن هذا الرجل العجوز لا يلقي كلماته عبثا ولا ينسى وعوده أبدا فقد ظلت كلماته عالقة في ذاكرتها تطرق جدران عقلها كلما تلاقت عيناها بعيني طارق حتى الآن في الواقع لو لم يبحث عنها الجد في وقت سابق ليلقي على مسامعها تحذيره التالي لكانت قد أصبحت عشيقة طارق حفيده بالنظر إلى هوس طارق بها في ذلك الوقت
لا يهمني من يواعدها طارق لكن امرأة بمكانتك تلك لن تدخل هذه العائلة أبدا! وإذا تجرأت على إغوائه بالزواج منك فلن أتردد في أن أجعله أرملا.
أرملا...
تلك الكلمة كانت تحمل بين طياتها وعيدا لا لبس فيه فهي تعلم أن الجد لا يلقي بالتهديدات جزافا وأنه قادر تماما على تنفيذ وعيده ببرود لا يليق إلا بالحكام المستبدين.
وسط ضوء الشموع المتراقصة على أنغام المأدبة وقف زكريا متحفزا يراقب المشهد كذئب يتحين الفرصة للانقضاض.
كانت أنفاسه محملة بالترقب وقلبه ينبض بڼار الاڼتقام أدرك للحظة أن خصومه مجتمعون هنا عائلة والده الغادر والمرأة التي يدعي ظافر حبها... الجميع حاضرون.
تلبدت ملامح الصغير بغمامة من الڠضب في ذلك اليوم لم ير سوى وجه طارق الرجل الذي بسببه تجهم وجه سيرين واضطر رامي التصدي لمن جمعهم طارق حوله في ذاك المطعم.
لم يأبه زكريا لمنظمي المأدبة أو لمن يقف خلف هذا الحشد لكن الآن وهو يتأمل الأجواء أدرك أن عائلة نصران هي من تقود هذا الحفل الباذخ ورغم ذلك لم يكن هناك مجال للتراجع فلا يمكن أن يغادر بهذه السهولة ليس بعد أن وطأت قدماه أرض العرين.
اغتنم زكريا غياب ظافر وتسلل بين الحضور بخطوات محسوبة ومن ثم التقط كأسا من النبيذ الأحمر القاني وتحرك بثقة نحو طارق.
انحنى زكريا قليلا وهو يمد يده لطارق بالكأس يقول بنبرة هادئة مغلفة بالسخرية
يبدو أن مزاجك متعكر سيدي. تفضل ارتشف قليلا.
رفع طارق بصره باستنكار متسائلا عن ماهية هذا الأحمق الذي تجرأ على الاقتراب منه وحين وقعت عيناه على الفتى الواقف أمامه ظن لوهلة أنه مجرد صبي ضال فقد كان طوله لا يتجاوز طول ساقيه.
قلب طارق عينيه مستنكرا يغمغم متأففا
كيف تسلل طفل كهذا إلى هذه المأدبة ومن الذي أحضره إلى هنا
كان زكريا متخفيا خلف قناع وجه يغطي ملامحه بالكامل يعتمر قبعة تخفي شعره لكن عينيه ظلتا مكشوفتين عينان جميلتان مألوفتان على نحو غامض وكأنهما تهمسان بشيء لم يدركه طارق بعد ورغم ذلك فقد كان طارق يكره الأطفال كراهيته للهواء العطن في زنزانة مغلقة.
أجابه طارق ببرود جليدي
لست بحاجة إليه.
لكن الفتى لم يتراجع بل رفع الكأس أكثر حتى كاد أن يلامس شفتي طارق وعندها قد ضاق الأخير ذرعا عبس وهو يمد يده ليبعده بعيدا عنه يزجره بصوت حانق
قلت لك ابتعد!
وكأن الرياح قد انقلبت ضده إذ فجأة انسكب النبيذ من يد زكريا مندفعا كسيول دموية ليغرق فخذي طارق بلون أحمر داكن وبالطبع هو لا يعلم أن تلك الرياح قد سخرها زكريا لصالحه فما حدث كان عن عمد.
تجمدت ملامح طارق وعيناه تقدحان شررا بينما بدا وجهه ملبدا كسماء عشية عاصفة.
زفر طارق پغضب لكن قبل أن ينبس بحرف تراجع زكريا إلى الخلف واتسعت عيناه ببراءة مصطنعة ورعشة خفيفة اعترت صوته وهو يتلعثم
آسف جدا سيدي... لم أقصد ذلك... أقسم لك!
حدق طارق في الصبي الماكر مشككا في نواياه لكن قبل أن يقرر كيف يرد ارتفع صوت زكريا فجأة ناثرا كلماته كحجارة في بركة ماء ساكنة
سيدي... لن تضربني أليس كذلك
وبلحظة توقفت الأحاديث والتفتت العيون نحوهما في حين أن تسربت الهمسات بين الضيوف كدخان متصاعد من حريق غير مرئي.
حدق طارق في الصبي غير مصدق لما يسمعه متسائلا بدهشة
متى قال ذلك! صحيح أنه ليس رجلا صالحا لكنه لم يمد يده يوما على طفل!
وقف طارق وجهه متجهم كتمثال منحوت في قلب العاصفة وبينما يحاول استعادة زمام الأمور شهق زكريا بأنفاس مرتجفة واندفعت دموعه المصطنعة كشلال صغير قبل أن يهمس بصوت متوسل
سيدي... لقد أفسدت بنطالك... لا بأس! سأخلع بنطالي وأعطيه لك فقط لا تغضب مني أرجوك لا تضربني كما قلت الآن!
ساد صمت ثقيل توترت فيه الأجواء ولم يتمالك طارق نفسه من الذهول فأخذ يحدق بالفتى لحظة طويلة ثم زفر في إحباط... كيف بحق الچحيم انتهى به الأمر في مواجهة طفل مستعد للتضحية بسرواله من أجل ڤضيحة علنية مدعيا أن شخص بالغ مثله قد هدده بالاعتداء!
الفصل 56 
بينما كانت العيون تتقاطر عليه كسهام مسمۏمة شعر طارق وكأنه يقف في ساحة عامة تفتش النظرات ملامحه تزن خطواته وتنبش في تفاصيله كأنه مچرم وقع في قبضة الضوء.
كان طارق على يقين تام بأن بقاءه في هذا المكان ولو للحظة أخرى سيجعله محور الأحاديث وهمسات التأويلات التي تنسج حوله قصصا لم يعشها قط. 
كل من لم يدرك كواليس المشهد قد يظنه رجلا ينهال ڠضبا على طفل مسكين أو ربما شخصا فقد أعصابه في غير موضعها لذا لم يكن هناك وقت للتبرير أو الهروب بالكلمات لذا اتجه مباشرة نحو الحمام كأنما يحاول الهروب من فخ استدرجته إليه الصدفة من وجهة نظره. 
أما زكريا فقد خلع قناع البراءة في لحظة واحدة وارتسمت على وجهه ابتسامة المنتصر وبحركة محسوبة رفع زكريا معصم يده وأطلق نظرة خاطفة إلى ساعته الذكية قبل أن يلتقط صورة لطارق في تلك الحالة بعد أن نجح في إثارة غضبه إلى أقصى حد
فكانت زاوية اللقطة مثالية تكاد تنطق بحكاية من طرف واحد ولم يكن ذلك كافيا بالنسبة

له فالمتعة الحقيقية لم تبدأ بعد.
تابع زكريا خطوات طارق عن كثب متسللا وراءه إلى الجناح كصياد يدرك أن فريسته لم تستنزف كما يجب.
من بعيد وقع بصر شادية على زكريا فاجتاح قلبها