رواية حب ليس له مثيل كاملة

 

المرة بنبرة خشنة تفيض ألما مكبوتا وأكمل وهو يكاد ېصرخ
ألم تكوني أنت من انهمرت
دموعها على وجنتيها وأنت تتوسلين لي كي أتزوجك ألم يكن أنا اختيارك الأول دوما! اجيبيني هل كنت تتصنعين الحب!
لكن صوت سيرين قد تبدل وأصبح أضعف من أن يسمع بدت وكأنها تتحلل من بين يديه كسراب يتلاشى مع الريح ترددت كلماته في الفراغ قبل أن ېصرخ بقلق متزايد
سيرين! أين أنت الآن! ردي علي!
لم تأته أي إجابة صمتها كان أبلغ من الكلمات
ووسط ذلك السكون القاټل اخترقت أذنه جملة أخيرة خرجت منها بصعوبة وكانت كلماتها متقطعة كأنفاسها الحقيقة هي أنني أتمنى لك السعادة ثم تلاشى صوتها فجأة تاركا فراغا مخيفا كأنما اختطفتها الريح
ثانية واحدة كانت كافية لإحداث الفوضى داخله إذ سمع صوتا مكتوما تبعه ارتطام أدرك حينها أن الهاتف قد انزلق من يدها وتخيل كيف ابتلت شاشته بمياه الأمطار التي لم ترحمها رأى في مخيلته الشاشات تخفت تدريجيا كما تخفت روحها أمام عينيه
حدق ظافر بهاتفه حيث ظهرت عبارة تم إنهاء المكالمة كان الذعر يعصف به والمشهد برمته عالق بين اليقين والخيال شعوره أشبه بمن يقف على حافة هاوية عاجزا عن فعل أي شيء لإنقاذ نفسه أو إنقاذها
حاول ظافر الاتصال بسيرين مرة أخرى إلا أن ما وصله لم يكن سوى صوت آلي جامد يخلو من أي لمسة إنسانية عذرا لا يمكن توصيل مكالمتك الآن يرجى المحاولة لاحقا
تنفس بعمق وهو يمد يده ليلتقط معطفه ارتداه بتثاقل واستدار نحو الباب إلا أنه تجمد في مكانه كأنما أصيب بشلل مؤقت تدفقت الأفكار إلى رأسه كأمواج عاتية يضرب بعضها بعضا دون هوادة
ماذا لو كانت سيرين تخطط لشيء ما
لقد كانا على حافة الانفصال خطوات معدودة فقط تفصل بينهما وبين إنهاء كل شيء فلماذا إذن تزعجه فكرة علاقاتها لماذا يقتحم ماضيها ذاكرته كطعڼة غادرة لتثير بداخله خليطا متناقضا من الڠضب والحنين
لكن صوتها ذلك الصوت الذي يسكن قلبه رغم كل شيء ظل يتردد داخله تلك الجمل التي لم يستطع نسيانها مهما حاول
لو كنت أعرف ما فعلته أمي وأخي لما اخترت الزواج منك
لو كنت أعرف أنك أحببت دينا دائما لما تزوجتك
لو كنت أعرف أن والدي سيتعرض لحاډث في يوم زفافنا لما تزوجتك!
تراجع عن أفكاره كمن يهرب من مواجهة نفسه لكنه وجد قدميه تقودانه بلا وعي فجأة وجد نفسه أمام باب غرفة سيرين القديمة لقد مر شهر كامل منذ أن خرجت منها ومن حياته بأكملها
مد يده بتردد وكأنه يخشى ما قد يجده بالداخل ثم دفع الباب ببطء
غمرته رائحة غريبة خليط من عطرها القديم والهواء العالق في مكان مغلق كان الجو ثقيلا كأنما يحمل بين جدرانه أسرارا لم تكشف بعد
أضاء ظافر المصباح لكن النور بدا عاجزا عن طرد الفراغ القاټل الذي يخيم على الغرفة جل ما هنالك لا شيء فقط اللاشيء
كانت الغرفة أشبه بعلبة فارغة لا تحمل أي أثر لسيرين سوى صمت ثقيل وخانق اختفت متعلقاتها الشخصية كما اختفت هي وكأنها لم تكن هنا يوما ومع ذلك كان شعور وجودها يحيط به كطيف عالق بين الماضي والحاضر يراقبه بصمت لا ينقطع
جلس ظافر على طرف السرير يلتقط أنفاسه الثقيلة تحت وطأة الصمت المخيم على الغرفة وبيد باردة بطيئة امتدت أصابعه نحو درج المنضدة المجاورة لتخرج أنامله دفتر ملاحظات صغيرا ألقي فيه الزمن بعبثية
فتح الدفتر الذي تبين فيما بعد أنه عائد لسيرين ولم يجد فيه إلا جملة واحدة كتبت بخط يد أنيق يشبه التموجات المتداخلة في بحر هادئ
أعتقد أن أولئك الذين يختارون الرحيل بعد أكثر التجارب
بؤسا يفعلون ذلك بسبب صراعات داخلية لا حصر لها تغذت على صبرهم قبل أن يقرروا أخيرا المغادرة
ظل ظافر يحدق في الكلمات للحظات ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة اخترقت صمته الموحش وقال بصوت خاڤت بالكاد يسمع 
بؤس ألم أكن أنا البائس وأنا أرغم نفسي على تحمل وجودك طوال تلك السنوات 
رمى ظافر الدفتر في سلة المهملات بقوة وكأنما يحاول أن يلقي معه شيئا آخر أثقل من الورق لكنه وبغرابة تناقض شعوره توقف في منتصف الطريق نحو الباب وكأن قدميه تجمدتا ثم عاد بخطوات مترددة والتقط الدفتر من السلة برفق وكأنه يخشى أن يحدث به خدشا ووضعه بعناية على طاولة السرير قبل أن يعمد إلى المغادرة متوجها إلى غرفته كي ينعم بقسطا من الراحة ومع ذلك جفاه النوم فرا من
عينيه ولم يجد سبيلا لاستعادته
في الجانب الآخر من المدينة كان كارم يتقلب في فراشه بلا جدوى لم ينل قسطا كافيا من النوم هو الآخر فقد كان عقله مثقلا بقلق غامض على سيرين التي كانت تتصرف بغرابة في اليومين الماضيين لكن ذلك الغموض الذي يحيطها كان يراوغه كظل يهرب من ملاحقته 
عندما أشار عقرب الساعة إلى الرابعة صباحا أيقظه صوت رنين هاتفه فرفعه سريعا ليجد اسم فاطمة على الشاشة
أجاب بقلق واضح 
فاطمة ماذا هناك 
جاء صوتها مترددا محملا بثقل لم يعتده منها 
كارم أحتاج مساعدتك أشعر بالقلق على سيرين لقد رأيتها في حلم غريب للتو 
اعتدل كارم في جلسته وبصوت يغلبه الفضول المشوب بالخۏف سألها 
أي حلم 
ردت فاطمة بصوت مرتجف وكأنها تحاول استعادة تفاصيل الحلم من غياهب ذاكرتها 
رأيتها في الحلم تقف وسط المطر بملابس مبللة وشعرها يتساقط على وجهها كأنه جزء من المطر ذاته كانت تطلب مني أن أحملها وأقودها إلى المنزل وجهها كان يحمل نظرة غريبة وكأنها تنادي علي لكنها لم تتحدث 
توقفت للحظة عندما خانتها الكلمات ثم تابعت بصوت مخټنق 
اتصلت بها منذ قليل لكنها لم ترد والأغرب من ذلك أنها قبل أيام طلبت مني أن أرافقها يوم الخامس عشر أشعر أن هناك شيئا غير طبيعي سيحدث 
صمت كارم للحظة يفكر في كلامها وربط بين ما قالته وبين تصرفات سيرين الغامضة ثم نهض مسرعا وبدأ يرتدي ملابسه في عجالة 
لا تقلقي سأتوجه إليها فورا 
كانت تلك الكلمات هي كل ما احتاجته فاطمة لتشعر ببعض الراحة بينما استعد كارم لمواجهة شيء لم يكن يعرف عنه سوى القليل لكنه كان يشعر في أعماقه بأنه قادر على تغيير القادم
كان كارم يقيم على مقربة من المنزل الذي أعطاه إيجارا لسيرين لذا لم يستغرق وصوله إلى شقتها أكثر من عشر دقائق
ولج إلى داخل المكان بخطوات مترددة ويداه ترتجفان لكنه تفاجأ بشقتها التي بدت فارغة كصحراء مهجورة يخيم عليها السكون والهواء يعج برائحة غيابها
كان باب غرفة النوم مفتوحا على مصراعيه ولا يوجد أثر لها هناك 
تساؤلات كثيرة تسللت إلى عقله المرتبك تلاحقه كظلال طويلة في عتمة الليل أين يمكن أن تكون ولماذا قد تغادر في مثل هذه الساعة ولكنه لم يجد جوابا شافيا بين أفكاره المشتتة 
كانت الوسادة على سريرها تحتضن خطابين وكأنهما إرث من مشاعر خفية
التقطهما كارم بحذر كمن ينتظر أن يبوحان له بسر عظيم فتح الرسالة الأولى وكانت موجهة إليه كلماتها الأولى كانت أشبه بخنجر يغرس في صدره 
لقد قمت بتحويل رسوم الإيجار إلى حسابك البنكي شكرا لك كارم على رعايتك لي
خلال

الأيام الماضية 
هل تعلم لم أستطع أن أكون أي صداقات منذ قدومي إلى هنا كنت أشعر أنني شخص فاشل تماما لأنني لم أجد من يفهمني أو يشاركني يومياتي لكن عندما التقينا جعلتني أدرك أنني لست سيئة كما كنت أعتقد أشكرك بصدق على ذلك لا تحزن سأكون الآن مع والدي إنه سيعتني بي كما لم يعتن بي أحد من قبل 
كلماتها كانت كوقع قطرات المطر الباردة على وجهه فتركت أثرا عميقا ثم تنسل بهدوء 
ثم انتقل بعينيه إلى الرسالة الأخرى التي كانت موجهة إلى فاطمة قرأها بعناية واستوعب سريعا العنوان المكتوب فيها كان ذلك هو المكان الذي من المفترض أن تلتقي فيه فاطمة بسيرين لتصطحبها
على الفور هرع كارم خارج الشقة وكأن الحصى تشتعل تحت قدميه كالجمر 
الضواحي الغربية لم تكن بعيدة عن مكانه لكن كل دقيقة في الطريق كانت تشبه قرنا عشرون دقيقة مرت وكأنها ساعات طوال تشبع قلبه بثقل الانتظار الأفكار تضج في رأسه كعاصفة هوجاء
كيف يمكن لسيرين التي كنت أراها نجما ساطعا في سماء موهبتها أن تختار طريقا كهذا
في تلك اللحظة كانت سارة هي الأخرى تقود سيارتها نحو الضواحي الغربية لكن لغرض مختلف تماما إنها ذاهبة لتصطحب سيرين إلى زفافها الذي كان مميزا لدرجة أن تكلفته بلغت ثلاثمائة مليون دولار
كانت السماء تتشح بعباءة رمادية وكأنها تبكي حزنا لا نهاية له حين انهمرت الأمطار بغزارة على المقپرة المهجورة في الضاحية الغربية قطرات المطر كانت كرماح تهوي من السماء تخترق كل شيء في طريقها بلا رحمة
سيرين بوجهها الشاحب وجسدها الهزيل الذي بدا أشبه بشبح يلفه الألم كانت جاثية أمام القپر فستانها الطويل التصق بجسدها النحيل بفعل المطر مبرزا ضآلتها وكأنها روح على وشك الانسحاب من هذا العالم
كانت نظرتها فارغة وكأنها ترى شيئا لا يراه الآخرون شيئا أبعد من حدود الحياة
في هذه الأثناء كان هناك صوت وقع أقدام يخترق هدير المطر إنه كارم يركض ووجهه يعكس مزيجا من الذعر واليأس
صاح باسمها سيرين! لكن الرياح والمطر التهما صوته ولم يصل نداءه إلا كهمس شاحب
عندما وصل إليها بدا الوقت وكأنه قد توقف لاحظ كارم الزجاجة الفارغة بجانبها التي تحمل علامة حبوب منومة
اتسعت عيناه پذعر ويداه المرتعشتان حملتا جسدها الخفيف كريشة بلا حياة استيقظي يا سيرين! لا تجرؤي على النوم! كان يهتف وصوته مشحون برجاء يائس وهو يركض بها أسفل التل غير مكترث بالطين الذي يغمر خطواته
في تلك اللحظة كانت سارة جالسة في المقعد الخلفي لسيارتها الفاخرة تحدق من النافذة أمطار كثيفة طمست معالم الطريق لكن عينيها التقطتا مشهدا غير مألوف رجل يحمل سيرين بين ذراعيه وكأنهما جزء من لوحة مأساوية
ما الذي فعلته هذه الحمقاء الآن تمتمت وهي تخرج من السيارة كانت سارة ترتدي فستانا زاهي الألوان اختارته لتلك الليلة الاحتفالية لكن الأمطار حولته إلى قطعة بالية
مشاعر الڠضب خيمت على وجهها المتجعد لكنها تجمدت في مكانها حين اقتربت أكثر
رأت سيرين بلا حراك بين ذراعي كارم وجهها كان شاحبا حد المۏت وعيناها مغمضتين بإحكام كأنهما ترفضان مواجهة هذا العالم
على الأرض بجانبها كانت الزجاجة الفارغة تتدحرج
بفعل الرياح انحنت سارة والتقطتها وعيناها تقرآن العبارة حبوب منومة في تلك اللحظة ارتجفت يداها وهي تتذكر كلمات سيرين قبل أيام ماذا لو أعيد إليك حياتي هل يعني هذا أنني لم أعد مدينا لك
سقطت المظلة من يدها لتكشف عن وجهها الذي بللته الأمطار لم يكن واضحا إن كان البلل من المطر
أو من